مع انتهاء فصل الشتاء وبداية فصل الربيع، يكثف المزارعون في مختلف أنحاء الولايات المتحدة نشاطهم من أجل موسم الزراعة، ويشمل هذا استئجار العمال وشراء المواد اللازمة وتلقِّي الطلبات. لكن الإجراءات الرامية إلى السيطرة على جائحة كوفيد-19 ربما تعرقل بعضًا من هذه الجهود، على حد قول الخبراء. تقول جيل فينسترا، نائب مدير البرنامج البحثي والتعليمي الخاص بالزراعة المستدامة بجامعة كاليفورنيا في دافيس، والتي تدرس النظم الغذائية وسلاسل الإمداد الغذائي: "الجميع يسعى جاهدًا لمعرفة ما يجب فعله. ثمة الكثير من الغموض".

ورغم أن مدى تأثير الضربة الموجهة لإنتاج الغذاء بالولايات المتحدة غير واضح -وسيتوقف على مدة استمرار الجائحة والإجراءات المكافحة لها- فمن المستبعد حدوث نقص واسع النطاق في الغذاء قريبًا، وفقًا لتصريحات العديد من الباحثين. تُعد الزراعة عملًا أساسيًّا في ظل أوامر "البقاء في المنزل" المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، إلا أن المزارعين عليهم الالتزام في الوقت ذاته بمقتضيات التباعُد الاجتماعي، وقد يتضاعف حجم معاناتهم بسبب القوانين وغيرها من التغيرات التي تطرأ على طول سلسلة الإمدادات الغذائية، مثل إغلاق المطاعم.

بعض الأنشطة يمكنها الاستمرار بسهولة دون انقطاع كبير. على سبيل المثال، يواصل الكثير من المزارعين الأمريكيين المنتجين للمحاصيل الأساسية -من ضمنها القمح والأرز- عملَهم باستخدام معدات آلية تحد بالفعل من التواصل بين البشر وتندرج تحت توجيهات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الرامية إلى الحد من انتشار فيروس كورونا. من الجدير بالذكر أن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية -وهو معهد غير هادف إلى الربح- أفاد في تقرير صدر في وقت سابق من هذا الشهر بأن كوفيد-19 لا يشكل حاليًّا تهديدات كبرى على الأمن الغذائي العالمي؛ نظرًا إلى أنه لا يزال هناك مخزون كافٍ من المحاصيل الأساسية.

بَيْدَ أن المحاصيل الأعلى قيمة والأكثر تخصصًا تواجه عددًا أكبر من المعوقات، كما يقول ويل مارتن، وهو زميل باحث أول بالمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية وأحد المشاركين في إعداد التقرير؛ فهذه الأغذية -مثل بعض الفواكه والمنتجات العضوية التي تنتجها المزارع الأصغر حجمًا- تتطلب بوجه عام المزيد من العمالة، وغالبًا ما يتم بيعها إلى المطاعم وأسواق المزارعين، التي أُغلق الكثير منها في الوقت الراهن أو التي خفضت خدماتها في جميع أنحاء البلاد، وليس إلى محلات البقالة التي لا تزال تعمل. وحتى إن تمكَّن هؤلاء المزارعون من مواصلة عملهم، فقد تكون لديهم أماكن محدودة لبيع بضائعهم. ويعلق مارتن قائلًا: "هذه مشكلة كبيرة". ومن المرجح أيضًا أن تعاني البضائع الأعلى قيمةً من ارتفاع حاد في الأسعار بسبب الاضطرابات الناجمة عن مرض كوفيد-19، وذلك مقارنةً بالمحاصيل الأساسية المهمة، وفقًا لما أوردته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

