وفقًا لبعض علماء الفيزياء، تكمن مشكلة نظرية الأوتار في أنها تُصوِّر وجود عدد كبير من الأكوان؛ فهي لا تتنبأ بصيغة واحدة فقط للزمكان، بل بنحو 10500 صيغة، لكلٍّ منها قوانينه الفيزيائية الخاصة. ولكن مع هذا العدد الكبير من الأكوان الذي تطرحه هذه النظرية، كيف يمكنها أن تفسر سبب إظهار الكون الذي نعيش فيه للخصائص التي يتَّسم بها؟

في الوقت الحالي، هناك بعض علماء الفيزياء النظرية الذين يقترحون أن معظم تلك الأكوان –إن لم يكن كلها– هي في الواقع أكوان غير ممكنة، على الأقل في حال أردنا اشتمالها على طاقة مظلمة مستقرة، وهي القوة المفترضة التي تسرع من تمدُّد الكون. بالنسبة للبعض، لا يُعَد استبعاد عدد كبير من الأكوان الممكنة تراجعًا، بل خطوة كبيرة للأمام بالنسبة لنظرية الأوتار، وخطوة تعطي أملًا جديدًا في الخروج بتنبؤات يمكن اختبار صحتها. إلا أن آخرين يقولون إن نظرية الكون المتعدد وُجِدت لتبقى، وإن المشكلة المطروحة بشأن كل تلك الأكوان ليست مشكلةً على الإطلاق.

في نهاية يونيو الماضي، كان هذا الموضوع مثارًا لجدل كبير في اليابان، حيث اجتمع علماء نظرية الأوتار في نسخة عام 2018 من «مؤتمر أوتار» Strings 2018. يقول أولف دانييلسون عالِم الفيزياء بجامعة أوبسالا في السويد: "في الحقيقة هذا شيء جديد، وقد أدى إلى إثارة الجدل ضمن هذا المجال". ويتمحور الحوار الدائر حول اثنتين من الأوراق البحثية المنشورة في يونيو الماضي على موقع «أركايف» arXiv الخاص بالطبعات الأولية، وهما ورقتان بحثيتان تركزان على ما يُسمى "مشهد" نظرية الأوتار. يضم هذا المشهد عددًا لا يمكن تصوره من  الأكوان المحتملة التي تنتج من الحلول المتعددة والمختلفة لمعادلات نظرية الأوتار، وهي المعادلات التي تنتج مكونات الكون الذي نعيش فيه، بما في ذلك الطاقة المظلمة. إلا أن الغالبية العظمى من الحلول التي جرى التوصل إليها حتى الآن هي حلول غير متسقة رياضيًّا، وفق زعم الورقتين البحثيتين، وهو ما يضع هذه الحلول، ليس في المشهد، بل فيما يُطلق عليه "مستنقع" الأكوان التي لا يمكنها أن تُوجَد في الواقع. لقد كان العلماء يعرفون –على مدار أعوام مضت– أن العديد من الحلول يتحتم أن تكون واقعةً في هذا المستنقع، ولكن الفكرة التي تقول بأن معظم حلول المشهد –أو ربما جميعها– ربما تسكن هناك قد تمثل تغييرًا جوهريًّا. في الواقع، قد يكون من المستحيل نظريًّا التوصل إلى حل معقول يشتمل على طاقة مظلمة مستقرة في نظرية الأوتار، وذلك وفق كامران وفا، عالم الفيزياء بجامعة هارڨارد، وهو العالِم الذي قاد العمل على الورقتين البحثيتين المُشار إليهما.

