ملخص

  • أظهرتْ بحوثُ العقل اللاواعي أن الدماغ يُصدر أحكامًا وقرارات بسرعة وتلقائية، ويصنع توقعاتٍ بشكل مستمرّ بخصوص الأحداث المستقبلية.
  • طبقًا لنظرية "العقل المتنبّئ"، ينشأ الوعي فقط عندما تفشل توقعات الدماغ الضمنية في التجسّد.
  • العمليات الإدراكية العليا في القشرة المخية يمكن أن تحدث دون وعي، ومناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر والدوافع هي التي توجّه انتباهنا الواعي، لا القشرة المخية.

في عام 1909 اجتمع خمسة رجال في جامعة كلارك بماساتشوستس لغزو "العالم الجديد" بفكرة، وكان على رأس تلك الكتيبة الصغيرة: المحلّل النفسي سيجموند فرويد.

قبل ذلك بعشر سنوات كان فرويد قد استحدث علاجًا جديدًا لما كان يسمَّى "الهستيريا" في كتابه "تفسير الأحلام"، وقدَّم هذا العمل كذلك رؤية فاضحة للنفس البشرية: فتحت مستوى الوعي يجول قدرا يصعب للغاية اكتشافه، من الدوافع عميقة الجذور، خاصة الدوافع التي تقودها الطاقة الجنسية (الشهوة الجنسية)، هذه الدوافع -التي تكبحها الأخلاق المغروسة اجتماعيًا- تُنَفِّسُ عن نفسها في زلّات اللسان والأحلام والاضطرابات العصبية، وهذه الزلات بدورها تعطينا دليلًا على العقل اللاواعي.

وبدعوة من عالم النفس جي ستانلي هول، ألقى فرويد خمس محاضرات في جامعة كلارك، بحضور الفيلسوف ويليام جيمس، الذي سافر من جامعة هارفرد ليلتقي فرويد، ويقال إن جميس قال لفرويد لدى مغادرته: "مستقبل علم النفس يكمن في أعمالك البحثية"، وكان محقًّا.

إن هذا الرأي القائل بأن البشرَّ تُحرِّكهم قوى شعورية مظلمة، ليس لهم عليها إلا سيطرة قليلة أو منعدمة، لا يزال واسع الانتشار، ووفق هذا المفهوم، فإن نزعات العقل الواعي تصارع بشكل مستمرّ الرغبات السرية للاوعي، ومدى تجذر فكرة اللاوعي المظلم في الثقافة الشائعة يمكن تبيّنه في فيلم Inside Out الذي أنتجته شركة بيكسار عام 2015، وفيه يعجُّ العقل اللاواعي لفتاة تسمى رايلي بمثيري المشاكل والمخاوف الموجودين في مساحة مغلقة.

يتصوَّر الناس اللاوعي على أنه مكان نحشر فيه الأفكار والبواعث غير المريحة، لأننا نريد أن نعتقد أن الأفكار الواعية تتحكم في أفعالنا، لأنها إن لم تكن كذلك فقد يبدو أننا لا نملك السيطرة على حياتنا.

غير أن هذه الصورة بعيدة تمامًا عن الصحة، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن العمليات الواعية واللاواعية لا تعمل بالضرورة بالتضاد، فلا منافسة بينهما للهيمنة على عقليتنا، ولا هما نطاقان منفصلان، مثلما يقترح التصنيف اللاحق لفرويد بخصوص الأنا والهو والأنا العليا، بل يوجد عقل واحد تتناسج فيه خيوط واعية وغير واعية، وفي الواقع، حتى أكثر أفكارنا وأفعالنا عقلانية تنتج بشكل رئيسي من عمليات لا واعية تلقائية.

العقل التنبؤي

يوجد نموذج ثوري مخالف لنموذج فرويد، أصبح مقبولًا الآن على نطاق واسع، يُعرَف باسم نموذج "العقل التنبؤي".

 تُقدَّم تلك النظرية بنكهات مختلفة، غير أنها تقضي إجمالًا بأن العمليات التلقائية تلعب دورًا مركزيًّا في العقل، وهو ما يسمح لنا بالتنبؤ بالأحداث بسرعة ودقة حالما تنشأ.

