في إطار الجهود لمنع انتشار فيروس كورونا، أغلقت المدارس في جميع أنحاء البلاد أبوابها. وشهدنا التداعيات المتوقعة لذلك: طلابًا متأخرين دراسيًّا، وآباءً لا يتمكنون من إنجاز أعمالهم بسبب ضوضاء الأطفال. 

لكن هناك مشكلة أكثر رعبًا تؤدي دورها هنا. فعندما يوجد الأطفال في البيت، يدخلون على شبكة الإنترنت، ومستغلو الأطفال لن يفوتوا هذه الفرصة. فلقد أشار تقرير حديث نشرته وكالة إنفاذ القانون التابعة للاتحاد الأوروبي، المعروفة اختصارًا بالـ«يوروبول» إلى أن هناك زيادة في النشاط الرقمي عند أولئك الذين يحاولون استغلال الأطفال جنسيًّا عبر شبكة الإنترنت. ينشر مستغلو الأطفال منشورات على المنتديات التي يتوقعون أن يكون فيها صغار السن الأكثر عرضةً للاستغلال بسبب العزلة الاجتماعية وقلة الرقابة، وقضاء الكثير من الوقت على أجهزة الكمبيوتر. وفي نهاية شهر مارس الماضي، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي تحذيرًا من هذا الخطر للآباء في جميع أنحاء البلاد. 

لا يدرك الكثير من الآباء مخاطر الاعتداء الجنسي عبر الإنترنت. فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» New York Times، مؤخرًا عن قضية إحدى الأمهات التي كانت تترك ابنها يلعب لعبتي «ماينكرافت» MineCraft، و«فورتنايت» Fortnite بدلًا من اللعبة الأكثر عنفًا «جراند ثيفت أوتو» Grand Theft Auto، ثم اكتشفت في وقت لاحق مقطعَ فيديو لممارسة البهيمية في وجود أحد الأطفال، في محادثات ابنها على الإنترنت مع لاعبين آخرين. تشيع مثل هذه الأخبار على نحوٍ متزايد. في عام 2018 أفادت شركات التكنولوجيا باكتشافها أكثر من 45 مليون واقعة تتضمن مواد اعتداء جنسي على الأطفال في منصاتها.

ويدخل مستغلو الأطفال إلى غرف الدردشة وجلسات ألعاب الفيديو، وغالبًا ما يتظاهرون بأنهم قُصّر، ويبدأون محادثات بريئة. وتتطور تلك الاتصالات إلى ضغط البالغين على الأطفال كي يرسلوا إليهم بصور أو فيديوهات جنسية فاضحة (في بعض الأحيان بواسطة الرشاوى المالية، وأحيانًا أخرى بواسطة استغلال نقاط الضعف حول ثقتهم بأنفسهم). ولاحقًا يستخدم المستغلون تلك الصور  وسيلةً للابتزاز من أجل إجبار ضحاياهم على إرسال المزيد من المحتوى الجنسي الفاضح والحفاظ على سرية الاستغلال الجنسي. وقد يهددون بإرسال الصور إلى آباء الأطفال إذا لم يمدوهم بالصور على نحوٍ مستمر ومتزايد.

وبوصفنا أخصائيين في مجال الصحة النفسية، غالبًا ما نرى هذه الحالات بعد فوات الأوان. فقد قابلت عددًا كثيرًا جدًّا من الأطفال في غرف الطوارئ ممن كانوا في أزمة أو حاولوا الانتحار بسبب تعرُّضهم للاستغلال الجنسي. وظهرت على البعض أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة، في حين عانى آخرون من صعوبات مزمنة في الثقة بالآخرين والحميمية.

