كانت ماري لين كوفال عازفةً عن الذهاب إلى طبيب الأسنان. ففي عملها -مستشارةً في الترويج التسويقي بشمال ولاية نيويورك- تؤدي كوفال وظيفتها من المنزل، لذا كانت تشعر بأنَّها آمنةٌ خلال جائحة فيروس كورونا. لكن إحدى حشوات أسنانها المُركَّبة منذ الطفولة انكسرت. وتقول عن ذلك: "أجَّلتُ الذهاب إلى طبيب الأسنان مدة أسبوعين. لكنَّني كنتُ خائفةً من أنَّه في حالة انكشاف تجويفٍ ما بأسناني، فستتدهور الحالة وتتطلب سلسلةً من جلسات علاج الجذور"، بدلًا من مجرد استبدال الحشوة. وقد كانت عيادات الأسنان وقتها مغلقةً بأمرٍ من حكومة الولاية، لكن كان مسموحًا بالإجراءات الطبية العاجلة والطارئة. فهل كان ينبغي لكوفال أن تختار تأجيل العلاج، وتخاطر بتدهوُر الحالة حتى تتطلب علاج الجذور، أو ما هو أسوأ من ذلك، أي خلع السن؟ أم كان عليها أن تذهب إلى عيادة طبيب الأسنان، وتخاطر بتعريض نفسها لعدوى مرض "كوفيد-19"؟ هذه الأسئلة هي جزءٌ من الحسابات التي أصبح المرضى يُجرونها حاليًّا مع انتشار الجائحة.

تسمح جميع الولايات الآن لعيادات طب الأسنان باستئناف الإجراءات الطبية غير الطارئة أو العاجلة (وقد بدأت ولاية نيويورك في ذلك يوم الأول من يونيو). ومع ذلك، يعرف أطباء الأسنان أنَّ العديد من المرضى ما زالوا خائفين من الذهاب إلى عياداتهم. وفي الواقع، فإنَّ كثيرًا من أطباء الأسنان ومتخصصي صحة الأسنان خائفون كذلك. يقول جرانت ريتشي، طبيب الأسنان الذي يملك عيادةً خاصة في مدينة تونجانوكسي بولاية كانساس الأمريكية: "إنَّها مهنةٌ عالية الخطورة. فأنت تدخل أفواه الناس، ولا يفصلك عن وجوههم سوى نصف متر تقريبًا. كما أنَّك تُنتِج هباءً جويًّا خلال عملك". هذا الهباء عبارة عن قطيراتٍ صغيرة تَعلَق في الهواء، وقد تحتوي على فيروس كورونا. ويمكن أن تنتُج تلك القطرات حين يستخدم أخصائي الأسنان الهواء المضغوط والماء في فم المريض. لذا يقول ريتشي إنَّه يتعامل مع المرضى وفقًا لمبدأ أنَّ "الجميع مصابون بالعدوى". فحتى قبل أن يُضطر إلى إغلاق عيادته، بدأ يتخذ احتياطاتٍ إضافية، كجعل المرضى ينتظرون في سياراتهم بدلًا من غرفة الانتظار بالعيادة، إلى جانب قياس درجات حرارتهم جميعًا، هذا على الرغم من أنَّ الحمَّى لا تصيب جميع مَن تنتقل إليهم عدوى الفيروس. وفور أن أعاد فتح عيادته، زاد صرامة تلك الإجراءات تدريجيًّا، فقلَّل عدد المرضى الذين يفحصهم عن العدد المعتاد، وباعد بين مواعيد الفحوصات، وزاد وتيرة تطهير الأسطح.

وعندما اتصلت كوفال أخيرًا بطبيبها لعلاج أسنانها، سألت عن بروتوكولات الأمان التي يُطبِّقها. وحين دخلت العيادة، رأت أنَّ الطاقم يتَّبِع الاحتياطات بعنايةٍ شديدة. وقالت عن ذلك: "لقد سُئِلتُ مرارًا عمَّا إذا كنتُ أشعر بالراحة. وكانوا يشرحون إجراءات الحماية في أثناء تطبيقها".

وبينما يتخذ أطباء الأسنان مزيدًا من الاحتياطات في الوقت الحالي، فإنَّ الكثير من هذه الإجراءات هو ببساطة مجرد امتدادٍ لإجراءاتهم الروتينية الطبيعية. يقول ماثيو ميسينا، مستشار شؤون المستهلكين والمتحدث باسم الجمعية الأمريكية لطب الأسنان: "كُنَّا في عيادات أطباء الأسنان نتَّبِع إجراءات حماية شاملة، مثل التطهير وارتداء معدات الوقاية الشخصية، قبل أن تُصبِح هذه الإجراءات رائجةً". وحين أَذِنَت ولاية أوهايو للأطباء باستئناف العمل، كان الحصول على معدَّات الوقاية الشخصية هو العائق الرئيسي أمام ميسينا لإعادة فتح عيادته، الواقعة في مدينة كولومبوس بتلك الولاية. ففي الأشهر الأخيرة، تبرَّع العديد من أطباء الأسنان بكثيرٍ من مخزونهم من معدات الوقاية، لتستخدمها الطواقم الطبية التي تُعالِج مرضى فيروس كورونا في الخطوط الأمامية.