يعمل التعلّم والخبرة والوعي بشكل مستمرّ على تحسين توقعاتنا الضمنية أو غير الواعية، ولا نلحظ الأحداث إلا عندما تفشل التوقعات، أي إننا نصبح واعين بالظروف عندما تستحق اهتمامنا، وهذه التلقائية تُمكّننا من العمل بسلاسة داخل العالم، كما أن وعينا الذي يتحقق عندما تفشل التوقعات يُمَكِّننا من تجنب مشكلات المعالجة التلقائية ومن التكيّف مع التغيرات في بيئتنا، وفي مثال مبسط، تتنبأ العمليات اللاواعية بمسار الكرة المقذوفة إلينا، وتعدِّل حركة أطرافنا تبعًا لذلك، أما المعالجة الواعية فستبدأ بالعمل إذا ما انعطفت الكرة بزاوية قائمة فجأة.

ومثل التصوّر الشائع عن العقل المليء بالصراعات، فإن منظور العقل التنبؤي ترجع جذوره إلى بدايات القرن التاسع عشر. كان الطبيب وعالم الفيسيولوجي هيرمان فون هلمهولتز أول من افترض أن النتائج التي نتوصل إليها تلقائيًّا ترتكز على الإدراك، على سبيل المثال، ينتج الجهاز البصري لدينا مثلثًا تخيليًّا عندما نرى ثلاث دوائر مقطوع منها شرائح وموضوعة بشكل معين (انظر الشكل).

وطبقا لهلمهولتز فمثل هذه الأوهام المفيدة أثبتت أن الآليات المبرمَجة مسبقًا تُشكِّل رؤيتنا عن العالم دون أي جهد منا على الإطلاق، والآن يفترض نموذج العقل التنبؤي أن هذه التلقائية لا تُشكِّل إدراكنا فحسب، بل تشكِّل جميع العمليات العقلية، بما فيها أحكامنا وقراراتنا وأفعالنا.

يعطينا وهم مثلث كانيزا دليلًا على أن إدراكنا يرتكز على استنتاجات ضمنية، فالجهاز البصري يبني مثلثًا تخيليًّا كطريقة "لتفسير" ترتيب الدوائر بهذا الشكل. Credit: Scientific American

لكي تتعايش في سلاسة مع العالم من حولك، أنت بحاجة إلى أن يميّز دماغك بسرعة وتلقائية بين الأفعال الخاصة بالجسم والمدخلات الخارجية، ويُحقّق الدماغ ذلك من خلال إنتاج ما يسمى بنسخة العصب الصادر لكل أمر يرسله إلى العضلات، على سبيل المثال، عندما تحرك رأسك إلى الأمام والخلف فأنت تعلم أن العالم من حولك لا يهتز للأمام والخلف، رغم أن الأدلَّة المرئية التي تصل إلى الدماغ قد تعطي هذا الانطباع، بسبب أن نسخة العصب الصادر تشير إلى أن الدماغ نفسه مَنْ أعطى الأمر بالحركة.

إن نسخة العصب الصادر هي كذلك السبب في أنك لا تستطيع أن تصنع بنفسك إحساس الدغدغة في قدميك، بنفس القدر الذي تشعر به عندما يدغدغك الآخرون؛ فعندما يتولد إحساس الدغدغة في باطن قدمك فإن مناطق الدماغ المسؤولة عن إدراك اللمس تعلم بالفعل أن أصابعك هي التي تقوم بالمهمة.

إن طريقة عمل العمليات اللاواعية تبدو واضحة كذلك في مجموعة متنوعة من الظواهر الأخرى، مثل الحركات التلقائية، والربط التلقائي، والقفز إلى استنتاجات فورية (وهي مثال لما يسميه العلماء "الاستدلالات الضمنية")، وإدراك المؤثرات اللاشعورية (تلك التي لا يتم التعرف عليها بشكلٍ واعٍ).

وأظهرت التجارب المعملية أن الأفراد قيد الاختبار أدركوا القاعدة التي تستند عليها مهمة محددة قبل تمكّنهم من صياغة تعبير شفهي للقاعدة، فعلى سبيل المثال في أحد تصميمات الدراسة، طُلب من المتطوعين سحب ورقة من مجموعتين، واحدة قد تجلب مكاسب افتراضية ضخمة ولكن قد تجلب أيضًا خسائر هائلة، والأخرى أقل مخاطرة، ولم يُبلّغ المتطوعون عن الفارق بين المجموعتين. تكشف علامات القلق، مثل زيادة التعرق أن المشاركين يستشعرون النمط -أي الفرق بين المجموعتين- قبل وقت طويل من تمكنهم من القول بوضوح إن إحدى المجموعتين عالية المخاطرة، وكما أوضح عالم الأعصاب نيكولاس تشاك من معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في برلين، فإن هذه الاستدلالات الضمنية تؤثر على النشاط في أجزاء معينة من الفص الجبهي -وهو المكان الذي يقال إن القرارات تُتخذ غالبًا فيه- حتى قبل أن يتخذ المشاركون في الدراسة قراراتهم.

