للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تسخّن كوكب الأرض، أصبح لزامًا على المجتمع التحوُّل من الوقود الأحفوري إلى أشكال الطاقة المتجددة. غير أن الطبيعة المتقطعة لمصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تعني أن إنتاج الطاقة يخضع لإيقاعات الطبيعة، التي لا تتطابق دائمًا مع الأوقات التي يتزايد فيها احتياج الناس إلى الطاقة. ومن أجل تجنُّب إجهاد الشبكة بسبب ارتفاع الطلب على الطاقة خلال ساعات الذروة، تحاول بعض مرافق الطاقة تقليص استخدام الكهرباء عبر فرض أسعار أعلى في تلك الفترات. لكن العديد من الباحثين والمدافعين عن العدالة البيئية يشعرون بالقلق من أن هذه السياسات قد ترفع كلفة فواتير الطاقة على نحوٍ غير متناسب، أو تضر بصحة الفئات الضعيفة -مثل الأسر ذات الدخل المنخفض أو المسنّين- ممن قد يواجهون بالفعل مشكلات في توفير الكهرباء التي يحتاجون إليها.

درست الباحثة النفسية البيئية نيكول سينتوف، من جامعة ولاية أوهايو، وباحث السياسة البيئية لي وايت، من الجامعة الوطنية الأسترالية تلك المخاوف باستخدام بيانات من مشروع تجريبي حول تسعير الكهرباء وفق وقت الاستخدام، يديره مرفق للكهرباء في جنوب غرب الولايات المتحدة (لم يُسمح بذكر اسم المرفق كشرط لاستخدام البيانات). أظهرت الدراسة، التي نُشرت هذا الأسبوع في دورية» نيتشر إنيرجي« Nature Energy، أنه بالنسبة لبعض الفئات الضعيفة التي أُخِذت في الاعتبار -وليس كلها- أدت زيادة سعر الطاقة خلال أوقات الذروة إلى زيادة تكلفة فواتيرهم بدرجة أكبر مما فعلت بالنسبة للمجموعات غير الضعيفة، كما أثّرت على صحتهم. تقول سينتوف، وكذلك خبراء لم يشاركوا في هذه الدراسة: إن النتائج تشير إلى أن مرافق الطاقة بحاجة إلى إجراء هذا النوع من الدراسات المفصّلة قبل فرضها لمثل هذه السياسات على نطاق أوسع؛ للتأكد من أننا نستطيع تحقيق فوائد خفض الكربون دون ترسيخ الظلم القائم أو مفاقمته. ويقول مايكل فيل، الباحث الأول في معهد الطاقة بكلية لندن الجامعية، الذي لم يشارك في الدراسة ولكنه نشر تعليقًا مصاحبًا لها في دورية» نيتشر إنيرجي«: "ما نحتاج إلى فعله حقًّا هو التفكير بعناية عند تعميم هذه السياسات".

حلل سينتوف ووايت البيانات المتعلقة بفواتير الطاقة والمؤشرات الصحية خلال فصل الصيف لما يقرب من7,500  أسرة معيشية شاركت طوعًا في البرنامج التجريبي، حيث قارنا الأسر المعيشية غير الضعيفة بتلك التي تندرج في فئات مستضعفة مختلفة (المسنّين، وذوي الإعاقة، وذوي الدخل المنخفض، والأطفال الصغار، والأقليات العرقية والإثنية). وباستثناء فئات المسنّين وذوي الإعاقة، ذكر السكان في هذه الفئات السكانية الضعيفة أنهم يبذلون جهودًا متضافرة للحد من استخدامهم للطاقة. رغم ذلك واجهت جميع الأسر المعيشية زيادةً في قيمة الفاتورة عند التحول إلى نظام التسعير وفق وقت الاستخدام، إذ يواجه المسنّون وذوو الإعاقة زيادات أكبر من الأسر غير الضعيفة، في حين واجهت الأسر ذات الدخل المنخفض وذات الأصول الإسبانية زياداتٍ أقل. واتضح أن لدى الأسر ذات الأصول الإسبانية وأسر ذوي الإعاقة نتائج صحية أسوأ (قاسها الباحثان عبر ملاحظة مرات التماس تلك الأسر العنايةَ الطبية لأسباب تتعلق بالحرارة)، في حين سجّل السكان ذوو الدخل المنخفض انزعاجًا أكبر من جَرّاء حرارة الصيف مقارنةً بالأشخاص غير الضعفاء. تُظهر النتائج أنه لتقييم التأثير الكامل للتغيرات في أسعار الطاقة، "من المهم حقًّا تحديد نوع الفئة الضعيفة التي نقرر بحثها"، وفق سينتوف.

