على مدار العقود القليلة الماضية، ابتكر الباحثون -المنشغلون بدراسة الجزيئات التي تحفّز خلايا الجهاز المناعي وتُثبّطها- نهجًا ثوريًّا لمكافحة السرطان، فبدلًا من استهداف الورم الخبيث مباشرةً، تُسَخِّر هذه الفئة الجديدة من الأدوية خلايا الجهاز المناعي لدى المريض من أجل التعامل مع المرض، وتُنقذ العلاجات المناعية لمرض السرطان آلاف الأرواح، وقد حصدت العلوم التي تستند عليها هذه العلاجات جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لهذا العام.

ظهرت هذه العقاقير، التي يُطلَق عليها مثبِّطات نقاط التفتيش المناعية، بعد أن اكتشف العلماء جزيئات تساعد الخلايا السرطانية على تثبيط العمليات المناعية التي من شأنها مهاجمة الورم الخبيث في ظروف أخرى.

ويكمن السر في عدد من البروتينات "الكابحة" الموجودة في خلايا الدم البيضاء -الخلايا التائية تحديدًا- والتي تَحول دون مبالغة الجهاز المناعي في ردة فعله حيال التهديدات الميكروبية، وتمكَّنت الخلايا السرطانية من البقاء بتجنيد الجزيئات الكابحة، لتخدِّر بذلك الخلايا التائية مما يتيح لتلك الخلايا السرطانية الحصول على موطئ قدم، وبالتصدي لخطة القرصنة هذه، تُطلق مثبطات نقاط التفتيش المناعية الكوابح وتوقظ الخلايا التائية لمهاجمة الورم الخبيث.

هذه حيلة بارعة، بيْد أن هذه العقاقير المناعية لم تُثبت فاعليتها حتى وقتنا الحاليّ سوى لدى نحو خُمس مرضى السرطان فقط، بينما لا تُجدي نفعًا -على نحوٍ يكاد يكون تامًا- مع أنواع معينة من الأورام الخبيثة.   

وفي سبيل اجتياز هذه العوائق، يغامر عدد قليل من الشركات بخوض مجال جديد؛ ألا وهو بيولوجيا السكريات، وهو علم دراسة السكريات التي تغلف أسطح الخلايا، تقوم السكريات مقام المفاتيح والمقابض التي تتحكم في المكان والزمان اللذين تؤدي فيهما الماكينات البيولوجية للخلية وبروتيناتها ودهونها مهامها، ورغم دقة تركيب السكريات وقوتها، فإنها جزيئات شديدة التعقيد كثيرًا ما يصعب فهم آليات عملها بعمق أكبر، ذلك لأنه يصعب بشدة دراستها داخل المختبرات.      

لكن العلم تدارك مؤخرًا ما فاته، وبدأت شركات التكنولوجيا الحيوية في اتخاذ هذه النتائج أساسًا من أجل تطوير عقاقير مقاومة للسرطان. وخلال اجتماع الرابطة الأمريكية لأبحاث السرطان الذي عُقد هذا الأسبوع في ميامي، كشفت شركة باليون فارماسوتيكالز -شركة ناشئة في ولاية ماساتشوستس- عن بيانات جديدة مستقاة من تجارب أُجريت على القوارض بخصوص مجموعة مختلفة اختلافًا بيِّنًا من مثبطات نقاط التفتيش المناعية التي تستهدف السكريات.

تعمل هذه العقاقير التجريبية عن طريق التداخل مع السكريات المعقَّدة المسمّاة الجليكانات، التي تغلِّف سطح الخلايا الورمية، وتسمح لها بالعبور دون أن يلاحظها الجهاز المناعي اليقظ في ظروف مغايرة، إنها "آلية من آليات المراوغة المناعية لا تحظى بالاهتمام الكافي"، على حد قول مايكل أودواير، الباحث السريري في الجامعة الوطنية في أيرلندا بجالواي، والذي لا تربطه علاقة بشركة باليون. ويشير أودواير إلى أن عددًا كبيرًا من الباحثين يستهدفون منظومات كبح الخلايا التائية، لكن "لا يحققون على الأرجح سوى نتائج محدودة". ويضيف: "لا يمكنك الحصول على الكثير من الخلايا التائية".

يشبِّه جيم برودريك، الرئيس التنفيذي لشركة باليون ومؤسِّسها، الجهاز المناعي بفريق كرة القدم الأمريكية، فالدفاع ضد التهديدات -سواء البكتيريا أو الفيروسات أو السرطان- يتطلب جهدًا متضافرًا من أنواع عديدة من الخلايا ذات الأدوار مختلفة، وتماشيًا مع تشبيه الجهاز المناعي بتلك اللعبة، فإن الموجة الحالية من العلاجات المناعية للسرطان تركز على الظهير الربعي. يقول برودريك: "لكن ليس بوسع توم برايدي أن يفوز بالمباراة النهائية للموسم إذا كان خطّ الهجوم يتألف من مجموعة من طلاب الصف الثالث".

انطلقت شركة باليون في عام 2015 متأثرة بالأبحاث التي أجراها عدد من المختبرات والتي تشير إلى أنه من المحتمل لأنماط مرتَّبة من جليكانات سطح الخلية -بصمة جزيئية موجودة على الخلايا كلها تقريبًا- أن تحمل مفتاح استثارة عدد من الخلايا المناعية الإضافية المكافحة للسرطان. وهذه البلاعم والخلايا القاتلة الطبيعية وغيرها من الخلايا تُشكِّل ذراعًا مختلفة للجهاز المناعي.

وهذه الخلايا، المعروفة بالخلايا المناعية الفطرية، تعدّ خط الدفاع الأول للجسم، وتمهد الساحة للهجوم اللاحق من جانب الخلايا التائية.