قوة المؤثرات اللاشعورية

إن البحوث التي تستخدم نوعًا من التدخل اللاشعوري يسمى التهيئة، تعطينا أمثلة أخرى على الطرق التي تؤثر بها المعالجة غير الواعية في السلوك، يقدم الباحثون صورًا أو كلمات أو حتى أحاسيس جسدية بطريقة تختبر ما إذا كان المشاركون في الاختبار سيغفلون عن ملاحظة المحفِّزات (لأن فترة التعرّض لها قصيرة) أم سيتجاهلونها (لأنه على ما يبدو ليس لها علاقة بما يتم التركيز عليه).

وفي مثال على الاستراتيجية الأخيرة، قد يطلب علماء النفس من المشاركين قراءة نصوص تتكرر فيها كلمات محدّدة دون تحديد تلك الكلمات، ويطلبون من المجموعة الضابطة أن يقرأوا نصًا حياديًا، إذا ما أظهر الأفراد المشاركون في الاختبار اختلافات واضحة يمكن قياسها في التفكير والشعور أو الفعل بعد قراءة النص الذي تتكرر فيه الكلمة، يستطيع الباحثون افتراض أن النص كان له تأثير غير واعٍ.

وأظهر العديدُ من الدراسات أن المحفزات اللاشعورية المتعلقة بمفاهيم مثل الشيخوخة والموت لها تأثيرات على السلوك يمكن قياسها، فالمشاركون في الاختبار يتحركون ببطء أكثر على سبيل المثال، أو يصبحون أكثر استجابة للأفكار الروحية، وهذه الظاهرة مألوفة في الحياة اليومية، فالناس إذا مرّوا أمام مخبز قد يتذكَّرون فجأة أنهم نسوا أن يحضروا مكونات كعكة عيد الميلاد، إن عقلنا اللاواعي يمهِّد الطريق أمام أفعالنا.

هذه الأمثلة تؤكد أن الدماغ يعمل على طول مسارات متعددة، مقارنة بالحاسوب فإن المادة الرمادية في أدمغتنا تعمل ببطء شديد، غير أنها تعمل على عدة مستويات متوازية، لكن الباحثين غالبًا ما يميِّزون بين اثنين من الخيوط العامة.

 يطلق دانيال كانمان، الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد، على هذين الخطين اسم النظام 1 والنظام 2. بينما يتحدّث الآخرون عن الضمني والصريح، أو المعالجة الساخنة في مقابل المعالجة الباردة. ويشير الخيط الأول (النظام1 أو الضمني أو الساخن) إلى عمل العقل اللاواعي السريع والتلقائي وغير الخاضع للتحكم، بينما الخيط الآخر (النظام 2 أو الصريح أو البارد) يصف العمليات الواعية البطيئة والأكثر مرونة والخاضعة للإرادة، غير أن الفكرة الأساسية لمفهوم العقل التنبؤي بخصوص الأداء العقلي هي أن هذين الخيطين دائمًا ما يعملان بشكل متزامن، أي بعبارة أخرى: يعمل عقلُنا على نحو واعٍ ولا واعٍ معًا.

الجُمل التالية توضّح حقيقة هذا التأكيد:

Veery nmoral sopern acn dpeciher eseth drows. Talhoguh het telters rae ramscbled, ouy houlsd vahe on ficudiflty unstanddering thaw si geibn dias. Ouy anc od hist ecabuse fo het sursingpri mautoaticity fo het brian!

(هذا النص بُعثرت حروفه في كل كلمة فيه، ومعناه ما يلي: الأشخاص الطبيعيون يستطيعون توقّع هذه الكلمات، فرغم أن الحروف مبعثرة، فلن تجد صعوبة في فهم ما يقال، تستطيع أن تفعل ذلك بسبب التلقائية الباهرة التي يتمتع بها الدماغ!)

معظم الناس يستغرقون جزءًا من الثانية فحسب، ليدركوا ما الكلمة التالية، فالقيادة الآلية في أدمغتنا تتوقع الكلمات وترتِّب سريعًا الحروف المبعثرة.

يوجد لغز كبير يتعلّق بما يُميّز بالتحديد العمليات الواعية عن العمليات غير الواعية على المستوى العصبي الفيسيولوجي، وكيفية تفاعلهما معًا بالضبط، طبقًا للفيلسوف بيتر كاروثيرز من جامعة ماريلاند في كوليدج بارك، فإننا نعي فقط المادة الموجودة في الذاكرة العاملة، أي "واجهة المستخدم"، إذا جاز التعبير، غير أن الذاكرة العاملة لديها فقط جزء صغير من البيانات التي نحصّلها، ونبقى غير واعين بمعظم المدخلات التي تغرق الدماغ وتغذّي النظام 1 الذي يعالجها تلقائيًّا وسريعًا.