إن نظرية الأوتار هي محاولة لوصف الكون بأكمله ضمن "نظرية واحدة لكل شيء" عن طريق إضافة أبعاد أخرى للزمكان، والنظر إلى الجسيمات باعتبارها حلقات ضئيلة متذبذبة. ويزعم العديد من العلماء المؤمنين بنظرية الأوتار أنها لا تزال تمثل أحد أكثر الاتجاهات الواعدة فيما يتعلق بمتابعة السعي وراء حلم ألبرت آينشتاين المتمثل في توحيد نظريته النسبية العامة مع عالم ميكانيكا الكم المجهري المتعارض معها. إلا أن مفهوم مشهد نظرية الأوتار الذي يتنبأ بالعديد من الأكوان، وليس كونًا واحدًا، كان سببًا في فقد بعض علماء الفيزياء لحماسهم تجاه هذه النظرية. يقول بول ستاينهارد، عالِم الفيزياء بجامعة برينستون الذي أسهَم في إحدى الورقتين البحثيتين الأخيرتين: "إذا كان هذا هو المشهد بالفعل، فإن هذا يمثل، من وجهة نظري، موتًا للنظرية؛ إذ إنه يُفقدها قيمتها التنبُّئية بالكامل. حرفيًّا كل شيء وراد". في نظر ستاينهارد وآخرين، توفر المشكلات المُكتشفة مؤخرًا فيما يتعلق بالطاقة المظلمة مخرجًا بالنسبة لنظرية الأوتار. يقول دانييلسون: "قد تكون هذه الصورة التي تُظهر كونًا متعددًا كبيرًا غير صحيحة من الناحية الرياضية. والمفارقة هي أن هذا هو ما يجعل الأمور أكثر تشويقًا؛ لأنه يعني أن نظرية الأوتار لها قدرة تنبُّئية أكبر بكثير مما كنا نعتقده".

يرحب بعض العلماء المؤمنين بنظرية الأوتار –مثل ساڨديب سيثي من جامعة شيكاغو– بعملية إعادة التقييم التي تجري حاليًّا. يقول سيثي: "أعتقد أن هذا أمر مشوِّق. لقد كانت لديّ شكوكٌ تجاه هذا المشهد لوقت طويل. وأنا سعيد حقًّا برؤية النموذج الحالي يتحول بعيدًا عن هذا الاعتقاد بأننا نمتلك مجموعة من الحلول المُثبَتة". إلا أن هناك مَن ليسوا مقتنعين بالطرح القائل بأن المشهد ينتمي في الواقع إلى المستنقع، وخصوصًا أعضاء الفريق البحثي الذي أسس إحدى أقدم صيغ هذا المشهد في بادئ الأمر عام 2003، وهي الصيغة التي تُعرف اختصارًا باسم KKLT المأخوذ من الأحرف الأولى لألقاب أعضاء هذا الفريق. يقول شاميت كاتشرو عضو KKLT، والذي يعمل في جامعة ستانفورد: "أعتقد أن طرح هذه التخمينات والتحقق من الأشياء الأخرى التي قد تكون هناك هو أمر صحي للغاية، ولكنني لا أجد أي أسباب نظرية أو تجريبية تدعو لأخذ مثل هذا التخمين على محمل الجد". وبالمثل، تشك إيـڨا سيلفرستين -عالِمة الفيزياء بجامعة ستانفورد، والتي ساعدت بدورها في وضع النماذج المبكرة للمشهد– في الطرح الذي يقدمه وفا وزملاؤه. تقول سيلفرستين: "أعتقد أن المكونات التي تستخدمها مجموعة KKLT، والطريقة التي يضعون بها هذه المكونات بعضها مع بعض، صحيحة تمامًا". ويقول خوان مالداسينا عالِم الفيزياء النظرية بمعهد الدراسات المتقدمة إنه بدوره لا يزال يدعم فكرة أكوان نظرية الأوتار ذات الطاقة المظلمة المستقرة.