يشير مارتن إلى أن هذا الموقف يُعَد متوقعًا عند ظهور جائحة، مستشهدًا بتقرير صادر عن البنك الدولي عام 2006 يستعرض كيف أن الجهود الرامية إلى احتواء هذه الفاشيات -بما في ذلك إغلاق المطاعم وتعطيل المواصلات العامة وتوقف السياحة- عادًة ما تكبِّد الاقتصاد العالمي خسائر أكبر مما تسببه ساعات العمل الضائعة بسبب وقوع العمال فريسةً للأمراض. وقدر التقرير أن وقوع جائحة معاصرة مشابهة للإنفلونزا الإسبانية التي ظهرت عام 1918 من شأنه أن يُلحق خسارة بالناتج المحلي الإجمالي تُقدر بنسبة 0.9 بالمئة؛ بسبب وقوع العمال فريسةً للمرض، مقارنةً بخسارة نسبتها 1.9 بالمئة مرتبطة بالسياسات المفروضة لمكافحة العدوى. ويقول مارتن إن المزارعين المنتجين للمحاصيل عالية القيمة على وجه الخصوص يتأثرون تأثرًا بالغًا بتلك السياسات.

أحد نماذج هذا التأثر يتمثل في بساتين التفاح، التي تتطلب طواقم عمل كبيرة لزراعة الأشجار وتشذيبها؛ إذ يساعد تشذيب الأوراق على التخلص من الفروع المريضة، ويجعل أوراق الأشجار أكثر عرضةً لأشعة الشمس. إلا أن الكثير من مزارعي التفاح يعتمدون على عمّال موسميين يأتون من خارج البلاد لأداء هذه المهمات، والكثير من هؤلاء العمال يواجه صعوبات جمة في الحصول على تأشيرات الدخول؛ بسبب إغلاق السفارات والمكاتب الفيدرالية. من دون وجود قوة عاملة كافية، ربما يضطر المزارعون إلى ترك الأشجار بلا غرس والفروع بلا تشذيب، وهذا الإهمال قد يتسبب في وقوع خسائر في وقت لاحق من هذا الموسم وفي السنوات القادمة، كما تقول ديان كورلِ، التي تشغل منصب نائب أول لرئيس الجمعية الأمريكية لزراعة التفاح، وهي منظمة غير هادفة للربح، مقرها مدينة فولز تشرش بولاية فرجينيا، تتولى مسؤولية تمثيل المزارعين والعاملين الآخرين في قطاع زراعة التفاح.

الفراولة هي محصول آخر من المحتمل أن يتأثر، ولكن لأسباب مختلفة؛ فمزارعو الفراولة بكاليفورنيا لا يعتمدون بشدة على القوى العاملة من خارج الولايات المتحدة، غير أنه عادةً ما يتقارب العمال ويجتمعون على مسافة أقرب مما يُنصح به لمنع انتشار الفيروس. يقول مارك بولدا، مستشار زراعي ببرنامج الإرشاد التعاوني التابع لجامعة كاليفورنيا بمدينة واتسونفيل: إن المزارعين الذين تحدثت إليهم في المقاطعة المحيطة -حيث يُنتَج 40 بالمئة من الفراولة التي تباع طازجة في الولاية- بدأوا بالفعل وضع خطط لتوزيع العمال في صفوف والمباعدة بينهم.

غير أن ثمار الفراولة تصل إلى مرحلة النضج خلال مدة زمنية قصيرة جدًّا، تتراوح بين يومين وثلاثة أيام فقط، ويجب جمعها بسرعة، كما يقول بولدا، والمباعدة بين العمال بهذه الطريقة قد يبطئ من عملية جمع الثمار، مما قد يتسبب في ترك المزيد من الثمار في الحقول حتى تفسد. وهذا الوضع بدوره قد يزيد من إبطاء عملية الحصاد؛ لأن العمال يتوقفون من أجل إزالة الثمار القديمة، حتى لا ينتشر العفن في ثمار الفراولة الناضجة، وهذا التباطؤ من شأنه أن يقلل كمية الثمار التي يجمعها العمال في الساعة الواحدة ويتقاضون أجورهم نظيرها، وقد يضر هذا بأرباح المزارع، على حد قول بولدا. "فالبطء تكلفته باهظة".