ويقول ريتشي إنَّ الجمعية "تؤدي دورًا استثنائيًّا في ظل هذه الأوقات العصيبة"؛ إذ أصدرت إرشاداتٍ لإعادة فتح العيادات، وعقدت كثيرًا من جلسات الإحاطة لإطْلاع الأعضاء على آخر المستجدات بشأن الأبحاث الجديدة، بالإضافة إلى التوصيات الصادرة عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وكذلك تلك الصادرة عن منظمة الصحة العالمية.

ما زلنا نجهل الكثير حول كيفية انتقال عدوى فيروس كورونا الجديد. وتتجلى تلك التفاصيل المبهمة في ما يجري حاليًّا بعيادات أطباء الأسنان في أنحاء قارة أمريكا الشمالية. ففي مقاطعة أونتاريو الكندية مثلًا، ثار خلافٌ بين أطباء الأسنان ومتخصصي صحة الأسنان حول ضرورة ارتداء أقنعة "إن 95" N95، التي تتسم بقدرتها الكبيرة على الوقاية، وفقًا لهيئة الإذاعة الكندية. إذ يرى متخصصو صحة الأسنان أنَّ من الضروري ارتداء تلك الأقنعة عند تنفيذ أي إجراءٍ طبي قد يُنتِج هباءً جويًّا، في حين يؤكد أطباء الأسنان أنَّ الأقنعة الجراحية كافية.

كما أنَّ الجائحة نفسها تسبب مشكلاتٍ في الأسنان. فقد لاحظت ميشيل أوجيللو -طبيبة الأسنان في مدينة بافالو بولاية نيويورك- أنَّ هناك ارتفاعًا في عدد الأشخاص الذين يشكون من مشكلاتٍ مثل الصداع وآلام الفك منذ بدء الجائحة. وقد قالت عن ذلك: "في الصباح، يضطر المرضى فعليًّا إلى فتح أفواههم بالقوة، لإرخاء العضلات. أو يشعرون بأنَّ أسنانهم قد أحدثت أثرًا في جانب لسانهم"، وذلك نتيجة الضغط طوال الليل.

ولا يوجد علاجٌ واحد لآلام الفك يناسب الجميع؛ لأنَّها ربما تكون ناتجةً عن أسبابٍ كثيرة مختلفة. ولهذا تُجرِّب أوجيللو طرقًا مختلفة للعلاج، منها استخدام الأيبوبروفين والثلج، والتعامل مع الضغوطات والتوتر، وتمارين الفك، وتدليك عضلاته. كما أنَّ هناك واقيًا للأسنان يوضع داخل الفم في الليل، ويمكن لهذا الواقي أن يساعد في منع اصطكاك الأسنان وتشنُّج عضلات الفك. وفي بعض الأحيان، يتضح وجود مشكلةٍ أكثر خطورةً في مفصل الفك.

أمَّا عن تلك الحسابات التي يضطر المرضى إلى إجرائها قبل زيارة الطبيب، فقد مرَّت بتلك التجربة المُعلِّقة الصوتية ميليسا ليبيرت، التي تقيم في مدينة بيثيسدا بولاية ماريلاند الأمريكية. ذلك أنَّ الجائحة تسبَّبت في تأجيل عمليةٍ جراحية كان من المفترض أن تخضع لها لاستبدال مفصل الورك، وهي عمليةٌ كانت ستؤدي إلى تأجيل موعدها الروتيني لتنظيف الأسنان؛ فقد قيل لها إنَّها ستضطر إلى الانتظار ثلاثة أشهر على الأقل بعد الجراحة قبل زيارة طبيب الأسنان. وهذان الإجراءان من شأنهما زيادة خطر تعرُّضها للعدوى، أما إن أجَّلتهما فسيقل هذا الخطر. لذا قررت ليبيرت التعجيل بتنظيف أسنانها، بعد أن سمحت ولاية ماريلاند بإعادة فتح عيادات الأسنان في السابع من مايو. وقد قالت عن ذلك: "لقد كان ذلك مهمًّا، وليس كجلسات العناية بالأقدام وأظافرها مثلًا".