ماذا يفعل الدماغ بهذه البيانات؟

إنه يتطلَّع بانتظام إلى المستقبل ويتدبّر: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ما المحفِّزات التي من المحتمل أن تظهر؟ هل يلوح أي شيء خطر في الأفق؟ ماذا يفعل الآخرون؟ مثل هذه التنبؤات لا تتعلق فقط بالعالم الخارجي ولكن أيضا بالبيئة الداخلية لأجسادنا، وفي ضوء ذلك فإن رغبتنا في الأكل لا تعدو كونها توقّعًا غير واعٍ بفقدان الطاقة الوشيك، إن اللاوعي يهدف إلى الحفاظ على التوازن للإبقاء على أجسامنا (بما في ذلك توازن الحصول على الطاقة واستخدامها) في حالة ثبات.

البيولوجيا العصبية للعقل التنبؤي

أضاف مارك سولمز -من جامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا- وهو مؤيد قوي لنظرية العقل التنبؤي، رؤى جديدة للأساس البيولوجي العصبي للأداء اللاواعي والواعي، وعلى عكس فرويد فهو يقول إن عقولنا لا تسعى إلى المزيد من الوعي بل العكس، أي الإبقاء على الوعي في الحد الأدنى.

ويشرح: "هل تعرف أغنية فرقة Talking Headsالتي يقولون فيها: "الجنة هي المكان الذي لا يحدث فيه شيء، أي شيء، على الإطلاق"؟ حسنا هذه هي الحالة المفضلة للدماغ لأنها موفرة للطاقة والوقت، إنها آلية للنجاة".

في عام 1909 حضر وفد من المحللين النفسيين، من بينهم سيجموند فرويد (الصف الأسفل، يسارًا) وكارل جوستاف يونج (الصف الأسفل، يمينًا) مؤتمر في جامعة كلارك في ورستر بماساتشوستس، نظَّمه ستانلي هول (الصف الأسفل، في المنتصف)، وألقى فرويد خمس محاضرات.. Credit: Getty Images

وصف سولمز هذه الفكرة في ورقة بحثية نشرها عام 2018 وشارك في تأليفها مع كارل فريستون من كلية لندن الجامعية، وهو شخصية محورية في تطوير تقنيات تصوير أدت إلى ثورة في بحوث الدماغ، وقبل نحو 10 سنوات قدَّم فريستون مبدأ الطاقة الحرَّة، وهي نسخة مصاغة رياضيًا من نظرية العقل التنبؤي، وفي التعريف الذي وضعه، تصف الطاقة الحرة في الدماغ الحالة العصبية التي تنتج عن فشل الدماغ في القيام بتوقُّع صحيح، والدماغ يفعل كل ما يستطيع لتجنب الطاقة الحرة، وفي التحليل النهائي، يؤكد سولمز وفريستون أن الأخطاء في التوقعات تساوي المفاجأة، تساوي الوعي، وعندما لا تسير الأمور كالمتوقع نصير في حالة وعي، وهي حالة يحاول الدماغ الحدَّ منها.

هذا المنظور لا يقلب نظرية فرويد رأسًا على عقب فحسب، ولكن أيضا يناقض الرؤية الكلاسيكية القائلة بأن القشرة المخية (الطبقة الخارجية من المخ) هي مصدر الوعي، فبحسب سولمز، هذه المناطق العليا ليست حاملة الوعي، بل يتم "إخبارها" بما يجب عمله من جانب بِنى أعمق في جذع الدماغ والدماغ المتوسط.

ويحدّد سولمز مصدر الوعي في مناطق الدماغ التي تنظم اليقظة والتحفيز العاطفي والدوافع، بالتحديد تلك المناطق التي حدد فرويد فيها العقل اللاواعي (الرسم التوضيحي للدماغ)، ويقول سولمز: "آلية التعرف على الأنماط التي لدى القشرة المخية تعمل بأكبر قدر من الكفاءة دون انتباه واعٍ، إن الموضع الذي ينشأ منه الوعي هو الجزء الأعمق العاطفي للدماغ؛ البِنى الحوفية".