إن العديد من علماء الفيزياء النظرية راضون تمامًا عن مفهوم الكون المتعدد الذي تطرحه نظرية الأوتار. يقول كاتشرو: "يصح القول بأنه إذا كانت صورة هذا المشهد صحيحة، فإن الجزء الذي نعيش فيه من الكون بالنسبة للكون المتعدد سيكون على غرار مجموعتنا الشمسية بالنسبة للكون". ويضيف كاتشرو أن هذا أمرٌ جيد. أما يوهانس كيبلر فكان يسعى في الأصل إلى التوصل إلى السبب الجوهري في أن الأرض تقع على هذه المسافة من الشمس، ولكننا نعرف الآن أن الشمس هي مجرد نجم من بين مليارات النجوم في المجرة، وأن كل نجم من هذه النجوم له كواكبه، وأن المسافة بين الأرض والشمس هي ببساطة رقم عشوائي وليس نتيجةً لمبدأ ما من المبادئ الرياضية ذات المغزى العميق. وبالمثل، إذا كان الكون واحدًا من تريليونات الأكوان ضمن الكون المتعدد، فإن المعايير الخاصة بكوننا هي معايير عشوائية هي الأخرى. إن حقيقة أن هذه الأرقام تبدو مضبوطةً على نحو مثالي لخلق كون قابل للسُّكنى تُعَد تأثيرًا انتقائيًّا؛ فبطبيعة الحال سيجد البشر أنفسهم في مكانٍ ما من الأماكن النادرة التي يمكن لهم أن يعيشوا ويتطوروا فيها ضمن الكون المتعدد.

الكون المتسارع

إذا كان صحيحًا أن نظرية الأوتار لا يمكنها استيعاب الطاقة المظلمة المستقرة، فإن هذا قد يكون سببًا للشك في هذه النظرية. ولكن وفا يرى أن هذا يعتبر سببًا للشك في الطاقة المظلمة؛ أي الطاقة المظلمة في صورتها الأكثر شيوعًا والتي يُطلق عليها "ثابت كوني". خرج آينشتاين بهذه الفكرة في عام 1917، وفي عام 1998 أُعيدَ إحياء الفكرة عندما اكتشف الفلكيون أن الزمكان لا يتمدد فحسب، بل أن معدل تمدده يتزايد. قد يكون هذا الثابت الكوني متمثلًا في صورة من صور الطاقة في فراغ الفضاء، وهذه الصورة لا تتغير مطلقًا، ولها تأثير مضاد لقوى السحب نحو الداخل الناتجة عن الجاذبية. إلا أن هذا ليس التفسير الوحيد المحتمل للكون المتسارع؛ فهناك بديل هو "الجوهر"، وهو مجال يسود الزمكان وله القدرة على التطور. يقول وفا: "بغض النظر عمّا إذا كان من الممكن التوصل إلى وجود طاقة مظلمة مستقرة في نظرية الأوتار أم لا، يتضح أن فكرة وجود طاقة مظلمة تتغير عبر الزمن هي في الواقع فكرة ملائمة بدرجة أكبر في نظرية الأوتار. وإذا كان الأمر كذلك، فعندها سيمكننا قياس هذا التغير في الطاقة المظلمة عبر أرصاد الفيزياء الفلكية الجارية حاليًّا".

حتى وقتنا هذا، تدعم جميع أدلة الفيزياء الفلكية فكرة الثابت الكوني، ولكن هناك مساحة لبعض من المرونة فيما يتعلق بالقياسات. إن التجارب المرتقبة –مثل تلسكوب الفضاء «إقليدس»Euclid  في أوروبا، وتلسكوب المسح واسع النطاق بالأشعة تحت الحمراء (WFIRST) التابع لوكالة ناسا، ومرصد «سايمونز»  Simons الجاري بناؤه في صحراء تشيلي– سوف تبحث عن علامات دالة على ما إذا كانت الطاقة المظلمة أقوى أو أضعف فيما مضى مقارنةً بما هي عليه في الوقت الحالي. يقول ستاينهارد: "الأمر المثير للاهتمام هو أننا بالفعل نمتلك مستوًى كافيًا من الحساسية للبدء في اختبار نظرية الثابت الكوني. لا يتوجب علينا انتظار ظهور تقنيات جديدة حتى نفعل هذا. نحن نفعله الآن". وحتى المتشككين في اقتراح وفا يدعمون فكرة أخذ بدائل أخرى للثابت للكوني في الاعتبار. تقول سيلفرستين: "أنا أتفق بالفعل مع كون [مجال الطاقة المظلمة المتغير] هو أسلوب مبسط لتصور التمدد المتسارع، إلا أنني لا أرى أي مبرر للخروج بتنبؤات رصدية حول الطاقة المظلمة في هذه المرحلة".

