تصدُر عنا حين نتحدث حركاتٌ وإيماءاتٌ تلقائية، كأن نفتح أكُفنا، أو نشير بأصابعنا، أو نحرك أيدينا حركات عمودية لتأكيد فكرةٍ ما، هذه الإيماءات ليست مجرد حركاتٍ عفوية إضافية بالأيدي، فهي تُساعد على إيصال الأفكار إلى المستمعين، بل تُعين المتحدثين -فيما يبدو- على التفكير والتعلُّم.

هناك مجالٌ متنامٍ للأبحاث السيكولوجية يعكف على دراسة إمكانية جعل الطلاب أو المعلمين يُصدِرون إيماءاتٍ وحركات في أثناء عملية التعلُّم؛ فقد أظهرت الدراسات أن الناس يتذكرون المادة التي تُدرَّس لهم على نحوٍ أفضل عندما تصدر عنهم إيماءات عفوية، أو يراقبون الحركات التي تصدر عن معلمهم، أو يستخدمون أيديهم وأذرعهم لتقليده، وتشير أبحاثٌ أحدث إلى أن توجيه الدارسين للتحرك بطرقٍ معينة يمكن أن يساعدهم على التعلم، حتى عندما لا يدركون السبب وراء تحرُّكهم بهذه الطريقة أو تلك.

ففي إحدى الدراسات، قُسِّم الأفراد محل الدراسة إلى مجموعتين، طُلب من إحداهما أرجحة الذراعين ومن الأخرى بسطهما، وأُبلغت كلتا المجموعتين بأن هذه الحركة تهدف إلى زيادة تدفق الدم في الذراعين، وقد وجد الباحثون أن أولئك الذين أرجحوا أذرعهم كانوا أقدر على حل لغزٍ يحتاج إلى استنتاج فكرة معينة، وكان اللغز عبارة عن خيطين يتدليان من السقف ويفصل بينهما مسافةٌ كبيرة جدًّا، والمطلوب هو وصل الخيطين ببعضهما، وكان الحل ربط ثقل بأحد الخيطين لتحويله إلى بندول، ونجحت حيلة تدفُّق الدم؛ إذ لم يشك سوى ثلاثة مشاركين في أن ثمة علاقة بين أرجحة الذراعين أو بسطهما وحل اللغز، ومن الواضح أن هذه النوعية من الحركات الموجَّهة تُعزِّز التفكير، دون حتى أن يكون هناك ارتباطٌ على مستوى الوعي بين تلك الحركات وما يفعله الشخص.

دراسةٌ بحثية جديدة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا وجامعة ولاية كاليفورنيا بلوس أنجلوس، تُوسِّع نطاق هذه النتائج؛ فتقول آيسي (يوني) تشانج، طالبة الدراسات العليا في علم النفس بجامعة كاليفورنيا، والباحثة الرئيسية في الدراسة: "نحاول استكشاف حدود تأثير الإيماءات"، ولهذا الغرض، شرع الباحثون في اختبار التأثيرات اللاواعية لحركات اليد الموجَّهة في تعلُّم مفهوم إحصائي مجرد.

ففي التجربة الأولى من أصل تجربتين أشارت إليهما مجلة "كوجنيتيف ساينس" Cognitive Science في عددها الصادر في فبراير، حضر 60 طالبًا جامعيًّا إلى المختبر لمشاهدة مقطع فيديو قصير، شرح الفيديو فكرة نموذج إحصائي يعتمد على دالة معينة تساعد على استنتاج تنبؤات، وعُرضت البيانات في صورة أعمدة مدرج تكراري، أما النماذج فقد عُرضت كمتوسطات، (تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأبسط لمجموعة من الأرقام هو متوسطها الحسابي)، قُسِّم المشاركون في الدراسة إلى ثلاث مجموعات، شاهدت المجموعة الضابطة الفيديو فقط، أما مجموعة "المطابَقة" فقد شاهدت الفيديو نفسه مع إضافة رسوم متحركة إليه، وبالنسبة لهذه المجموعة، عندما قال الراوي، على سبيل المثال، إن إحدى مجموعات البيانات فيها تبايُن أكبر من مجموعة أخرى -إذ كانت ممثلة بمدرج تكراري فيه عدد أكبر من الأعمدة الموضوعة على طول المحور السيني لها- تحرَّك عمودان رأسيان أحمران (غير مرتبطين بأعمدة المدرج التكراري) كل منهما بعيدًا عن الآخر، وطُلب من هؤلاء المشاركين تقليد حركة العمودين الأحمرين بتحريك اليدين، وذلك برفعهما عموديًّا، ثم إبعاد كلٍّ منهما عن الأخرى، كذلك طُلب من المجموعة الثالثة وهي مجموعة "عدم المطابَقة" تقليد العمودين الأحمرين اللذين تحركا هذه المرة على نحوٍ مخالفٍ لما ورد في الدرس؛ فخلال وصف التباين، على سبيل المثال، كان العمودان أفقيين وتحركا رأسيًّا.