أحد الجليكانات، وهو حمض السياليك، تستشعره عائلة من بروتينات السطح الموجودة بالأساس على الخلايا المناعية الفطرية، والموجودة أيضًا على الخلايا التائية المُنَشَّطة في مواقع الأورام، وهذه البروتينات، التي تسمى السيجليكات Siglecs، تقوم مقام المكابح الجزيئية، وعند ارتباط السيجليكات بأحماض السياليك، التي تغطّي سطح الورم، تخمُد الخلية المناعية. وتأمل شركات عديدة -منها شركة إنيت فارما في مارسيليا بفرنسا، وشركة أليكتور التي مقرّها جنوب سان فرانسيسكو- في إيقاظ تلك الخلايا الناعسة باستخدام العلاجات التي تثبّط السيجليكات.

سعى فريقٌ من الباحثين بقيادة كارولين بيرتوزي، الكيميائية من ستانفورد والمشاركة في تأسيس شركة باليون، إلى تعقّب هذه المسارات الجزيئية عينها باستخدام نهج مختلف اختلافًا جذريًا، فبدلًا من محاولة تثبيط جزيئات السيجليكات المنفردة على سطح الخلايا المناعية، صمَّم الباحثون مستحضرًا يثبط السيجليكات كلها بإزالة أحماض السياليك من خلايا الأورام، وفي دراسة لإثبات المفهوم أُجريت عام 2016، بيَّن الفريق أن علاجًا طُبِّق من خلايا سرطان الثدي بالعقار التجريبي عرَّضها للقتل بواسطة الخلايا القاتلة الطبيعية.

وفي اجتماع آخر بخصوص العلاج المناعي عُقد في واشنطن العاصمة في وقت مبكر من هذا الشهر، قدَّم لي بنج، نائب رئيس شركة باليون، بياناتٍ تُشير إلى أن هذه الاستراتيجية يمكنها العمل بنجاح لدى الفئران ذات الأورام المستزرعة، حتى تلك التي تُظهر استجابات ضعيفة لمثبِّطات نقاط التفتيش المناعية التي تحظى بموافقة إدارة الغذاء والدواء.

وفي تجارب منفصلة، تحقِّق الفريق من أن الخلايا التائية والبلاعم والخلايا الطبيعية القاتلة جميعها تُسهم في فاعلية العقار. يقول بنج إن الخلايا السرطانية "أشبه بالذئاب المتخفية في أثواب الحملان، أشرار يتخفون بواسطة شفرة الجليكانات"، وعن طريق إزالة أحماض السياليك من الجليكانات الموجودة على سطح الخلايا الورمية، فإن العقار "يكشف هويتها الحقيقية وبذا تستطيع الخلايا المناعية رصد هؤلاء الأشرار".

ويرى دونج زانج، مدير قسم علم المناعة في الشركة الألمانية إي إم دي سيرونو، أن الكلمة التي ألقاها بنج "واحدة من أكثر النتائج إثارة" في ذلك الاجتماع.

ومن أجل صنع النسخة الأصلية من المستحضر، أجرت بيرتوزي وزملاؤها دمجًا كيميائيًا بين إنزيم إزالة حمض السياليك وجسم مضاد يتعرف على بروتين دامغ (HER2) موجود على سطح خلايا سرطان الثدي، والجسم المضاد ضروري لقَصر نشاط الإنزيم على الورم، وإلا فمن شأن الإنزيم أن يزيل الحمض دون تمييز ويُسبب دمارًا، نظرًا لأن حمض السياليك يلعب دورًا حيويًّا في الخلايا السليمة كذلك.

يستهدف فريق بنج في شركة باليون إجراء تجارب بشرية بحلول عام 2020، وتوصَّل الفريق إلى وسيلة لإنتاج مزيج الجسم المضاد-الإنزيم دون عملية تخليق كيميائي صعبة، فكل ما يحتاجون إلى فعله هو أخذ جسم مضاد مُستهدِف للورم موجود بالفعل ثم ربطه بالإنزيم، على حد قول جيسون لوك، اختصاصي الأورام في كلية الطب بجامعة شيكاغو، والذي يقود مشروعًا بحثيًّا تموِّله شركة باليون لمعرفة ما إذا كانت الإنزيمات المُعدِّلة للجليكانات مرتبطة بالنتائج السريرية.

يقول لوك: "إنه برنامج تطوير العقار الأكثر مباشرة، وهو قابل للتطبيق على غير ذلك من بروتينات السطح، ومن ثم يمكن بسهولة صنع علاجات إضافية".

وبينما تستهدف الغالبية العظمى من العلاجات المناعية تفاعلًا جزيئيًّا واحدًا، فإن نهج بيرتوزي أوسع نطاقًا وهو "أكثر فاعلية بكثير، لأن أحماض السياليك يجري التعرف عليها من جانب مستقبلات عديدة على خلايا مناعية مختلفة"، على حد قول إيفيت فان كويك، اختصاصية المناعة في المركز الطبي بجامعة فو أمستردام بهولندا، والتي كتبت مراجعة حديثة عن "شفرة الجليكانات" الخاصة بالسرطان وعلمت بشأن برنامج عقار شركة باليون في مؤتمر سابق عن السرطان عُقد في سبتمبر عام 2018.

تقول فان كويك: "في الواقع، تجاهل مجال السرطان أهمية الجليكانات، لكنّها تؤدّي وظيفة تثبيط مناعي قوية، ومن أجل التغلب على هذا، من الضروري للعلاجات الجديدة أيضًا أن تفعل شيئًا بشأن شفرات الجليكانات هذه".

ملحوظة: خضع هذا المقال للتحديث بعد نشره للمرة الأولى.