يشير المؤلفون إلى أن الزيادة الكبيرة في قيم الفواتير التي يواجهها المسنّون وذوو الإعاقة قد ترجع إلى الحاجة إلى تشغيل المعدات الطبية. فضلًا عن أن درجات الحرارة التي توفر الراحة للمسنين تنحصر في نطاق أضيق، ومن ثم يحتاجون إلى استخدام مكيف الهواء على نحوٍ أكبر. يمكن أيضًا أن يستهلك الإنفاق على الكهرباء الأموال اللازمة لشراء الضروريات الأخرى. وبالمثل، فإنه حتى الزيادات الطفيفة نسبيًّا التي يتحملها السكان ذوو الدخل المنخفض يمكنها أن تُرهق الميزانيات المضغوطة بالفعل، كما تقول سينتوف.

تؤكد النتائج عدم المساواة القائمة حاليًّا في القدرة على تحمُّل تكلفة الطاقة، وفق سينتوف وآخرين. ويقول يوليوس ماكجي، عالِم الاجتماع في جامعة بورتلاند الحكومية، الذي لم يشارك في البحث: "يستخدم الفقراء الطاقة لأسباب تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الأشخاص الأكثر ثراءً، ولا يرجع ذلك فقط إلى الخيارات التي يتخذونها… ثمة اختلافات نوعية في أنماط الحياة تستلزم علاقات مختلفة مع الطاقة". يتمثل أحد أسباب ذلك في أن السكان ذوي الدخل المنخفض والأقليات غالبًا ما تتاح لهم خيارات أقل بشأن مكان إقامتهم، ويضطرون إلى السُّكنى في مبانٍ أقدم تكون أقل كفاءةً في استخدام الطاقة، ما يعني أنه يتعين عليهم استخدام المزيد من الطاقة لتبريد منازلهم صيفًا. وبالمثل، قد لا يتاح للمستأجرين سوى قدر محدود من السيطرة على استخدامهم للطاقة، نظرًا إلى أن العديد من الملاك لا يرون فائدةً مباشرة في تحسين العزل أو توفير أجهزة موفرة للطاقة، وبالتالي لا يتوافر لديهم الحافز الكافي لاتخاذ مثل هذه التدابير.

يُعدّ تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني أحد الطرق التي يمكن لواضعي السياسات من خلالها المساعدة في تخفيف الآثار السلبية على الفئات الضعيفة إذا تحوّلت مرافق الطاقة إلى التسعير القائم على وقت الاستخدام. ومع ذلك، فإن سينتوف وفيل وماكجي يودّون أيضًا من المرافق أن تدرس على وجه التحديد التأثيرات على هذه الفئات السكانية الضعيفة عند تقييمها لآثار هذه الخطط؛ فالاكتفاء بالنظر فقط في التغيُّرات الإجمالية في فواتير العملاء سيُغفل التفاصيل الدقيقة التي أسفرت عنها دراسة سينتوف ووايت. ومع ذلك تنبّه سينتوف إلى أن "هذه دراسة تجريبية واحدة أُجريت في مكان واحد" وخلال موسم واحد، ولذا قد لا يتسنّى تعميم النتائج على مناطق أو مواسم أخرى. لكن قد تكشف الدراسات في أماكن أخرى عن تأثيرات معقدة مماثلة.


تعتقد سينتوف أيضًا أنه على مرافق الطاقة التواصل بشفافية مع العملاء عند تطبيق خيار التسعير القائم على وقت الاستخدام، من خلال عرض مقارنات مبسّطة بين الفواتير على سبيل المثال. وتضيف قائلةً إنه حيثما يتم تسجيل العملاء تلقائيًّا في النظام الجديد مع إعطائهم خيار الانسحاب منه، فإن المرافق ينبغي أن "تجعل خيار الانسحاب أمرًا سهلًا قدر الإمكان"؛ كيلا يجد السكان أنفسهم في مواجهة فواتير للكهرباء تفرض عليهم اختيارات صعبة بين راحتهم واحتياجات أُسرهم من الطعام.