وبسبب الخجل المرتبط بالجنس، والذي ينفذ منه المستغلون إلى ضحاياهم، غالبًا ما يحافظ الأطفال على أن تظل تلك الاتصالات مع مستغليهم سريةً حتى تخرج الأمور عن السيطرة. نحن نعيش في مجتمع غالبًا ما يُنظر فيه إلى الجنس باعتباره شيئًا سيئًا أو مخزيًا. فالأطفال لا يرغبون في الحديث عنه مع آبائهم. وإذا ما حصل المعتدي على صور جنسية للطفل، فمن المحتمل أن يشعر الضحية بالخوف من أن أبويه سيريان هذه المادة. وقد يكون هذا الشعور بالخوف من الخزي الجنسي مدمرًا، ويمثل عقبةً أمام الإبلاغ عن هذا الاستغلال. ولا يدرك الأطفال عادةً أنهم هم الضحايا في مثل هذه المواقف. وحتى وإن أدركوا ذلك، فسيخشون من أن يكون للآخرين رأي مختلف أو سيئ عنهم بسبب تورطهم في فعل جنسي، ومن ثم يلتزمون الصمت.

ويمكن القول إن الفعل الأكثر أهميةً الذي يمكن للآباء فعله هو التحدث مع أطفالهم بصراحة عن تلك المخاطر والتغلب على هذا الخجل. ورغم حقيقة وجود الآباء في البيت في أثناء جائحة كورونا، فإنهم يكونون مشغولين ومشتتي الانتباه. فهم يكافحون من أجل تحقيق التوازن بين الاحتياجات المتباينة لإدارة صحتهم النفسية ودعم أولادهم. ولحسن الحظ توجد طرق بسيطة تمكِّنهم من حماية أطفالهم. وحتى محادثة واحدة يمكن أن يكون لها تأثيرٌ حقيقي.

ينبغي أن يُجري الآباء محادثاتٍ صريحةً مع أطفالهم، واتباع نهجٍ لا ينطوي على إصدار أحكام عليهم. فالخزي عامل خطير هنا، ويمكن أن يدفع الأطفال إلى إخفاء اتصالات محفوفة بالمخاطر على الإنترنت في أثناء تطورها. كما يتغذى الخزي على الصمت. ولذلك يجب علينا أن نخبر أطفالنا أن بإمكانهم الحديث معنا حول الجنس، وأننا لن نكوّن رأيًا مختلفًا أو سيئًا عنهم بسبب هذا النقاش. علينا أن نذكّر أطفالنا بأننا سنبقى نحبهم مهما حدث. وأن نشرح لهم أنه إذا استغلهم شخص بالغ استغلالًا جنسيًّا في أي وقت مضى، فإن ذلك ليس خطأهم، وأنه ينبغي عليهم إخبارنا بذلك.

تحدث معهم عن السلوكيات المثيرة للشكوك: أن يطلب منهم الغرباء الحفاظ على سرية العلاقات معهم، أو أن يطلبوا منهم الحصول على معلوماتهم الشخصية، أو أن يطلبوا نقل المحادثات معهم إلى منصات أقل رقابةً مثل «سنابشات» SnapChat، أو أن يعرضوا عليهم هدايا مثل أرصدة داخل الألعاب الرقمية. لقد أنشأ «الخط الدولي لمساعدة الطفل» Child Helpline International، قاعدة بيانات دولية لخطوط الاتصال المباشرة التي يمكن للآباء الاتصال بها، في حالة ما ساورتهم مخاوف بشأن تعرُّض أطفالهم لأي اعتداء أو استغلال جنسي. ونظمت مؤسسة «إنهاء العنف ضد الأطفال» End Violence Against Children غير الهادفة للربح، موارد أتاحتها للآباء ليحافظوا على سلامة أطفالهم في أثناء دخولهم على مجموعة متنوعة من المنصات الإلكترونية، بدايةً من «سنابشات» وحتى «إكس بوكس» Xbox.

نعيش وقتًا مخيفًا. فالخوف على صحتنا يطغى على تفكيرنا ويشغل انتباهنا. لكن المحادثات الصغيرة يمكن أن تحمي أطفالنا في أثناء وجودهم على الإنترنت. تحدث إلى أطفالك. أجرِ نقاشات مفتوحة معهم بشأن المخاطر والخزي والخجل. وحافظ على سلامتهم.