أمضى «مطياف ألفا المغناطيسي» Alpha Magnetic Spectrometer المعروف اختصارًا باسم (AMS) السنوات الثماني والنصف الماضية يجمع الأشعة الكونية المشحونة التي تتحرك عبر الفضاء بسرعة الضوء تقريبًا، وذلك من موقعه خارج «محطة الفضاء الدولية» International Space Station المعروفة اختصارًا باسم (ISS). على عكس كاشفات الجسيمات على الأرض، فإن «مطياف ألفا المغناطيسي» ليس ملحقًا بمسرّع للجسيمات، ولكنه عوضًا عن ذلك يدرس الجسيمات في أثناء وجودها في فراغ الفضاء، دون أن تغيّرها التفاعلات مع الغلاف الجوي لكوكبنا. تهدف التجربة إلى معالجة بعض من أكبر المعضلات الكونية، مثل: ماهية المادة المظلمة المفقودة التي يبدو أنها تهيمن على الكون، وسبب احتواء الكون على مادة أكثر من المادة المضادة.

حتى الآن، درس «مطياف ألفا المغناطيسي» أكثر من 145 مليار من الأشعة الكونية المشحونة، مما أثمر عن 16 بحثًا علميًّا ومجموعة من الأسئلة المثيرة للاهتمام. ومع ذلك، فقد ظهرت مشكلة في عام 2014 في نظام التبريد الخاص بالتجربة لتهدد بانقطاع العمل العلمي قبل اكتماله. فقررت «ناسا» استبدال الأجهزة المتعثرة خلال مجموعة من أربع عمليات شاقة ومعقدة من السير في الفضاء، أو ما يُطلق عليها «أنشطة خارج المركبة» extravehicular activities التي تُعرف اختصارًا باسم (EVAs)، والتي بدأت في الخامس عشر من نوفمبر. إذا نجحت هذه العمليات، فمن المفترض أن يكون «مطياف ألفا المغناطيسي» قادرًا على مواصلة التقاط البيانات لسنوات، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى حل لغز بعض الاكتشافات المذهلة التي توصَّل إليها حتى الآن.

ألغاز محيرة

يتعلق أحد أوائل الألغاز التي كشف عنها «مطياف ألفا المغناطيسي» بطاقات البوزيترونات الواردة –وهي نظائر الإلكترونات من المادة المضادة. فقد تم اكتشاف أن طيف البوزيترونات يرتفع بشدة عند 25 مليار إلكترون فولت (GeV)، حتى يصل إلى حوالي 300 مليار إلكترون فولت، ثم ينخفض بحدة حتى ينقطع تمامًا عند حوالي 1,000 مليار إلكترون فولت. يقول صامويل تينج، وهو فيزيائي حاصل على جائزة نوبل بمعهد ماساتشوستس للتقنية، ويقود الفريق العلمي للمطياف المؤلّف من 600 عضوٍ: "إنه أمر غير اعتيادي على الإطلاق".

ويضيف تينج قائلًا: إن التفسير الأكثر منطقيةً هو أن كاشف الجسيمات، وهو مشروع يضم 56 وكالة من 16 بلدًا، يرصد النواتج الثانوية لتصادمات جسيمات المادة المظلمة ذات الكتلة المرتفعة نسبيًّا. ومع ذلك، يمكن أيضًا أن يكون هذا النمط الغريب نابعًا من نجوم نابضة قريبة أو ظاهرةٍ ما أخرى.

تقول تريسي سلاتير، فيزيائية الجسيمات بمعهد ماساتشوستس للتقنية: "إن انخفاض طيف البوزيترونات أمرٌ مثيرٌ للاهتمام، سواءٌ كان ناتجًا عن المادة المظلمة، أو النجوم النابضة، أو شيء آخر. إذا كان ناتجًا عن المادة المظلمة، فهذا سيمنحك وسيلةً أكثر دقةً للتعرّف على ماهية كتلتها. وإذا كان مصدره النجوم النابضة القريبة، فهذا سيفيدك بمعلومات مهمة حول كيفية انتشار الجسيمات من تلك النجوم النابضة عبر المجرة. [عن طريق] إجراء قياسات أفضل لهذا الانقطاع عند ارتفاع الطاقة، إذ إن الإحصائيات محدودة حاليًّا، ربما سيمكنك استبعاد أحد التفسيرات".

