عادةً ما يُوصف اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) بالمشكلات التي يسببها، ويعرف بوصفه اضطرابًا عصبيًا تنجم عنه حالة من التشتت والاندفاع وفرط الحركة، ويبدأ في مرحلة الطفولة ويستمر في مرحلة البلوغ، وقد يؤثر سلبًا في التحصيل الدراسي والأداء الوظيفي والعلاقات الاجتماعية.

لكن هذا الاضطراب قد يجلب معه أيضًا ميزة تتمثل في القدرة على التفكير بشكل أكثر إبداعًا؛ فالإدراك الإبداعي له ثلاثة جوانب هي التفكير التباعدي والاتساع المفاهيمي والتغلب على العوامل المُقيِّدة للمعرفة، ويعدّ التفكير التباعدي، أو القدرة على التفكير في أفكار كثيرة من نقطة بداية واحدة، جزءًا مهمًا من الإدراك الإبداعي.

وأثبتتْ أبحاث سابقة أن الأفراد الذين يعانون من هذا الضطراب يُبدعون في التعامل مع مهام التفكير التباعدي، كابتكار استخدامات إبداعية جديدة للأشياء المعتادة، والتفكير في الميزات الجديدة التي يمكن لهاتف خلوي أن يتمتع بها.

وفي دراسة جديدة، سجل طلاب جامعيون يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة درجات أعلى من أقرانهم غير المصابين به، في مهمتين صُممتا لتوظيف الاتساع المفاهيمي والقدرة على التغلب على العوامل المُقيِّدة للمعرفة، تربط هذه النتائج الجديدة -بالجمع بينها وبين أبحاث سابقة- بين اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة والعناصر الثلاثة للإدراك الإبداعي.

إن المعرفة السابقة قد تُشكِّل عقبة أمام الإبداع؛ فعندما نتطلع إلى نموذج أو مثال سابق لنستلهم منه، قد تتوقّف أفكارنا فعلًا، وهي حالة يُطلق عليها المصممون مصطلح "التثبيت"، في بحوث الإنتاج الإبداعي، عندما تُقدَّم أمثلة للمشاركين قبل أدائهم مهمة تتطلب منهم ابتكار شيء جديد (لعبة أطفال جديدة مثلًا)، تميل ابتكارات هؤلاء المشاركين إلى تضمين جوانب من هذه الأمثلة، وعندها تكون ابتكاراتهم أقل إبداعًا، ولذا، تعدّ قدرة التغلب على المعلومات التي اطّلعنا عليها مؤخرًا قدرة أساسية فيما يتعلق بالتفكير الإبداعي.

وبالمثل، يمكن لمعرفتنا بالعالم من حولنا أن تقيّد من قدرتنا على تخيّله بصورة مختلفة، على سبيل المثال، إذا طُلب منّا تخيّل شكل حيوان أو ثمرة فاكهة ربما تكون موجودة على كوكب آخر، سيبدأ معظم الأشخاص بالتفكير في حيوان عادي أو ثمرة عادية موجودة على الأرض، ومن ثم يجرون تعديلات على هذا الحيوان أو هذه الثمرة بحيث تبدو نسخة "فضائية" بشكل ما.

وتشير الأبحاث إلى أنه عندما يبتكر الأشخاص مخلوقات فضائية استنادًا إلى أمثلة بعينها موجودة على كوكب الأرض، فإن هذه المخلوقات تُصنَّف على أنها أقل أصالة من الناحية الإبداعية، مقارنةً بتلك غير المُستلهَمة من أمثلة بعينها. وفقًا لهذه الشروط، يتمثل جوهر الإبداع في الاتساع المفاهيمي، أو القدرة على حلحلة حدود المفاهيم. على سبيل المثال، يُصمَّم مشبك الورق لتجميع الأوراق معًا، وباستخدام الاتساع المفاهيمي، ربما يفكِّر المرء فيما وراء هذا التعريف ويتخيَّل مشبك الورق باعتباره شيئًا آخر: مثلًا أداة لفتح الجزء الخاص بالبطارية في ساعة اليد، وعند ابتكار حيوان فضائي، قد يفترض المرء أن الحيوان يجب أن يكون جانباه متماثلين لأن معظم الحيوانات الأرضية لها هذه السمة، ولكن الاتساع المفاهيمي قد يسمح للمرء بتخيّل حيوان غير متماثل الشكل.. حيوان يختلف عن الحيوان الأرضي العادي.

تشير الأدلة العلمية إلى أن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة قد يوفر بعض الحماية من التأثيرات المُقِّيدة للمعرفة؛ ففي دراسة أُجريت على مجموعة من المراهقين، حدثت مقارنة بين مجموعة مصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ومجموعة من أقرانهم غير المصابين بهذا الاضطراب، فيما يتعلَّق بمهمة اختراع لعبة أطفال.

في البداية، عُرِضَت على المشاركين أمثلة لألعاب لها سمات مشتركة محدّدة (كاحتوائها على كرة مثلًا)، ثم طُلِبَ منهم ابتكار ألعاب جديدة تختلف تمامًا عن أي ألعاب موجودة، تضمَّنت الألعاب التي ابتكرتها مجموعة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة عددًا أقل من العناصر المأخوذة من نماذج الألعاب التي عُرِضت كأمثلة في بداية المهمة، مقارنةً بالألعاب التي ابتكرتها المجموعة الأخرى التي تألفت من أشخاص غير مصابين بهذا الاضطراب.

