يعتمد تصنيع الكثير من المواد الكيميائية، الضرورية لصحة الإنسان وراحته، على الوقود الأحفوري، وهو الأمر الذي يُسهم في التوسُّع في عمليات استخراج الوقود، ومن ثم زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، واستفحال مشكلة التغيُّر المناخي. وقد ظهر نهجٌ جديد، يعتمد على ضوء الشمس في تحويل ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عمليات الاحتراق إلى مواد كيميائية نافعة، من شأنه أن يؤدي إلى تقليل الانبعاثات عن طريقين: استخدام الغاز غير المرغوب فيه باعتباره مادةً خامًا، من جهة، والاعتماد على ضوء الشمس، وليس الوقود الأحفوري، ليكون مصدر الطاقة اللازمة للإنتاج من جهة أخرى.

والملحوظ أن هذه العملية قد أصبحت أكثر قابليةً للتنفيذ، بفضل التقدم المُحرَز في مجال إنتاج العوامل الحفَّازة التي تنشَط عند التعرُّض لأشعة الشمس أو الضوء. وعلى مدار السنوات الأخيرة، نجح الباحثون في تطوير عوامل حفازة قادرة على كسر الرابطة الثنائية المقاوِمة بين الكربون والأكسجين في مركب ثاني أكسيد الكربون. ويُعَد ذلك بمنزلة خطوة أولى بالغة الأهمية نحو إنشاء معامل تكرير "شمسية"، تُنتِج من غاز العادم مركبات نافعة، تشمل ما يُعرف بالجزئيات "الأساسية"، التي يمكن أن تؤدي دور المواد الخام التي تدخل في تركيب منتجات متنوعة، ومنها الأدوية، والمنظفات، والأسمدة، والمنسوجات.

ومن المعلوم أن العوامل الحفازة الضوئية التي تنشط عند التعرُّض للضوء عادةً ما تكون أشباه موصلات، تتطلب أشعة فوق بنفسجية عالية الطاقة لتوليد الإلكترونات المسؤولة عن تحويل ثاني أكسيد الكربون. غير أن الأشعة فوق البنفسجية شحيحة في الطبيعة (إذ لا تمثل سوى 5% من أشعة الشمس)، كما أنها ضارة. ومن هنا، كان تطوير عوامل حفازة جديدة، تنشَط بواسطة الضوء المرئي، الأكثر توافرًا، والأقل ضررًا، هدفًا رئيسًا للباحثين، الذين يعكفون على تحقيق هذا الهدف عن طريق إجراء تعديلاتٍ دقيقة على تركيب العوامل الحفازة الموجودة بالفعل، وكذلك على بنيتها وشكلها الخارجي، ومن هذه المركبات، على سبيل المثال، مركب ثاني أكسيد التيتانيوم. وعلى الرغم من نجاح هذا المركب في تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى جزيئات أخرى بكفاءة، عند تعرُّضه للأشعة فوق البنفسجية وحدها، فإن تنشيطه بالنيتروجين يقلل كثيرًا من الطاقة اللازمة لفعل ذلك. وهكذا، فلم يعد العامل الحفاز المعدَّل يتطلَّب سوى الضوء المرئي لإنتاج المواد الكيميائية المستخدَمة على نطاق واسع، مثل الميثانول، والفورمالدهيد، وحمض الفورميك، وهي مواد تحظى بأهمية في تصنيع المواد اللاصقة، والمواد الرغوية، والخشب الرقائقي، والمصنوعات الخشبية، والأرضيات، والمطهرات.

وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الراهن، تُجرى البحوث الكيميائية الشمسية بصفةٍ رئيسية في المختبرات الأكاديمية، ومنها "المركز المشترك للتمثيل الضوئي الاصطناعي"، الذي يديره معهد كاليفورنيا للتقنية، بالاشتراك مع "مختبر لورنس بيركلي الوطني". ومنها أيضًا "ائتلاف صن رايز" Sunrise consortium، وهو ائتلاف يتخذ من هولندا مقرًّا له، ويضمُّ عددًا من الجامعات، والمؤسسات الصناعية، والبحثية، والتكنولوجية، هذا بالإضافة إلى قسم التفاعلات غير المتجانسة التابع لمعهد ماكس بلانك لتحويل الطاقة الكيميائية، الذي يقع مقرُّه في مدينة مولهايم بألمانيا. وفضلًا عن ذلك، هناك بعض الشركات الناشئة التي تعكف على تطوير نهج جديد لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد نافعة، يقوم على استعمال الكهرباء في تحفيز التفاعلات الكيميائية. وغنيٌّ عن الذكر أن استخدام الكهرباء في إمداد التفاعلات بالطاقة سيكون نهجًا أقل مراعاةً للاعتبارات البيئية من الاعتماد على أشعة الشمس، وذلك في حال كانت الطاقة الكهربية ناتجةً عن احتراق الوقود الأحفوري، إلا أن الاعتماد على الخلايا الكهروضوئية يمكن أن يتغلب على تلك العقبة.

ومما لا شك فيه أن التقدُّم الحاصل في مجال تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية اعتمادًا على أشعة الشمس سوف يُستثمَر تجاريًّا، وسيجد مزيدًا من التطوير على يد الشركات الناشئة، أو غيرها من الشركات، خلال الأعوام المقبلة. وعن طريق تحويل ثاني أكسيد الكربون -الذي لا يعدو اليوم كونه عادمًا ناتجًا عن عمليات الاحتراق- إلى منتجات ذات قيمة، سوف تخطو صناعة الكيماويات خطوةً جديدةً على طريق التحوُّل إلى اقتصادٍ دائريٍّ حقيقي، خالٍ من النفايات، وسوف تُساعد على جعل الهدف المنشود، المتمثل في توليد انبعاثات تقلِّص تركيزات ثاني أكسيد الكربون بدلًا من زيادتها، حقيقةً ملموسة.

أبرز ١٠ تقنيات ناشئة لعام ٢٠٢٠