من الاكتشافات الأخرى المثيرة للاهتمام كشف «مطياف ألفا المغناطيسي» عن جسيمات الهيليوم المضاد –وهي نظائر الهيليوم من المادة المضادة، التي تحتوي على بروتونين مضادين ونيوترون مضاد– وهي نتيجة لم ينشرها باحثو «مطياف ألفا المغناطيسي» بعد. ويعلّق تينج قائلًا: "نريد أن نتأكد من أننا نستطيع أيضًا رصد الكربون المضاد والأكسجين المضاد. لدينا أقل من عشر إشارات للهيليوم المضاد، إذ إن المعدل هو هيليوم مضاد واحد إلى كل مئة مليون هيليوم. فهذا أشبه بالبحث عن ثلاثة أشخاص بين جملة سكان الولايات المتحدة".

مهمة إصلاح

لن تأتي الإجابات الأكثر تحديدًا إلا مع المزيد من البيانات من «مطياف ألفا المغناطيسي»، الذي تم تثبيته على «محطة الفضاء الدولية» خلال الرحلة الأخيرة لمكوك الفضاء «إنديفور» Endeavour في مايو 2011. يُعتبر الكاشف الذي تبلغ قيمته ملياري دولار آلةً رائعةً بكل المقاييس، إذ يتضمن خمس معدَّات علمية، و300 ألف قناة إلكترونية، و650 معالجًا سريعًا. ولكن لم يتم تصميمه بحيث يمكن صيانته، ولا سيما بواسطة رواد فضاء يرتدون قفازات وبِذَلًا فضائية ويتحركون في بيئة منخفضة الجاذبية. يشتمل نظام تبريد «مطياف ألفا المغناطيسي» على أربع مضخات صغيرة، تم تجهيز كلٍّ منها بدفّاعة بحجم عملة معدنية، تدور بسرعة 6 آلاف دورة في الدقيقة الواحدة لتحريك ستة جرامات من ثاني أكسيد الكربون عبر النظام. يتم استخدام مضخة واحدة فقط كل مرّة، ولكلٍّ منها عمر تصميمي يبلغ ثلاث سنوات، فمن الناحية النظرية إذًا، ينبغي أن يستمر النظام في العمل لمدة 12 عامًا. لكن الطريقة التي توقفت بها المضخة الأولى عن العمل أثارت المخاوف بشأن بقية المضخات. يقول مارك سيستيلي، مدير برنامج «مطياف ألفا المغناطيسي» بوكالة «ناسا»: "اتضح لنا أن تصميم المضخات ذاتها كان معيبًا".

فقد تبيَّن أن المضخات لم يكن لديها ما يكفي من التزليق الداخلي، وأنها كانت تتآكل ببطء مع حركتها، مما جعلها تَعْلَق في النهاية. بدأت وكالة «ناسا» محاولةً لمعرفة ما إذا كان رواد الفضاء السائرون في الفضاء يستطيعون استبدال نظام التبريد. يقول سيستيلي: "لم نكن مطلقًا نريد مشاهدة فشل «مطياف ألفا المغناطيسي» بسبب غياب نظام التبريد". بالاعتماد على التقنيات والأدوات التي تم تطويرها من أجل بعثات الخدمات المكوكية الخمس لـ«مرصد هابل الفضائي» Hubble Space Telescope، قادت «ناسا» برنامجًا مدته أربع سنوات لإصلاح «مطياف ألفا المغناطيسي» بطريقة مشابهة.

بالإضافة إلى نظام ضخ جديد، قام المهندسون والفنيون بتصميم حوالي 25 أداةً مُخصصة للمهمة وتصنيع نماذج أولية منها واختبارها، وخططوا لإطلاق جميع القطع إلى المحطة على متن ثلاث مركبات شحن مختلفة. كما قامت الوكالة بتدريب عضوَي طاقم «محطة الفضاء الدولية» لوكا بارميتانو من «وكالة الفضاء الأوروبية»، وأندرو مورجان من وكالة «ناسا» للمهمة الشاقة التي بانتظارهما.