إن الجوهر ليس هو البديل الوحيد؛ ففي أعقاب ورقتي وفا البحثيتين، اقترح دانييلسون وزملاؤه طريقةً أخرى لمواءمة الطاقة المظلمة مع سياق نظرية الأوتار. يمثل كوننا في رؤيتهم السطح ثلاثي الأبعاد لفقاعة آخذة في التمدد ضمن فضاء ذي عدد أكبر من الأبعاد. يقول دانييلسون: "يمكن للفيزياء ضمن هذا السطح أن تحاكي فيزياء أحد الثوابت الكونية، وهذه طريقة مختلفة لإدراك الطاقة المظلمة بالمقارنة بما دأبنا على التفكير فيه حتى الآن".

نظرية جميلة

في النهاية، يتمحور النقاش الدائر حاليًّا بشأن نظرية الأوتار حول سؤال عميق: ما المغزى من الفيزياء؟ هل يتعين على النظرية الجيدة أن تكون قادرةً على تفسير السمات المحددة للكون الموجود حولنا، أم أن هذا يُعَد مبالغةً في التوقعات؟ وعندما تتعارض نظريةٌ ما مع اعتقادنا بشأن الطريقة التي يعمل بها كوننا، هل يجب أن نتخلى عن النظرية أم عن الأشياء التي نعتقد أننا نعرفها؟

تثير نظرية الأوتار إعجاب العديد من العلماء لأنها "نظرية جميلة"؛ فمعادلاتها مُرضية وتفسيراتها المقترحة تتسم بالأناقة. إلا أن النظرية تفتقر حتى الآن إلى أية أدلة تجريبية يمكن أن تدعمها، والأسوأ من ذلك هو أنها تفتقر إلى أية فرص معقولة في الأفق فيما يتعلق بتجميع مثل هذه الأدلة. ومع ذلك، وحتى في ظل الاقتراح القائل بأن نظرية الأوتار قد لا تكون قادرةً على استيعاب نوعية الطاقة المظلمة التي نراها في الكون من حولنا، لا يقتنع بعض العلماء بأن هذا كافٍ لعدولهم عن النظرية. يقول سيثي: "إن نظرية الأوتار ثرية، وجميلة للغاية، وصحيحة تمامًا فيما يتعلق بجميع الأمور التي أخبرتنا بها تقريبًا، لدرجه أنه يصعُب تصديق أن الخطأ يكمن في نظرية الأوتار وليس فينا". إلا أن السعي وراء الجمال قد لا يكون طريقةً جيدةً للتوصل إلى النظرية الصحيحة بشأن الكون. في كتابها الذي صدر مؤخرًا "تائه في الرياضيات: كيف يتسبب الجمال في أن تضل الفيزياء طريقها" Lost in Math: How Beauty Leads Physics Astray (Basic Books, 2018)، كتبت عالمة الفيزياء زابينه هوسينفيلدر من معهد فرانكفورت للدراسات المتقدمة تقول: "تمتلئ الرياضيات بأشياء مدهشة وجميلة، معظمها لا يصف هذا العالم".

وبالرغم من تبايُن الآراء، لا يزال الفيزيائيون مجموعةً ودودةً من الأشخاص، ويوحِّد بينهم هدف مشترك يتمثل في فهم الكون. لقد عمل كاتشرو –أحد مؤسسي فكرة المشهد– موجِّهًا جامعيًّا مع وفا الذي ينقد المشهد نفسه، ولا يزالان صديقين. يقول كاتشرو: "في مرة سألني [وفا] إذا كان بمقدوري أن أراهن بحياتي على وجود حلول المشهد تلك، فأجبته قائلًا إنني لن أراهن بحياتي، بل بحياته هو!".