من خلال ذلك الفيض المتدفق من صور الخبز المكسو بهريس الأفوكادو، والصور الفنية التي تُظهر قهوة اللاتيه داخل أكوابها، وتلك المنقحة بمرشح الصور "هوجي" Huji الذي يُكسب اللقطات سمتًا عتيقًا، يروِّج موقع "إنستجرام" Instagram لذلك النمط من الحياة التي يطمح الجميع تقريبًا لأن يعيشها، ولو صدَّقت منصات التواصل الاجتماعي، لظننتَ أن العالم مليء بأناس سعداء، أصحاء، يعيشون في رخاء، ويقضون عطلات فاخرة، ويجرعون المشروبات مع أصدقاء عمرهم، ويروجون للمشروعات التي تثير شغفهم عبر تلك المنصات، ومن الجدير بالذكر أنه حتى في خضم جائحة عالمية، ومستويات غير مسبوقة من العزلة الاجتماعية، لا تزال هذه المنصات بما تبثه من مظاهر لحياة براقة، خالية من كل عيب، تغرِّر بالكثيرين وتخدعهم.

لكن بعض المشاهير مثل كريسي تيجِن وداكس شيبارد كان لهم توجُّه آخر؛ إذ ألهموا الملايين من مستخدمي هذه المنصات بمشاركة خبرات حياة عادية مملة، دون تنميق، فهل يكون المرء أكثر سعادةً وشعورًا بالرضا عندما يقدم صورةً تبدو واقعيةً عن نفسه، أم عندما يشارك صورةً عن حياته تجعلها تبدو مثالية؟ في بحثنا الذي نشرناه في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" Nature Communications  سعينا لنتصدى لهذا السؤال ونحدد كيف يتأثر المرء فعليًّا بالصورة التي يظهر بها على شبكات التواصل الاجتماعي.

تمثلت نقطة البداية التي انطلقنا منها في مجموعة بيانات لأكثر من عشرة آلاف شخص من مستخدمي منصة "فيسبوك" Facebook، أتموا الإجابة عن أسئلة استبانة شخصية، وأجازوا طوعًا استخدام معلومات ملفاتهم الشخصية لأغراض علمية، وقد مكنتنا مجموعة البيانات الفريدة هذه من أن نقارن بين منظور الأفراد لأنفسهم (الذي يتجلى من إجاباتهم عن الأسئلة المتعلقة بشخصياتهم) والصورة التي يرسمونها لأنفسهم على شبكة التواصل الاجتماعي، وتلك التي يرسمونها للعالم عبر منشوراتهم والصفحات التي يتابعونها (كما يظهر من توقعات حاسوب لشخصياتهم، والتي يتنبأ بها من خلال منشوراتهم على "فيسبوك" والصفحات التي يتابعونها).

فمثلًا قد ترى "جاين" نفسها انطوائيةً وتصف نفسها كذلك في الاستبانة؛ فلو كانت منشوراتها على "فيسبوك" تماثل ما ينشره الانطوائيون عادةً (كأن تنشر عن القراءة والكتب والحواسيب)، فحينها سوف يصير مجموع نقاطها فيما يتعلق بالمصداقية كبيرًا، بعبارة أخرى، سوف تطابق رؤيتها لذاتها الطريقةَ التي تعبر بها عن نفسها للآخرين، وبالعكس، لو وصفت جاين نفسها بالانطوائية لكانت منشوراتها على "فيسبوك" تعكس عادةً نهج الانبساطيين (كأن تتحدث عن الحفلات، وقضاء عطلات نهاية الأسبوع خارج المنزل)، حينها سيصير مجموع نقاطها فيما يتعلق بالمصداقية على شبكات التواصُل الاجتماعي منخفضًا.

وقد أظهر التوفيق بين مخطط نقاط المصداقية ومستوى الرضا المعيشي للمشاركين في الاستبانة (بمعنى إلى أي مدى رأوا أن ظروف حياتهم إجمالًا إيجابية أو مرغوب فيها) أن أولئك الأصدق تعبيرًا عن أنفسهم –دون رسم صورة مثالية للذات– أكثر رضا عن حياتهم، وهو انتصارٌ كبيرٌ لتيجِن وشيبارد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: "هل يصدق هذا على جميع الأفراد؟ بطبيعة الحال نعم؛ إذ لو كنتَ شخصًا انبساطيًّا مستقرًّا عاطفيًّا فقد يكون من الرائع أن تشارك منشورات صادقة، فهي تعبر عن حقيقتك وفي الوقت نفسه تعبر أيضًا عما يريد الآخرون أن تكونه، لكن ماذا لو كنتَ عصابيًّا انطوائيًّا؟ فهل ستستفيد بالدرجة نفسها من التعبير بصدق عن ذاتك؟"، للإجابة عن ذلك السؤال، رجعنا إلى بياناتنا كي نختبر هذه الفرضية، وما اتضح هو أنه لا مسوِّغ للقلق من هذا الاحتمال، إذ إن درجة الارتباط بين مصداقية التعبير عن الذات على منصات التواصل الاجتماعي ورضا المشاركين عن أنفسهم، لا تتوقف على مدى جاذبية ملفات المشاركين الشخصية على تلك المنصات، بعبارة أخرى، يستفيد الانبساطيون والانطوائيون كلاهما بالدرجة ذاتها من الصدق مع أنفسهم.

لكن هل التعبير الصادق عن النفس يؤدي بالفعل إلى مستويات أعلى من الرضا عن الحياة؟ أم أن أولئك الأكثر رضا عن حياتهم يجدون سهولةً أكبر في مشاركة منشورات صادقة عن أنفسهم؟ ولتبيان ما إذا كانت مشاركة منشورات صادقة تؤدي بالفعل إلى السعادة، فقد أتبعنا دراستنا الأولية بتجربة لبيان تلك العلاقة السببية.

ولأغراض هذه التجربة، استعنَّا بمستخدمين لمنصات تواصل اجتماعي ووزعناهم توزيعًا عشوائيًّا على مجموعتين، بحيث يشارك بعضهم منشورات صادقة (تستند إلى شخصياتهم) ويشارك بعضهم الآخر منشورات تمنحه شعبيةً وتُكسبه جاذبيةً في أعين الآخرين، وبعد أسبوع من اتباع تلك التعليمات، طلبنا من المجموعتين تبادُل الأدوار، فطلبنا ممن كانوا يشاركون منشورات تعبر بمصداقية عن أنفسهم أن يشاركوا منشورات تصور حيواتهم على أنها مثالية، والعكس بالعكس، وقد جاءت النتائج تدعم ما خلصنا إليه أولًا، فوجدنا أن المشاركين بعد أن شاركوا منشورات صادقة مدةَ أسبوع كامل شعروا بتأثيرات وحالات مزاجية إيجابية، على النقيض مما حدث عندما شاركوا منشورات تُرضي الآخرين.

ولا تجيب نتائجنا هذه عما إذا كان استخدام منصات التواصل الاجتماعي أفضل أم أسوأ من عدم استخدامها على الإطلاق، فالامتناع التام عن استخدام منصات التواصل الاجتماعي قد يُسفر عن مستويات أعلى من الرضا عن الحياة، لكن نتائجنا تحثك على ألا تقع فريسةً لمحاولة ادعاء الكمال على منصات التواصل الاجتماعي إذا كنت ممن يستخدمونها بانتظام، وكل ما عليك هو أن تكون على سجيتك!