ويتفق ميسينا معها في ذلك، مضيفًا أنَّ "سلامة الفم هي جزءٌ أساسي من الصحة العامة للجسم". وأوضح قائلًا إنَّه خلال تلك الزيارات الروتينية، يفحص الأطباء أفواه المرضى بطبيعة الحال للتأكد من عدم وجود تسوسٍ في الأسنان أو مرضٍ في اللثة، لكنَّهم أيضًا يتحققون من عدم إصابتهم بسرطان الفم أو أي أمراضٍ أخرى. وتابع: "يزور معظم الناس طبيب الأسنان أكثر من زيارتهم لأطبائهم الآخرين". فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تراكُم الجير -تلك المادة التي يزيلها متخصصو صحة الأسنان عن أسنانك في أثناء تنظيفها- إلى التهاب اللثة، وهذا بدوره قد يؤدي إلى تفاقُم الأمراض الالتهابية، مثل مرض السكري، والتهاب المفاصل، وأمراض القلب والأوعية الدموية. وأضاف ميسينا: "يمكن لتنظيف أسنانك تقليل الحمل الالتهابي على الجسم".

ويتفهم ذلك ريتشي، الذي كتب سابقًا عن نقص الأدلة العلمية الحاسمة التي تدعم أهمية التنظيف الروتيني للأسنان كل ستة أشهر. وقال عن موقف المرضى في الظروف الحالية: "بعض المرضى غير مستعد. فهم إما قلقون بشأن صحتهم، أو يعتنون بقريبٍ مُسِن، أو خائفون من زيارة الطبيب. لذا يتصرفون بحذر ولا يودون المخاطرة ". ومن ثَمَّ، يعمل المسؤول عن تنظيم مواعيد عيادته باستمرار للتعامل مع مواعيد الفحوصات الكثيرة المُؤجَّلة، فيتصل بالمرضى الذين حلَّ موعد خضوعهم لجلسات تنظيف الأسنان. وإن أعربوا عن عدم رغبتهم في زيارة العيادة، ينقل مواعيدهم إلى نهاية القائمة، للاتصال بهم بعد شهرين. ويقول ريتشي إنَّ مَن يتمتعون بصحةٍ جيدة نسبيًّا يمكنهم بأمان تأجيل الموعد الروتيني لتنظيف أسنانهم. فإذا لم تكن مصابًا بمرضٍ في اللثة، وكان في أسنانك تسوسٌ بسيط، يمكنك تأجيل تنظيف الأسنان لمدةٍ تصل إلى ستة أشهر، دون أن يمثِّل ذلك خطرًا كبيرًا؛ لأنَّ معظم مشكلات الأسنان تتطور ببطء. لكن إذا كنتَ تُصاب بمشكلات في الأسنان على نحوٍ منتظم، أو لم تكن تتمتع بصحةٍ جيدة، فقد تتطور مشكلات أسنانك بسرعةٍ أكبر، وفق ما أوضح ريتشي. وربما يؤدي تأجيل زيارة الطبيب لمدةٍ تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر إلى تدهور حالتك، بحيث تحتاج إلى تركيب تاجٍ بدلًا من حشو أسنانك مثلًا، أو حتى علاج الجذور أو خلع الأسنان بدلًا من التاج.

وبخلاف الفحوصات الروتينية، ينبغي عليك الاتصال بطبيب الأسنان إذا شعَرتَ بأي ألمٍ أو أُصبتَ بتورمٍ أو نزيف. ويقول ميسينا عن ذلك: "يمكننا مساعدتك في تحديد ما إذا كانت حالتك طارئةً أم عاجلةً أم بسيطة"، مضيفًا أنَّ العديد من مرضاه أرسلوا إليه صورًا لمشكلات أسنانهم، وهو يُسمِّيها "صور سيلفي الأسنان".

وإذا لم يكن لديك طبيب أسنانٍ تتردد عليه، فما زال بإمكانك الحصول على المشورة والرعاية. ذلك أنَّ العديد من عيادات الأسنان تستقبل حالات الطوارئ، وتلك العيادات يمكن العثور عليها غالبًا من خلال البحث عبر الإنترنت.

أمَّا كوفال، التي أصلحت أسنانها في أثناء إغلاق ولاية نيويورك، فما زالت قلقةً وتُخطِّط لتأجيل الموعد الروتيني التالي لتنظيف أسنانها. فرغم أنَّ عدد حالات الإصابة بمرض "كوفيد-19" في نيويورك آخذٌ في الانخفاض، على عكس العديد من الولايات الأخرى، تقول إنَّها قلقةٌ من احتمالية حدوث زيادةٍ حادة في الأعداد. وتضيف: "في الوقت الحالي، سأنتظر وأرى ما سيحدث".