في الوقت الذي كان رائدا الفضاء يطفوان خارج غرفة معادلة الضغط بالمحطة الشهر الماضي لتنفيذ أول رحلة سير فضائية من أصل أربع مُخطط لها، كان «مطياف ألفا المغناطيسي» يعمل بمضخة واحدة فقط، تبلغ طاقة دورتها التشغيلية 60% كل شهر أو نحو ذلك، وكان مبرد ثاني أكسيد الكربون بها قد أوشك على النفاد. يقول سيستيلي: "كنا نعرف أنها مجرد مسألة وقت حتى تتوقف المضخة الرابعة عن العمل".

مناورات حساسة

خلال أولى الرحلات التي استغرقت ست ساعات ونصف الساعة، أزال بارميتانو ومورجان درعًا واقيًا من الحطام ودفعاه في الفضاء حتى لا يشكل تهديدًا مستقبليًّا بالارتطام بالمحطة. ثم أزال رائدا الفضاء العازل والغطاء عن عارضة دعم داخلية للمطياف من أجل الوصول إلى عشر أنابيب فولاذية مقاومة للصدأ، كلٌّ منها بعرض الشاروقة. كان من المقرر قطع ست أنابيب ووصلها داخل حزمة المضخة الجديدة خلال رحلة السير المقبلة في الفضاء، بالإضافة إلى أنبوبين آخرين على الجانب الآخر من الكاشف. بعدها بأسبوع، عاد رائدا الفضاء إلى الخارج لمدة ست ساعات أخرى من العمل، حيث قطعا بعناية ثمانية أنابيب من خط التبريد، مما أدى إلى تعطيل نظام التبريد الأصلي بصفة نهائية. وخلال رحلة أخيرة في الثاني من ديسمبر، قاما بتثبيت نظام الإمداد الحراري الجديد.

لم يتم بعدُ تحديد توقيت رابع وآخر رحلة سير في الفضاء لإصلاح «مطياف ألفا المغناطيسي». ففي أثناء تلك الرحلة، سيعمل رائدا الفضاء على إصلاح أي تسريبات قد تظهر في خطوط الإمداد الموصولة، التي لم تخضع لمُعايرة الضغط بعد. وسيعملان أيضًا على تثبيت خيمة عازلة فوق صندوق المضخة الجديدة للمساعدة في تنظيم درجة الحرارة.

يُعتبر نظام التبريد في غاية الأهمية لتشغيل قلب «مطياف ألفا المغناطيسي» -وهو عبارة عن تسع طبقات من المتتبعات السيليكونية تقيس مسار الجسيمات العابرة وشحنتها الكهربائية- إذ يؤدي المغناطيس القوي إلى انعطاف مسار الجسيمات الواردة، ويوجّه كلٌّ منها بطريقة أو بأخرى، اعتمادًا على ما إذا كانت تحمل شحنة موجبة أو سالبة. يمكن أيضًا استخدام قياسات انعطاف الجسيم في حقل مغناطيسي من أجل احتساب كمية الحركة. ويعمل العلماء بتروٍّ على تجميع قياسات الطاقة وكمية الحركة من «مطياف ألفا المغناطيسي» لتكوين منظور بالغ التفصيل -وربما جديد- عن الكون.

لن تعرف «ناسا» إلا بعد الرحلة الرابعة للسير في الفضاء ما إذا كان «مطياف ألفا المغناطيسي» قد عاد إلى العمل أم لا. يقول كين بولويج، مدير مشروع «مطياف ألفا المغناطيسي» بمركز جونسون للفضاء التابع لوكالة «ناسا» في هيوستن: "إن ما فعلناه للتو أشبه بعملية زرع قلب. وهدفنا هو أن يستمر المطياف في العمل لمدة 11 عامًا أخرى على الأقل، أو طالما كانت المحطة الفضائية في مدارها".

على الرغم من التعقيدات، لم تتردد «ناسا» أبدًا فيما إذا كان إصلاح «مطياف ألفا المغناطيسي» يستحق الوقت والجهد. يقول صامويل شيميمي، مدير «محطة الفضاء الدولية»: "هذا هو الهدف من المحطة: تطبيق العلم الذي لا يمكن تطبيقه في أي مكان آخر على نطاق لا يمكن تنفيذه في أي مكان آخر. أما مسألة إذا كانت بحوث دكتور تينج العلمية سوف تصل إلى أي نتيجة عملية على المدى القريب، فلا أعرف قطعًا. ولكن إذا تبيَّن أن هذه البحوث تضيف إلى وجودنا الإنساني في مجال لم يعمل عليه أحد من قبل، فسيكون لذلك قيمة كافية جدًّا".