يدافع جيش عجيب من البروتينات والخلايا المناعية عن جسم الإنسان، ويحوز عضو غامض نسبيًّا من هذا الطاقم اهتمامًا جديدًا؛ لكونه هدفًا محتملًا لعلاج مرض «كوفيد-19». تشكل خلايا العَدِلاَتِ (neutrophils) أكثر من نصف خلايا الدم البيضاء لدينا، وغالبًا ما تكون أول ما يصل إلى مكان العدوى. لكن تلك الخلايا لم تحظَ -على مر التاريخ- بدراسة كافية مقارنةً بالخلايا التائية (T cells) المضادة للفيروسات والخلايا البائية (B cells) المنتجة للأجسام المضادة. تهاجم العَدِلاَتِ الغزاة بعدة طرق، تكون عادةً عن طريق التهام الدُّخلاء أو حشد خلايا مناعية أخرى لمحاربتهم. لكن في بعض الأحيان، ربما في محاولة دفاعية أخيرة، تقوم هذه الخلايا بمناورة تسمى بمناورة «الرجل العنكبوت»؛ إذ تطلق شبكات لزجة من الحمض النووي والبروتينات السامة التي تحاصر مسببات الأمراض في شراك وتمنعها من الانتشار. ونظرًا إلى أن خلايا العَدِلاَتِ تموت عندما تنخرط في هذه العملية -أو بعد ذلك بوقت قصير- يعتبر بعض الباحثين أن هذه الشبكات هي النسخة الخلوية من التفجيرات الانتحارية.

في دراسة نُشرت في الرابع والعشرين من أبريل في مجلة «جيه سي آي إنسايت» JCI Insight، أفاد العلماء باكتشاف هذه الهياكل الغامضة، التي تسمى «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» (NETs)، في عينات الأمصال التي سُحبت من أشخاص احتُجزوا في المستشفيات لإصابتهم بمرض كوفيد-19. وبدأت عدة مجموعات من العلماء في العمل على تسجيل المرضى المصابين بالفيروس في تجارب سريرية تختبر العقاقير الموجودة التي تعطل «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» أو تمنع تكوينها.

جذبت الهياكل الشبكية انتباه العلماء لأول مرة عام 2004، عندما أفادت ورقة بحثية نُشرت في مجلة «ساينس» Science بوجود «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» في أمراض بكتيرية، مثل الديزنطاريا والتهاب الزائدة الدودية. إلا أن أندرو ويبر، طبيب الأمراض الصدرية والعناية المركزة في نظام «نورثويل الصحي» بولاية نيويورك، لم يكن يعرف شيئًا عنها حتى سمع عرضًا قدمته عالِمة محلية عن بحثها في الخريف الماضي. تحدثت العالِمة المحلية ميكالا إيجبلاد في عرضها عن كيف يمكن أن تعزِّز «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» من انتشار السرطان -وهو ما ركزت عليه دراساتها المعملية في «مختبر كولد سبرينج هاربور» بولاية نيويورك. وأثارت إيجبلاد احتمالية أن هذه المصائد يمكن أن تؤدي دورًا في الإصابات الرئوية المرتبطة بتدخين السجائر الإلكترونية. ويشير ويبر إلى أنه قبل ظهور مرض كوفيد-19 كانت هذه الإصابات هي "أكبر وباء علينا القلق بشأنه".

أثار الأمر فضول ويبر، فتحدث مع إيجبلاد حول دراسة محتملة للبحث عن هذه المصائد في عينات أمصال مأخوذة من هؤلاء المرضى. كتب كلاهما مقترحًا وحصلا على الموافقة، لكن حينها ضرب وباء كوفيد-19 العالم. وبعدما اضطرت إيجبلاد إلى البقاء في المنزل، وكتابة طلبات الحصول على المنح البحثية، واصلت القراءة عن «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية». وفي مطلع مارس، بدأ ويبر يستقبل الموجة الأولى من مرضى كوفيد-19، ووجد أن رئاتهم مسدودة بسبب المخاط السميك، وتجتاحها أعداد هائلة من خلايا العَدِلاَتِ. وكان يعلم -بناءً على التقارير الواردة من الصين وإيطاليا وغيرها من البلدان التي تضررت بشدة- أن المرضى الذين يعانون من ارتفاع خلايا العَدِلاَتِ عادةً ما تسوء حالتهم.