في ولاية مين، مزارعو التوت البري الأزرق -ثاني أكثر محاصيل الولاية ربحية بعد البطاطس- المزروع في الجنبات المنخفضة، يستعدون حاليًّا للاستيراد السنوي لحوالي 50 ألف خلية نحل، تأتي في شاحنات مسطحة من مختلف أنحاء البلاد خلال موسم تكاثر العوالق النباتية في الربيع في أثناء شهري إبريل ومايو. تعتمد ثمار التوت البري بشكل كبير على النحل لنقل حبوب اللقاح؛ وذلك لأن أزهارها الدقيقة غير مهيأة جيدًا للتلقيح بواسطة الرياح. تجدر الإشارة إلى أن تعداد النحل المحلي ليس كبيرًا بالدرجة الكافية لدعم ما يقرب من 3800 فدان من حقول التوت البري في الولاية، ومن ثم يستأجر المزارعون خلايا النحل لزيادة محاصيلهم الزراعية، في ثاني أكبر حدث لعمليات التلقيح التجاري؛ إذ يأتي في المرتبة الثانية بعد عمليات التلقيح المخصصة لمحصول اللوز بكاليفورنيا، كما تقول ليلي كالدروود، أخصائية زراعة التوت البري الأزرق ببرنامج الإرشاد التعاوني التابع لجامعة مين.

إلا أن نقل خلايا النحل في شاحنات مسطحة يتطلب تدريبًا خاصًّا، كما يقول لينكون سينيت، وهو مربي نحل في ولاية مين، ويمتلك شركة متخصصة في إنتاج عسل النحل ويؤجر نحله لتلقيح أزهار التوت الأزرق. إذا أصيب سائقو الشاحنات بمرض كوفيد-19، فربما يعاني مربو النحل لإيجاد كوادر بديلة مؤهلة. إن زراعة التوت البري الأزرق دون خلايا النحل هذه قد تؤثر تأثيرًا بالغًا على محصول هذا العام من التوت الأزرق. تقول كالدروود: "سيكون الأمر سيئًا جدًّا"، مشيرةً إلى أن خلية النحل الواحدة بإمكانها زيادة المحاصيل بمقدار يصل إلى 1000 رطل.

نظرًا إلى أن مرض كوفيد-19 قد أدى إلى خسائر واسعة النطاق في الدخل، فربما يقل عدد المستهلكين القادرين على شراء منتجات متخصصة أو ذات قيمة عالية، بما في ذلك الخضراوات العضوية، كما تشير ميجان كونور، التي تعمل مهندسة مدنية وبيئية بجامعة إيلينوي في إربانا-تشامبين، وتقليص عدد عمليات الشراء هذه من شأنه أن يزيد الضغوط على المزارعين، لا سيما إذا كانوا يبيعون مباشرةً إلى المستهلكين بالأسواق بدلًا من البيع عبر محلات البقالة. وتوضح كونور قائلة: "هذا يشكل حدثًا بالغ الأهمية للنظم الغذائية؛ نظرًا إلى أنه حدث اجتماعي في الحقيقة. فلا توجد صدمات مناخية أو قصور في البنية التحتية أو عجز". لا تؤثر الكوارث الطبيعية عادةً إلا على منطقة معينة -على سبيل المثال، قد يتلف أحد الأعاصير المحاصيل المزروعة في فلوريدا- لكن فيروس كورونا له أثر أوسع انتشارًا بكثير على الصعيدين الاجتماعي والمؤسسي. وتعلق كونور: "إنها كارثة مختلفة بعض الشيء عن المعتاد"، مضيفةً أنه إذا وقعت المزيد من الكوارث البيئية في هذا الموسم -مثل الفيضانات النهرية الناجمة عن ذوبان الجليد وأمطار الربيع المتوقع سقوطها في وسط غرب الولايات المتحدة- فسيصبح هذا المجال أكثر عرضةً للخطر. تختم كونور حديثها قائلةً: "متى أمطرت قطاع الزراعة بوابل من المخاطر المتزامنة، فسيتراكم كل شيء ويتفاقم الوضع، مما يزيد من صعوبة الموسم".

Read more about the coronavirus outbreak here.