لطالما كان إقحام السياسة في العلاقات الأسرية -ولا يزال- سببًا للتعاسة. أنا أعرف ذلك؛ فقد كانت والدتي مؤيدة للحزب الديمقراطي، وكان والدي مؤيدًا للحزب الجمهوري. وفي الليلة التي فاز فيها جيمي كارتر بالرئاسة، أمضى والدي ليلته في غرفة الضيوف. بالنسبة للولايات المتحدة، كانت الحملة المريرة التي تمخَّضت عن تنصيب دونالد ترامب رئيسًا عام 2016 تحمل الكثير من أوجه الشبه مع ما جرى عام 1976 في منزلي. كانت العديد من العائلات منقسمة سياسيًّا، وعزَّز التقويم حدوث هذا الانقسام، إذ حَلَّت إجازة عيد الشكر الأمريكي المحبّب بعد بضعة أيام فقط من الانتخابات.

تشير التقارير المَحكيّة إلى أن الاعياد العائلية في تلك السنة كانت أقل ابتهاجًا من المعتاد، وقد حاول العديد من الأمريكيين قدرَ جهدهم الجلوسَ على المائدة قبالة أقاربهم في حين أنهم كانوا يعرفون أن هؤلاء الأقارب  صوتوا لصالح مرشح يكرهونه. وتتوافر الآن بيانات ملموسة تُظهر أن الاستقطاب السياسي قد تسبب في دفع عددٍ من الناس إلى الامتناع عن المشاركة في مثل هذه الاحتفالات العائلية. كشفت دراسة جديدة نُشرت في الأسبوع الأخير من مايو الماضي في دورية "ساينس" Science أن العائلات التي يتبع أفرادها توجهات سياسية مختلطة أمضت على المائدة ما يتراوح بين 20 إلى 50 دقيقة أقل مقارنةً بالمجموعات ذات التوجهات السياسية المتشابهة. وحتى مقدار الفرق نفسه كان يتسم بالتحزُّب؛ فقد غادر الجمهوريون مبكرًا عن الديمقراطيين (بعضهم بأكثر من ساعة)، وكان الديمقراطيون أكثر أرجحيةً من حيث سمة عدم المغادرة على الإطلاق. وكان التأثير أقوى بثلاثة أضعاف في المناطق التي اتسمت بانتشار الدعاية السياسية المكثفة فيها. ووفق الدراسة، بلغ إجمالي التكلفة التي تحمَّلها الأمريكيون بسبب الخلافات المرتبطة بالحزبية 73.6 مليون ساعة من ساعات الأفراد جرى اقتطاعها من وقت الأسرة خلال عيد الشكر المُشار إليه.

يرى المختص بعلم النفس السياسي بجامعة نيويورك، جون جوست، الذي لم يشارك في هذه الأبحاث، أن هذه الدراسة مثيرة للاهتمام. يقول جوست: ’’في السنوات الأخيرة، عمل المختصون في العلوم السياسية عملًا مثيرًا للإعجاب في توثيق التكاليف السياسية للاستقطاب غير المتماثل، وهذا العمل الجديد يوحي بأنه قد تكون هناك أيضًا تكاليف اجتماعية وشخصية، وحتى على المستوى الأسري‘‘.

كان لدى المؤلفين المشاركين في الدراسة -كيث تشين الاختصاصي في الاقتصاد السلوكي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وراين رولا طالب الدراسات العليا في الاقتصاد بجامعة ولاية واشنطن- في بادئ الأمر اهتمام منصبٌّ على الاستقطاب المتنامي من الناحية الجغرافية في البلاد. يقول تشِن: ’’لم يعد إلا عدد متضائل من الأمريكيين يعيش في أي مكان بالقرب من شخصٍ ما أعطى صوته لطرف مختلف‘‘. ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، كان الأمريكيون أكثر انقسامًا من الناحية الأيديولوجية -مع قدر أكبر من الجفاء- خلال فترة الإعداد للانتخابات مقارنةً بأي وقت خلال العقدين الماضيين. يقول تشِن: ’’بدأنا التفكير في أن عيد الشكر -باعتباره تقليدًا مدنيًّا أميركيًّا رئيسيًّا- من شأنه إخراجنا من هذه الفقاعات‘‘. لكن الباحثين عرفوا من تجاربهم ومن التقارير الإعلامية أن هذا العيد كان حافلًا بالقلاقل بالنسبة للكثيرين خلال عام 2016، وذلك بعد فوز ترامب الصادم على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

ولقياس آثار الخلافات السياسية على الاحتفالات، استخدم تشِن ورولا تكنولوجيا الاتصالات وتحديد المواقع.  ووفرت شركة تُدعى سيفجراف SafeGraph بيانات لمواقع الهواتف الذكية جرى جمعها عبر تطبيقات تشاركية، كتطبيقات الطقس أو الملاحة، وهي تطبيقات تطلب الإذن قبل تسجيل الإحداثيات. أشار ما نتج عن هذا من مجموعات للبيانات المتراكمة التي لا تظهر عليها أية بيانات شخصية، إلى مواقع حوالي 10 ملايين هاتف ذكي في مراحل زمنية مختلفة. أضاف تشِن ورولا إلى تلك البيانات بيانات من سجلات التصويت وفق الدائرة الانتخابية، وكان كل واحد من هذه السجلات يمثل حوالي 200 إلى 1,000 شخص سبق لهم التوجه إلى مركز الاقتراع نفسه.

