لفترة طويلة للغاية لم يحظ المخيخ؛ وهو التكوين المعقَّد بحجم قبضة اليد الذي يوجد في قاعدة الدماغ، بالكثير من الاحترام من علماء الأعصاب.

ظلَّ المجتمع العلمي لما يقرب من قرنين من الزمان يعتقد أن المخيخ (cerebellum كلمة لاتينية تعني "الدماغ الصغير")، الذي يحتوي تقريبًا على نصف الخلايا العصبية الموجودة بالدماغ، مخصصٌ فقط للتحكم في الحركة، غير أن الأمور بدأت تتبدَّل في العقود الأخيرة؛ إذ كشف الباحثون تفاصيل بشأن دور هذا التكوين في الإدراك ومعالجة المشاعر والسلوك الاجتماعي.

يمكن ملاحظة الاهتمام طويل الأمد بالمخيخ في الجهد العلمي للعالم الفرنسي المختص في علم وظائف الأعضاء ماري جان بيير فلورنس (1794-1867) الذي استأصل المخيخ من بعض الحمام، فوجد أن الطيور أصبحت غير متزنة، رغم أنها ظلت قادرة على الحركة.

استنادًا إلى هذه الملاحظات، استنتج فلورينز أن المخيخ كان مسؤولًا عن تنسيق الحركات. يقول كامران خوداخا، وهو عالم أعصاب بكلية ألبرت آينشتاين للطب: "رسَّخت [هذه التجربة] الاعتقاد السائد بأن المخيخ ضالع في التنسيق الحركي"، مضيفًا: "تجاهلنا لأعوام عدّة الدلائل التي كانت تشير إلى أنه ضالع في أمور أخرى".

ظهر أحد أقوى الأدلة على قائمة أوسع لوظائف المخيخ منذ نحو عقدين، عندما وصف جيريمي شمهمان، اختصاصي الأعصاب في مستشفى ماساتشوستس العام، المتلازمة المخيخية المعرفية العاطفية، بعد اكتشاف تغيّرات سلوكية من قبيل حالات قصور في التفكير المجرّد وتنظيم الشعور في الأفراد الذين أصيبوا بضرر في المخيخ، ومنذ ذلك الوقت، توسَّعت الدراسات التي تتناول هذا الجانب، فظهر بحث في التصوير العصبي البشري يبيِّن أن المخيخ ضالع في معالجة العمليات الإدراكية والسيطرة على المشاعر؛ وكشفت أبحاث أجريت على الحيوانات، بالإضافة إلى كشفها أمورًا أخرى، أن المخيخ مهمٌ في التطور الطبيعي للقدرات الاجتماعية والإدراكية، كما ربط الباحثون أيضًا تغيّر وظيفة المخيخ بالإدمان والتوحد وانفصام الشخصية.

ورغم أن الكثير من هذه الاكتشافات ألمح إلى أن المخيخ لعب دورًا مهمًا في السلوكيات المرتبطة بالمكافأة والسلوكيات الاجتماعية على السواء، فإن الباحثين يفتقرون إلى آلية عصبية واضحة تفسِّر هذه الصلة. تُظْهِر دراسة جديدة، نُشِرَت هذا الأسبوع في دورية ساينس، وجود مسارٍ يربط المخيخ مباشرة بالمنطقة الجوفية السقيفية -أحد المراكز الرئيسية المسؤولة عن الشعور بالمتعة في الدماغ- يمكن أن يسيطر على هاتين العمليتين. تقول جولي فيز اختصاصية علم الأعصاب الإدراكي في جامعة بيتسبرج التي لم تشارك في هذه الدراسة: "يساعد هذا الجهد العلمي على توضيح الدوائر العصبية التي تربط المخيخ بمعالجة العمليات الاجتماعية وتلك المرتبطة بالمكافأة، أعتقد أن الأمر مثير حقًا".

ركَّز خوداخا، أحد مؤلفي الدراسة، جهده على دور المخيخ في التنسيق الحركي إلى أن عثر مصادفةً على الدراسات التي تتناول الوظائف غير الحركية للمخيخ في أثناء استعراضه المِنَحَ المقدمة، فشرع في البحث فيما إذا كان المخيخ يتواصل مباشرة مع المنطقة الجوفية السقيفية، وهي منطقة في الدماغ رُبِطَت في السابق بهذه الاضطرابات، بعد أن أثار اهتمامه ارتباط المخيخ بحالات مثل التوحّد والإدمان.

كانتْ أبحاث سابقة قد أُجريت في مختبره، أشارت إلى احتمالية وجود صلات غير متوقعة بين المخيخ وأجزاء أخرى من الدماغ، لا سيَّما وأنه خلال دراسة الدوائر العصبية في الدماغ المتسببة في "خلل التوتر العضلي" -وهو اضطراب حركي يتسبب في حدوث انقباضات عضلية لا يمكن السيطرة عليها- في الفئران، اكتشف فريق خوداخا أن المخيخ تواصل مباشرة بالعقد القاعدية (الضالعة في وظائف الحركة والتحفيز والمكافأة) للتحكّم في الحركات المعقدة، كان يُعتَقَد سابقًا أنه من أجل تنسيق هذه العمليات، تتواصل المنطقتين الدماغيتين عبر القشرة الدماغية، وهي المنطقة المسؤولة عن المهام العليا مثل التخطيط واتخاذ القرارات. يقول خوداخا: "شجَّعنا هذا بالفعل على بدء البحث في التأثير المخيخي المباشر على باقي الأجزاء في الدماغ".