تقول إيجبلاد: "لقد اعتقد كلٌّ منا على حدة أن ما لاحظناه يبدو بفعل «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية»". وقد تَحدثت مع ويبر وزميلة أخرى، ألا وهي بيتسي بارنز من «معاهد فينشتاين للبحوث الطبية» التابعة لنظام نورثويل الصحي، حول الحصول على عينات من مرضى كوفيد-19 كي يتأكدوا من حدسهم. بعد بضعة أيام، رأت إيجبلاد تغريدة بتاريخ الخامس عشر من مارس كتبها جيسون إس نايت، أخصائي أمراض الروماتيزم في جامعة ميتشيجان، الذي يدرس «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» في أمراض المناعة الذاتية.

لاحظ نايت وزملاؤه أيضًا وجود التهاب وارتفاع في عدد خلايا العَدِلاَتِ في التحليلات المنشورة حول مرضى كوفيد-19 في الصين، ورأوا كذلك ضرورة "أن يُجري أحدهم اختبار الكشف عن وجود «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية». وبدا أن ورقةً  بحثيةً حول هذا الموضوع ستظهر في أي يوم"، على حد قول نايت. بحث نايت في قاعدة البيانات الطبية الحيوية الخاصة بمحرك بحث «بَبْ ميد» PubMed عن "فيروس كورونا و«مصائد خلايا العَدِلاَتِ خارج الخلوية»"، ونشر تغريدة بلقطة شاشة لنتيجة البحث والتي كانت صفرًا. وفي مطلع مارس، عندما أصبح من الواضح أن ولاية ميشيجان ستكون بؤرةً للوباء، بدأ فريقه في مناقشة كيفية دراسة «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» في مرض كوفيد-19.

بعد ذلك، تواصلت إيجبلاد مع نايت، وعقب إجراء عدة مكالمات عبر تطبيق «زووم» Zoom، شكَّلا إلى جانب أكثر من عشرة علماء وأطباء آخرين اتحادًا يسمى بـ«نت-وورك» NETwork لمشاركة البروتوكولات واستكشاف ما إذا كانت «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» تؤدي دورًا في المرض.

نشرت مجلة «جورنال أوف إكسبيرمنتال ميديسن» Journal of Experimental Medicine تعليقًا يشرح الأساس المنطقي والأسباب. ففي حالة الأشخاص الأشد مرضًا بفيروس كورونا المستجد، يطلق الجهاز المناعي فيضًا من الجزيئات التي تسمى السيتوكينات، وينظم بعضها نشاط خلايا العَدِلاَتِ. تؤدي هذه "التدفقات السيتوكينية" إلى متلازمة الضائقة التنفسية الحادة (ARDS)، وهي حالة خطيرة تظهر لدى 10 إلى 15 بالمئة من مرضى كوفيد-19. وقد رَبَطَ البحث المسبق متلازمة الضائقة التنفسية الحادة بتكوين «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية»، وأظهر أن المركبات التي تُضعف خلايا العَدِلاَتِ أو تمنع تكوينها يمكن أن تخفف من أعراض متلازمة الضائقة التنفسية الحادة لدى الفئران. أما لدى الأشخاص الذين يعانون من التليف الكيسي -وهو مرض وراثي يسبب التهابات مستمرة في الرئة- فإن دواءً يسمى دورنيز ألفا، يعمل على تفكيك هذه المصائد عن طريق قطع الحمض النووي، قد يخفف البلغم ويلطف الأعراض.

وبالفعل، اكتشف نايت والباحثان يوجندرا كانثي وراي زوو، من جامعة مشيجان، وزملاؤهم وجود «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» في عينات أمصال من خمسين مريضًا يعانون من إصابة متفاقمة بمرض كوفيد-19، لكنها لم تكن موجودةً في المجموعة الضابطة من الأصحاء، وذلك في الدراسة التي نُشرت في الرابع والعشرين من أبريل بمجلة «جيه سي أي إنسايت». وقد أظهرت العينات أن الأمصال المأخوذة من المرضى المصابين يمكن أن تؤدي إلى أن تُكَوِّن خلايا العَدِلاَتِ الصحية المزروعة في الطبق نفسه خلايا أخرى من نوعية «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية».