وفي الدراسة نفسها، لم تكن هناك أي فروقات بين المجموعتين فيما يتعلق بمهمة اختبار الاتساع المفاهيمي. ومع ذلك، توصَّلت دراسة أُجريت على طلاب جامعيين إلى أن الطلاب المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أظهروا -بالمقارنة بأقرانهم غير المصابين بهذا الاضطراب- نطاقًا أوسع من التفعيل الدلالي (أي "تشغيل" المفاهيم والأفكار المخزَّنة في الذاكرة)، وهو مفهوم يرتبط بالاتساع المفاهيمي في أبحاث أخرى.

بالنظر إلى الأدلة التي ربطت اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة بوجود مستويات أعلى من التفكير التباعدي والقدرة على التغلب على التأثيرات المُقَّيدة الناجمة عن الأمثلة المعروضة قبل البدء في المهمة، بدا بديهيًا أننا في حاجة إلى التدقيق بدرجة أكبر في العلاقة بين اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة والعنصر الثالث من عناصر التفكير الإبداعي، وهو الاتساع المفاهيمي.

في هذا السياق، قارنتُ طلابًا جامعيين مصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة بطلاب آخرين غير مصابين به، فيما يتعلّق بأداء مهمتين، في المهمة الأولى، طلبت من المشاركين تخيّل أنهم يعملون لدى وكالة إعلانية وطُلِب منهم ابتكار أسماء لمنتجات جديدة تقع تحت ثلاث فئات (المعكرونة، العناصر المشعة، مسكّنات الألم).

في كل فئة، قُدِّمت ستة أمثلة كانت تتشارك في نهايات لفظية بعينها (على سبيل المثال، كانت مسكنات الألم تنتهي بـ’’ـــول‘‘، كما في ’’ميدول‘‘ و’’تيلينول‘‘ و’’بانادول‘‘)، وبعدها أعطيتُ تعليمات للمشاركين بابتكار اسم لمنتج جديد في كل فئة دون استخدام أي جانب من الجوانب التي اتسمت بها النماذج التي قُدِّمت كأمثلة، وبعدها، لاختبار الاتساع المفاهيمي، طلبتُ من المشاركين أن يرسموا ويصفوا ثمرة فاكهة قد تكون موجودة على كوكب آخر مختلف تمامًا عن كوكب الأرض، وطُلِب من المشاركين أيضًا أن تكون ابتكاراتهم إبداعية قدر الإمكان، وألا يستنسخوا أي ثمرة فاكهة موجودة على كوكب الأرض.  

وكما كان متوقعًا، كان الطلاب المصابون باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أقل تقيُّدًا بالنماذج التي قُدِّمت كأمثلة في مهمة ابتكار اسم المنتج، وأقل احتمالية لأن يضمِّنوا النهايات اللفظية التي اشتملت عليها الأمثلة، مقارنةً بأقرانهم غير المصابين بهذا الاضطراب.

إلا أن الطلاب المصابين بالاضطراب ابتكروا أسماءً تتضمن وصفًا لفئة المنتج بنفس القدر، وفي مهمة ثمرة الفاكهة الفضائية، ابتكروا فواكه صُنِّفت بأنها أكثر أصالة من الناحية الإبداعية وأقل تمثيلًا لثمار الفاكهة الأرضية، مقارنةً بغيرهم، وبينما كانت المجموعتان متقاربتين فيما يتعلق باستخدامهما سماتٍ معتادةٍ لثمار الفاكهة -مثل البذور والسيقان- كان المصابون أكثر احتمالًا لأن يقوموا بتضمين سمات غير نمطية، كالهوائيات والألسنة والقش والمطارق.

 وكذلك أظهر الطلاب المصابون قدرًا أكبر من الاتساع المفاهيمي بتخطّيهم الحدود التقليدية لفئة ثمار الفاكهة؛ فقد تخيَّلوا -على سبيل المثال- ثمارًا سامة أو ثمارًا لها خصائص جمادات مثل الآلات، وقد تمّت الإفادة بوجود نتائج مشابهة أظهرها أشخاص موهوبون ضمن مجموعة غير مصابة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.

للوهلة الأولى، قد لا يبدو عدم الاتساق الموجود، وكذلك الأداء المتعلق بالاتساع المفاهيمي، أمرًا باهرًا، لكن، في سياق الابتكار الإبداعي، قد يفتح التغيُّر الطفيف الطريق أمام تقدم كبير، لنأخذ إبرة الخياطة كمثال، يرجع التصميم الأساسي للإبرة (ثقب في الطرف غير الحاد يمر الخيط من خلاله) إلى أسلافنا الدينيسوفان، قبل 50 ألف سنة على الأقل، ولاحقًا، في أوائل القرن التاسع عشر، قلب المخترع بالتازار كريمس هذا التصميم رأسًا على عقب، ليقدِّم للعالم أول إبرة مدببة من عند الثقب، وهو ما مهد الطريق أمام اختراع ماكينة الخياطة.

قد يتسبب اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في صعوبات لدى الأشخاص المصابين به في العديد من السياقات التي تتطلب وجود انتباه مركَّز ومتواصل، مثل وجود الطلاب داخل الفصول الدراسية، وهو سياق يُتوَقَّع فيه من الطلاب الجلوس في صمت وتركيز انتباههم.

ومن ناحية أخرى، يمكن لنفس حالة التشتت وفوضوية العقل أن تمنح الأشخاص المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة الأفضلية عندما يتعلق الأمر بالتفكير الإبداعي الابتكاري، وتشير هذه الدراسة الجديدة إلى أن هذا المرض قد يكون مفيدًا بشكل خاص عندما يكون الهدف هو اختراع أو ابتكار شيء جديد خارج إطار النماذج أو التقاليد القديمة، ودون التقيد بها، فأسلوب التفكير الإبداعي المُبتكِر الذي يُظهره المصابون قد يكون خيارًا مثاليًا بالنسبة للمجالات الابتكارية التي يعد تميزك فيها أمرًا مهمًا.