بعد مشاهدة الفيديو ثلاث مرات، خضع جميع المشاركين لاختبارٍ قصير، وتفوقت مجموعة "المطابقة" على مجموعة "عدم المطابقة" بإحراز 16.3 مقابل 12.6 في المتوسط (من أصل درجة نهائية قدرها 23)، في حين أحرزت المجموعة الضابطة درجة تتوسط هاتين الدرجتين، وأُجريت، بعد ذلك، تجربةٌ ثانية على 130 طالبًا جامعيًّا، وجلس الطلاب هذه المرة أمام أجهزة كمبيوتر محمولة، وقد سجلت مجموعة "المطابقة" 4.4 من أصل 5 نقاط في المتوسط​​، وبذا تفوقت في الأداء على كلٍّ من المجموعة الضابطة (4 نقاط) ومجموعة "عدم المطابقة" (3.8).

تقول مارثا أليبالي، أخصائية علم النفس في جامعة ويسكونسِن-ماديسون، والتي تدرس أهمية الإيماءات في العملية التعليمية، ولم تشارك في الدراسة: إن ذلك يُعد "إثباتًا جيدًا وواضحًا" لمزايا الحركات الإيمائية، فالنموذج "مفهومٌ إحصائي أساسي بالغ الأهمية بحقٍّ" على حد وصفها.

وتقول سوزان جولدن-ميدو، أخصائية علم النفس بجامعة شيكاغو، والتي أجرت أبحاثًا مكثفة على الإيماءات، ولكنها لم تشارك هي الأخرى في الدراسة: "تروق لي حقيقة أن هذا [المجال] قد بدأ يدخل إلى هذا النطاق الإحصائي الجديد".

من بين الأشياء التي لم تُبحَث مسألة ما إذا كانت مشاهدة الرسوم المتحركة المطابقة فحسب يمكن أن تساعد على تحسين الأداء بالقدر نفسه الذي يحققه تقليدها، لا تعتقد تشانج ذلك، مستشهدةً بدراسة سابقة أظهرت أن الإيماءات لها مزايا تفوق مزايا مشاهدة الرسوم المتحركة.

يُشار إلى أن الباحثين لم يكونوا قد كشفوا للطلاب عن هدفهم من التجربة؛ فقد أخفوا مقصدهم وأخبروهم بقصة ملفقة، قائلين إن الدراسة تركز على مهارة أداء مهمات متعددة في الوقت نفسه، وقد طلبوا من الطلاب في وقتٍ لاحق تخمين الغرض الحقيقي من الدراسة، من بين أولئك الذين أصدروا حركات وإيماءات، تكهَّن قرابةُ ثلث مجموعة "المطابقة"، وخُمس مجموعة "عدم المطابقة"، بأن الدراسة لها علاقة بتعزيز التعلُّم بالإيماءات، وحتى عند استبعاد الطلاب الذين استنتجوا الغرض من الدراسة، فقد ظل التمرين مفيدًا لأفراد المجموعة الذين أدوا حركاتٍ مُطابِقة، تصف جولدن ميدو هذا الجانب من الدراسة بأنه "نتيجة رائعة ومثيرة للاهتمام حقًّا".

وكانت التأثيرات اللاواعية للحركات الموجَّهة مثار إعجاب تشانج، إذ قالت إنها "أقنعتني بالتأكيد بقوة الإدراك المُجسَّد"، أو، بعبارة أخرى، الفكرة القائلة بأن التفاعل المادي مع محيطنا يؤثر حتى في التفكير المجرد، بطرقٍ لا ندركها دائمًا.

ثمة ميزةٌ أخرى للإيماءات، وهي أنها تُساعد الدارسين على الاحتفاظ بتركيزهم، فقد أعطى الطلاب تقييمًا لمدى فهمهم للفيديو بعد كلٍّ من المشاهدات الثلاث، وجاءت تقييمات أفراد مجموعتي "المطابقة" و"عدم المطابقة" أعلى في كل مرة، لكن تقييمات أفراد المجموعة الضابطة انخفضت بنحو 20% من المشاهدة الثانية إلى الثالثة، ربما بسبب إحباطهم من الاضطرار إلى مشاهدة الفيديو مرةً أخرى وليس بسبب انخفاض مستوى الفهم، ويُستدلُّ من ذلك على أن الحركة التي طُلبت من المجموعتين الأخريين ربما تكون قد أسهمت في احتفاظ أفراد كلٍّ منهما بتركيزهم.

أصبح بعضُ معلمي الفصول يستخدمون فعليًّا الحركة كأداةٍ تعليمية، وتشير أليبالي إلى أن الطلاب في فصل ابنتها أدوا في حصة الجبر ما يُعرف بـ"تمرينات الميل"؛ إذ خرجوا من مقاعدهم وحركوا أذرعهم لتمثيل الدوال المختلفة، تقول تشانج إن دراستها يمكن الاستفادة منها في تدريس أي درس يتضمن عنصرًا مكانيًّا، كما يمكن تعديلها بما يتَّسق مع التعليم في قاعات الدرس أو على شبكة الإنترنت، ومن جانبها تقول جولدن ميدو: "أعتقد أن الإيماءات تُستخدم في قاعات الدرس طوال الوقت، ولذا، فمن المحتمل أننا نستخدمها أيضًا استخدامًا جيدًا".