لعل لف الألياف بعضها حول بعض بحيث تشكل خيطًا لا يبدو تقنيةً فائقة التطور. بيد أنه بواسطة خيوط أو أربطة، يمكن للمرء أن يصنع حقائب وشباكًا وحبالًا وملابس. نحن نستخدم الخيوط أو الأربطة لربط أحذيتنا وتنظيف أسناننا وتعليق الكباري وتوصيل التيار الكهربائي، والقائمة تطول. وبطبيعة الحال، حرص علماء الآثار على تعقُّب أصول هذا الابتكار المحوري. غير أنه يصعب فعل ذلك؛ لأن الخيط القديم كان مصنوعًا من مواد قابلة للاندثار، فُقِدَ أغلبها بمرور الزمن.

والآن عثر علماء الآثار الذين كانوا ينقبون في ملجأ صخري في فرنسا على قطعة من خيط يمكن أن تُرجع التاريخ المعروف لهذه التقنية إلى الخلف عشرات الآلاف من السنين. وعلاوةً على ذلك، يبدو أن القطعة الأثرية مصنوعة يدويًّا بواسطة إنسان النياندرتال، مما يضيف إلى الأدلة المتزايدة على أن أبناء عمومتنا المنقرضين كانوا أكثر ذكاءً مما كان معروفًا عنهم.

حتى وقت قريب، جاءت أقدم أدلة مباشرة على تقنية الخيوط من موقع يُدعى أوهالوII في إسرائيل، ومن كهف لاسكو الشهير في فرنسا. ويعود عمر قطع الخيط المحفوظة التي عُثِرَ عليها في هذين الموقعين إلى 19 ألف عام و17 ألف عام، على التوالي، وصنعها أعضاء قدامى من فصيلتنا. لكن كانت هناك مؤشرات على أن تقنية الألياف ربما كان لها جذور أعمق في ثقافة الإنسان العاقل. فقد عُثِرَ على آثار لألياف منسوجة على طين محروق من مواقع في مورافيا يعود تاريخها إلى 28 ألف عام. عُثر كذلك في مواقع بألمانيا على قطع أثرية عاجية ربما كانت تُستَخدَم في غزل الألياف النباتية، ويعود عمرها إلى 40 ألف عام.

وفي عام 2013، سجَّل عالم الآثار بروس هاردي، من كلية كينيون، وزملاؤه عثورهم على ألياف نباتية بدت كما لو كان أحدٌ قد لفَّها لعمل خيط، وذلك في أثناء عمليات تنقيب في ملجأ "أبري دو ماراس" الصخري في جنوب شرقي فرنسا، الذي آوى في فترةٍ ما إنسان النياندرتال. لكن بتوافر ألياف منفردة فقط للفحص، وعدم توافر خيط حقيقي تظهر فيه هذه الألياف ملتفةً حول بعضها، لم تُعتبر تلك الألياف دليلًا يكفي لحسم الجدال.

قطعة من الخيط المصنوع بأيدي إنسان النياندرتال، تظهر هنا في صورة مأخوذة بواسطة ميكروسكوب إلكتروني، اكتُشِفَت في ملجأ أبري دو ماراس الصخري في جنوب شرقي فرنسا. Credit: M-H. Moncel

في الدراسة الجديدة التي نُشِرَت اليوم في "ساينتفك ريبورتس"، يصف هاردي والمؤلفون المشاركون قطعة من خيط طولها 6.2 ملليمترات، عثر عليها فريقهم البحثي في المأوى الصخري ذاته في طبقة ترجع إلى ما بين 52 ألفًا و41 ألف عام، عندما كان إنسان النياندرتال يعيش في هذا الموقع. تُظهر تحليلات قطعة الخيط أنها مصنوعة من ألياف استُخرِجَت على الأرجح من اللحاء الداخلي لشجرة صنوبر. لُفَّت الألياف في اتجاه عقارب الساعة لعمل خيط، ثم لُفَّ ثلاثة أطوال من الخيط حول بعضها في الاتجاه المعاكس لعمل خيط أكثر سُمكًا.

لم يتأكد الاستخدام المحدد لهذا الخيط. ولكنه وُجِدَ ملتصقًا برقاقة حجرية حادة، مما قاد المؤلفين إلى اقتراح أنه ربما استُخدِمَ في ربط الرقاقة بمقبض. أو ربما لم يكن له صلة بالرقاقة الحجرية وكان جزءًا من شبكة أو حقيبة.

وإذا نحينا الاستخدام المحدد جانبًا، تُعَد صناعة الخيوط دليلًا على التطور المعرفي لدى إنسان نياندرتال، حسبما يؤكد هاردي وزملاؤه. فاستخراج الألياف كان سيتطلب معرفةً عميقةً بنمو الأشجار ومواسمها. كما أن إنتاج الخيوط بعد الحصول على المادة الخام في حد ذاته يتطلب جهدًا عقليًّا كبيرًا؛ إذ لا بد للصانع من أن يكون منتبهًا لعمليات متعددة ومتتالية تحدث في وقت واحد. كتب هاردي والمؤلفون المشاركون بالدراسة أنه بالنظر إلى هذه النتائج، إلى جانب اكتشافات أخرى لتكنولوجيات متقدمة مختلفة، بل وأعمال فنية في مواقع أخرى عاش بها إنسان نياندرتال، "فكيف لنا أن نعتبر إنسان نياندرتال أي شيء آخر سوى أنه كان مساويًا للبشر المعاصرين من حيث الجانب الإدراكي".

أثارت الدراسة الجديدة اهتمام باحثين خارجيين. فتقول عالِمة الآثار ماري سوريسي من جامعة لايدن في هولندا: "لست مقتنعةً بنسبة مئة بالمئة" بأن ما عُثِر عليه هو في الواقع جزء من حبل، وقالت إنها تجد الصور المرفقة بورقة الفريق البحثية "صعبة الفهم". لكنها تقول إن الدراسة الجديدة تقدم "أفضل ما تم التوصل إليه من أدلة حتى الآن" على أن إنسان النياندرتال في أبري دو ماراس قد صنع الخيط.

ترى سوريسي أن الجانب الأكثر إثارةً من الدراسة لا يكمُن فيما تثبته بشأن تطور إنسان نياندرتال؛ فنحن نعلم بالفعل أن التكنولوجيا في عهدهم كانت معقدة جدًّا، بل فيما تكشفه الدراسة عن عملية الحفظ. فأقدم بقايا خيط معروفة، صاحبة الرقم القياسي السابق في القدم، عُثِرَ عليها في موقع كان قد تعرَّض للمياه الجوفية مدةً طويلة. في الأغلب تحفظ مثل تلك المواقع المشبعة بالمياه المواد المعرضة للاندثار -مثل الألياف النباتية- على نحوٍ جيد. تلاحظ سوريسي أن الدراسة الجديدة لهاردي وزملائه "تدعم فكرة أن البقايا الميكروسكوبية للخيوط تُحفَظ في ترسبات ملاجئ حجرية غير مشبعة بالمياه من عصر إنسان نياندرتال". تشكل الأشياء المعرَّضة للفناء جزءًا كبيرًا من الثقافة المادية للبشر. ومع هذا، فإن معظم ما يعرفه علماء الآثار حول بشر ما قبل التاريخ -بما فيهم إنسان نياندرتال- يأتي من العظام المتينة والأدوات الحجرية التي تركوها خلفهم. وتمثل القدرة على العثور على بقايا المواد العرضة للاندثار التي استخدمها أسلافنا الأقدمون وسيلةً للكشف عن حياتهم من منظور جديد تمامًا.