وفي هذا الصدد يشير جيمس تشالمرز -أخصائي أمراض الرئة في جامعة دندي في إسكتلندا- إلى أن البيانات تؤكد "أن خلايا العَدِلاَتِ ستؤدي دورًا مهمًّا جدًّا في كوفيد-19". لم يشارك تشالمرز في البحث الجديد، ولكنه يدرس خلايا العَدِلاَتِ منذ عام 2008، عندما كانت «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» كما يقول، "موضوعًا جديدًا مثيرًا".

يقود تشالمرز تجربة سريرية سوف تضم مجموعةً من مرضى كوفيد-19 لاختبار قرص يومي يمنع نشاط إنزيمات خلايا العَدِلاَتِ اللازمة لتشكيل «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية». وفي دراسة حديثة أجرتها شركة الأدوية العالمية «إنسميد» Insmed التي تمول التجربة الجديدة، قلل هذا الدواء من الالتهاب لدى الأشخاص الذين يعانون من حالة تنفسية مزمنة تُعرف باسم توسُّع الشُّعَب. واعتبارًا من شهر مايو، سيعمل بحث تشالمرز على ضم 300 شخص من عشرة مستشفيات في جميع أنحاء المملكة المتحدة لتلقِّي الدواء الفعلي أو دواءٍ وهمي. علاوةً على ذلك تختبر تجارب إضافية عوامل استهداف أخرى لـ«مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» -مثل دواء دورنيز ألفا والأدوية المعتمدة في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي والنقرس- في المرضى الذين احتُجزوا في المستشفيات من جَرَّاء إصابتهم بكوفيد-19.

كانت «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» موضوعًا هامشيًّا إلى حدٍّ ما، وذلك لأنها نادرة ويصعب اكتشافها في المختبر. وأيضًا لأن خلايا العَدِلاَتِ تموت عندما تنفذ مهمة إطلاق الشبكات الدفاعية، فمن الصعب معرفة ما حدث بالفعل بعد حدوث تلك العملية. يتساءل تشالمرز: "هل ماتت الخلايا عمدًا، أم أنني قتلتها عن طريق الخطأ بينما كنت أفحصها؟".

يشير الكثير من الأدلة إلى وجود ارتباط بين «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» وتدفقات السيتوكين التي تظهر في الحالات الحادة من المصابين بمرض كوفيد-19. لكن إيجيبلاد تعلق بقولها: "لا نملك برهانًا على ذلك حتى الآن". وتضيف أنه في التحليلات المستقبلية لعينات المرضى، "سنحتاج إلى قياس كلٍّ من «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» والسيتوكينات ومعرفة مَن يأتي أولًا وما إذا كانتا مرتبطتين". يخطط الباحثون أيضًا لدراسة كيفية تواصُل خلايا العَدِلاَتِ مع نوع آخر من الخلايا المناعية يُعرف باسم الخلايا البلعمية، التي يمكن أن تؤدي إلى مفاقمة التهاب الرئة أو تقليله.

وفي الوقت نفسه، العلماء غير متأكدين أيضًا مما إذا كانت «مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» ضارةً في الواقع، أم أنها يمكن أن تؤدي دورًا مفيدًا. يشك بول كوبيس -أحد أخصائيي المناعة في جامعة كالجاري بولاية ألبرتا، وهو غير مشارك في اتحاد «نت-وورك»- في أن هذه الهياكل تُنتَج لسبب وجيه، ألا وهو مساعدتنا في مكافحة العدوى، ولكنها قد "تصبح مؤذية". ويضيف أن فيروس كورونا المستجد "قد يكون ذكيًّا بما يكفي للاستفادة من ذلك وإصابتنا بالمرض". وبغض النظر عن الدور الحقيقي لـ«مصائد العَدِلاَتِ خارج الخلوية» كمقاتلين مناعيين، يبدو أن الطبيعة المُلحَّة لهذا الوباء تسلط الضوء على خلايا العَدِلاَتِ، وتحث على إلقاء نظرة فاحصة على شبكات حمضها النووي الغريبة والبارزة.