هذه الفرضيات يمكن تأكيدها تجريبيًّا، على سبيل المثال، الأطفال الذين ولدوا دون قشرة مخية بسبب اضطرابات في النمو قادرون على القيام بصور من الوعي، وإذا ما نجا هؤلاء الصغار ليصلوا إلى مرحلة الطفولة، لا يكون بإمكانهم الانتباه فحسب بل يقومون بردود فعل عاطفية، وفي مقال نشر في عام 2007 خلص عالم الأعصاب بيورن ميركير إلى أن العديد من الظواهر الواعية تحدث حتى دون وجود للقشرة المخية، ورغم أن العمليات العقلية الأكثر تعقيدًا مثل التفكير المنطقي أو التأمل الذاتي ليست ممكنة، فإنه يمكن الشعور بعواطف مثل الفرح والانزعاج والحزن.

القشرة الخارجية للدماغ -القشرة المخية- موضع العمليات العقلية العليا في التصورات التقليدية بالدماغ، ولكن في النموذج الذي اقترحه مارك سولمز من جامعة كيب تاون بجنوب إفريقيا، ينشأ الوعي من النشاط الحادث في المناطق الأسفل، مثل نظام التفعيل الشبكي والسقيفة البطنية والمهاد، على سبيل المثال، المعلومات الحسية -التي تمرّ جميعها عبر المهاد- تصبح واعية فقط عندما تكون مرتبطة بالعواطف أو الدوافع، وفي الحالتين فإن القشرة الجبهية والقشرة الحزامية توجه انتباهنا إليها، وفي ذات الأثناء، يلعب المخطط والطلل دورًا في التحكم بالحركة التلقائية وتوجيهها، وهو ما يمكنّنا من التفاعل مع بيئتنا دون التفكير فيها بشكل واعٍ.. Credit: Falconieri Visuals

العقل المدبر الحقيقي

يتمسَّك العديد من الناس -بعناد- بالتمييز القديم بين اللاوعي الغريزي والوعي العقلاني، مع إعطاء أفضلية للأخير، لكن كما أوضحتُ فإن هذا الرأي لا يمكن الدفاع عنه، فالعمليات اللاواعية تتحكَّم بشكل كبير في إدراكنا الواعي، فأمور مثل المكان الذي توجه انتباهك، وما تتذكره، والأفكار التي لديك، وما تتخلَّص منه من طوفان المحفزات الذي يضربك، وكيف تفسرها، وخلف أي الأهداف تسعى، كل ذلك ينتج عن عمليات تلقائية.

ويرى تيموثي ويلسون من جامعة فيرجينيا، أن هذا الاعتماد على اللاوعي هو الثمن الذي ندفعه من أجل بقاء الجنس البشري، فإذا كنا مجبرين دائمًا على التفكير في كل جوانب الموقف المحيط بنا، وكان علينا أن نزن جميع خياراتنا بخصوص ما يجب أن نفعله، لانقرض الجنس البشري منذ زمن بعيد، إن القيادة الآلية في أدمغتنا -وليس الوعي- هي ما تجعلنا ما نحن عليه الآن.

ومن ثَمَّ فإن العقل المدبِّر الحقيقي الذي يحلّ المشكلات ويضمن بقاءنا هو اللاوعي، من المفهوم أن الناس يميلون إلى عدم الثقة في اللاوعي، على اعتبار أنه يبدو خارج السيطرة، فكيف من المفترض بنا أن نتحكَّم في شيء بينما نحن لا نعرف حتى متى وكيف يوثر علينا؟ لكن هناك ترتيبات تُجدي نفعًا.

إن جون بارج من جامعة ييل، والذي يدرس التهيئة، يشبِّه العقل البشري بالبَحَّار: فلكي يوجه البحَّار السفينة من النقطة أ إلى النقطة ب، فإنه يحتاج إلى معرفة الوجهة وأن يكون قادرًا على تصحيح المسار، لكن هذه القدرات ليست كافية لأن العوامل غير الخاضعة للسيطرة مثل تيارات المحيط والرياح تتدخل في المشهد، كما هو الحال مع اللاوعي، لكن البحارة الخبراء يأخذون هذه العوامل في الحسبان ليصلوا إلى وجهتهم.

وبالمثل، فإننا نُبلي بلاءً حسنًا في التعامل مع اللاوعي، بألا نقف في طريقه، وهذا ما نفعله حقًّا يومًا بعد يوم، فعندما أضع صورة لأحبِّائي على مكتبي لإذكاء دوافعي للعمل أو عندما أصعد السلم بدلا من المصعد، فأنا أوجِّه العقل اللاواعي، مُدركًا أن رغبته في الراحة والاستمتاع لا تخدم مصلحتي الفعلية في هذه اللحظة، وحقيقة أنني قادر على القيام بذلك تُظهر أن الوعي واللاوعي شريكان، وليسا خصومًا.

نُشر هذا المقال في الأصل في مجلة Gehirn&Geist ، وأعيد نشره هنا بعد الحصول على إذن.