وبعدها وضع الباحثان بعض الافتراضات المستندة إلى الاحتمالية. يقول تشِن: ’’نأخذ أفضل تخمين لنا بشأن الدائرة التي تعيش فيها عن طريق طرح سؤال عن مكان وجود هاتفك الذكي بين الساعة الواحدة صباحًا والرابعة صباحًا.. معظم فترات الصبيحة. لنفترض أن هذا يخبرنا أنك يُحتمل أن تكون قد انتخبت كلينتون بنسبة 80 بالمئة. يمكننا بعدئذٍ النظر إلى المكان الذي قضيت فيه فترة عشاء عيد الشكر، والأمر المهم هنا هو كم من الوقت أمضيته خلال عشاء عيد الشكر‘‘. أو بشكل أكثر تحديدًا، أين كان هاتفك الذكي بين الواحدة ظهرًا والخامسة عصرًا يوم الخميس 24 نوفمبر 2016؟ تم الأخذ في الاعتبار فقط أولئك الذين ذهبوا في رحلات خلال النهار إلى أماكن قريبة نسبيًّا من منازلهم. وعلى المستوى المبدئي الأعمّ في التحليل، أوضح تشِن ورولا أن العائلة (أ) انتقلت لتناول الطعام مع العائلة (ب). بعدها عمل الباحثان على حساب احتمالية توافق العائلتين أو عدم توافقهما سياسيًّا، وطرحا تساؤلًا عمّا إذا كان طول فترة العشاء قد بدا مختلفًا وفق ذلك التوافق السياسي أو الخلاف.

وللتأكد من أن التأثير الذي قاما بتحديده كان تأثيرًا سياسيًّا، اتخذ الباحثان عدة خطوات إضافية. في البدء قارنا بين فترات وجبات أزواج العائلات المتطابقة التي يعيش بعضها بعيدًا عن بعض بما لا يزيد عن ميل وسبق لها أن انتقلت لتناول الطعام مع عائلات مضيفة تعيش في أماكن قريبة بالدرجة نفسها. ومن بين هذه العائلات، ثبت بالفعل أن العائلات ذات الاحتمالية الأعلى لأن يدب النزاع بينها بسبب الديك الرومي كانت أكثر احتماليةً لأن تكون قد غادرت في وقت مبكر. بعدها قارن العالِمان بين عيد الشكر في عام 2016 وعيد الشكر في عام 2015. العائلات التي كان احتمال تباعُدها سياسيًّا أعلى ومع ذلك تناولت الطعام معًا عام 2015 كان اجتماعها على الطعام عام 2016 أقل رجحانًا. وفي النهاية، أخذ تشِن ورولا فى اعتبارهما تأثير الدعاية السياسية. تقريبًا لم يشهد الناخبون في ولايات مثل نيويورك وكاليفورنيا أي نوع من الدعايات السياسية. من ناحية أخرى، إذا كنت تعيش في مدينة أورلاندو بفلوريدا فستجد أن أكثر من 20,000 دعاية سياسية متلفزة جرى بثها في السوق الإعلامية المحيطة بك على مدار الحملة الانتخابية. في مثل هذه المناطق المُشبَّعة بالدعاية السياسية، تضاعف لثلاث مرات حجم التقلُّص في الوقت الذي يقضيه الناس بعضهم مع بعض خلال عيد الشكر. يقول تشِن: ’’هذا المُخدِّر المتمثل في الدعاية السياسية يكاد يكون كمَن يُلقي بالوقود على النار‘‘.

يُبدي بعض منتقدي الدراسة ملحوظة تقول بأن سنة الانتخابات الرئاسية تختلف من عدة نَواحٍ عن السنوات التي تسبقها وتلك التي تليها، ولذا فإن مقارنة عام 2015 بعام 2016 تتسم بمحدودية القدرة على الاعتماد عليها. لا يختلف تشِن ورولا مع هذا الرأي، إذ إنهما يخططان لتحليل الفترة اللاحقة لانتخابات منتصف الفترة الرئاسية التي ستُجرى عام 2018، لكنهما يدركان أن الانتخابات الرئاسية عام 2020 وما يليها من انتخابات رئاسية سوف توضح ما حدث في عام 2016  على نحوٍ أفضل.

وأعرب آخرون عن قلقهم من أن استخدام بيانات الهواتف الذكية يمكن أن يُعَدّ انتهاكًا للخصوصية. يوضح تشِن ورولا أن هوية البيانات جرى إغفالها، ويشيران إلى حقيقة أن التطبيقات التي استُخدِمت تتطلب إذنًا مسبقًا. يقول رولا: ’’عليهم أن يسمحوا بالكشف عن الموقع. يراودني شعور بأن بيانات تحديد المواقع جغرافيًّا وحسابيًّا ستكون في طليعة عمل الكثير من العلوم الاجتماعية مستقبلًا‘‘.

وبغض النظر عن منهجية إجراء البحث، يقول المؤلفان إنهما تمكَّنا من تحديد إحدى النزعات التي يتمنيان زوالها. يقول تشِن: ’’آمل أن يكون التأثير قصير الأمد، وأن تجد العائلات الأمريكية طريقةً لتَجاوُز هذا الأمر‘‘. أما رولا فبإمكانه أن يشهد بأن عائلة واحدة على الأقل -عائلته هو- قد تمكَّنت من تجاوُز هذه الأزمة. يقول رولا: ’’لقد تعلم الجميع الدرس في عام 2017، وأصبح الحال أفضل بكثير‘‘.