لدراسة الصلة بين المخيخ والمنطقة الجوفية السقيفية، حقن فريق خوداخا أولًا خلايا مخيخ فئران مصابة بفيروسات الهِرْبِس التي تقوم بدور حراس متنقلين وهي تقفز عبر الوصلات العصبية -الفجوات الدقيقة بين خلايا المخ- حاملةً واسمات فلورية، أظهرت هذه التجربة أن العديد من الخلايا العصبية في المنطقة الجوفية السقيفية أُضيئت بالواسمات المتوهّجة، ما يشير إلى أن الخلايا في هذه المنطقة من الدماغ كانت، بالفعل، تتلقى اتصالاتٍ مباشرة من المخيخ. بعد ذلك، باستخدام علم البصريات الوراثي (أسلوب يتيح للعلماء تشغيل أو إيقاف خلايا محدَّدة في المسار العصبي باستخدام ومضات ضوئية)، أثبت الباحثون أن تحفيز الخلايا العصبية في المخيخ يمكن أن ينشِّط خلايا في المنطقة الجوفية السقيفية.

وبعد ذلك، اختبر الفريق ما إذا كانت هذه الدائرة العصبية تستطيع التأثير على السلوكيات المرتبطة بالمكافأة وكذلك السلوكيات الاجتماعية، فوجدوا أن تحفيز هذا المسار عن طريق البصريات الوراثية في أثناء استكشاف الفئران لأحد أرباع سياج مربع جعلها تكتسب تفضيلًا قويًا تجاه هذه البقعة، وبتنشيط هذا المسار، استطاع العلماء أيضًا تكييف القوارض -التي كانت تتسم بأنها ليلية- لكي تفضِّل استكشاف حجيرة مضيئة، على الرغم من تفضيلها الطبيعي للأماكن المظلمة.

يقول خوداخا: "تشير هذه النتائج إلى أن هذا المسار قد يكون مرتبطًا بالسلوك الإدماني"، ويشير إلى أن التجربة الأخيرة استُخدِمَت على نحو مكثف لدراسة إدمان المخدرات في الحيوانات، ويخطط فريقه لإجراء المزيد من الدراسات، قد تمد إحدى التجارب المستقبلية القوارض بالكوكايين لمشاهدة ما إذا كان تثبيط المسار بين المخيخ والمنطقة الجوفية السقيفية يمكن أن يؤثر في السلوكيات الإدمانية.

عندما أجرى الباحثون تجارب شبيهة على الفئران باستخدام ثلاث غرف متّصلة، توصِّلوا لاكتشاف مهم: إذ صادفت الفئران حيوانًا مألوفًا كان قد وُضِع في إحدى الحجيرات ("الغرفة الاجتماعية")، وبجوارها كانت حجرة خالية (أُطْلِق عليها اسم "غرفة الشيء"). أمضت الفئران وقتا أطول في الغرفة الاجتماعية، ولكن بعد تعطيل المسار بين المخيخ والمنطقة الجوفية السقيفية باستخدام علم البصريات الوراثي، اختفى هذا التفضيل، محاكيًا السلوك الذي يُلاحَظ عندما يُجري العلماء الاختبار ذاته على نماذج حيوانية مصابة بالتوحّد.

وما يثير الاهتمام، أن الفريق وجد أن تحفيز هذه الدائرة العصبية لم يزد من تفاعلات القوارض مع حيوان غير مألوف، ووفقًا لمؤلفي الدراسة، فإن تلك الملاحظة تشير إلى أن المسار لا يزيد بالضرورة من السلوكيات الاجتماعية الإيجابية، ولكنه بدلًا من ذلك يجعل الأشياء الجامدة، على سبيل المثال، مُجزية تمامًا بقدر التفاعل مع الآخرين.

ويقول إيجيديو دانجلو، عالم الأعصاب بجامعة بافيا في إيطاليا، الذي لم يشارك في الدراسة لكنه كتب تعقيبًا مرفقًا بالورقة البحثية: "هذه [الدراسة] أحد أوضح الأدلة وأكثرها إثارة للاهتمام على أن المخيخ مرتبط بالتأكيد بالتحكم في الوظائف غير الحركية عالية المستوى، ولكن هذا الجهد البحثي أُجري على الفئران، وعلينا أن نرى إن كان الأمر نفسه يحدث في البشر من عدمه".

يشير شمهمان، الذي لم يشارك هو الآخر في الدراسة، إلى أن هذه الاكتشافات تؤكِّد وجود مسار اقترحه العلماء لأول مرة منذ عدّة عقود. ويضيف: "لقد سعدتُ بالاطّلاع (على هذا البحث)، إنهم يوفِّرون لبنة أخرى مهمة في محاولتنا المستمرة [لفهم] مساهمة المخيخ في الإدراك والمشاعر".

ويقول خوداخا إن المزيد من الاستكشاف للدائرة الواصلة بين المخيخ والمنطقة الجوفية السقيفية قد يساعد العلماء في يوم من الأيام على علاج أنواع مختلفة من الاضطرابات، هذه الدائرة يمكن التحكّم فيها باستخدام تقنيات مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة أو التحفيز الدماغي العميق في الأشخاص الذين يعانون الإدمان أو التوحد، لكن يجب إجراء المزيد من الأبحاث قبل أن تصير تلك التدخلات أمرًا واقعًا، وفي الوقت الحاليّ، يُخطط فريق خوداخا لاختبار بعض هذه الأساليب على الفئران.

ويقول خوداخا: "هذا الوقت مشوّق حقًا فيما يتعلق بأبحاث المخيخ، وأعتقد أننا سنرى على مدى الأعوام القليلة المقبلة أن المخيخ ينهض بدور أبرز في الوظائف غير الحركية (مثل) المعالجة الإدراكية والانفعالية".