انقشعت أخيرًا سحابة الغموض المحيطة بقلب مجرتنا؛ ففي صباح الثاني عشر من مايو 2022، عقد الفلكيون القائمون على مشروع تلسكوب أفق الحدث (EHT) عدة مؤتمراتٍ صحفية في وقتٍ واحدٍ بمناطق مختلفة من العالم، أزاحوا فيها الستار عن الصورة الأولى للثقب الأسود فائق الكتلة "ساجيتارياس إيه ستار" Sagittarius A*، الذي يقع في مركز مجرتنا، هذه ليست الصورة الأولى التي يلتقطها هذا المشروع التعاوني لثقبٍ أسود، فقد سبقتها الصورة الشهيرة للثقب "إم 87 ستار" *M87، التي كُشِفَ عنها في العاشر من أبريل 2019، لكن هذه الصورة الجديدة هي ما كان فلكيو المشروع يرغبون فيه بشدة؛ فالثقب "ساجيتارياس إيه ستار" هو الثقب الأسود فائق الكتلة في مجرتنا، والنقطة الثابتة التي تدور حول المجرة.

لطالما اعتقد العلماء أنَّ وجود ثقبٍ أسود فائق الكتلة يتوارى عميقًا في قلب مجرتنا المضطرب هو التفسير الوحيد المحتمل للغرائب التي تقع في تلك المنطقة، كتسارُع النجوم العملاقة حول جسمٍ خفي في الفضاء هناك، بسرعةٍ تُقدَّر بنسبةٍ معتبرة من سرعة الضوء، لكنَّ العلماء كانوا مترددين في التصريح بهذه الفرضية؛ فعلى سبيل المثال، عندما تَقاسَم عالِما الفلك راينهارد جينزل وأندريا جيز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020، عن أبحاثهما المتعلقة بالثقب "ساجيتارياس إيه ستار"، نصَّ بيان تكريمها على أنَّهما نالا الجائزة لأنَّهما "اكتشفا جرمًا كثيفًا فائق الكتلة في مركز مجرتنا"، وليس لاكتشافهما "ثقبًا أسود"، لكن لم يعد هناك مجالٌ الآن لمثل هذا التحفُّظ.

ففي صباح الثاني عشر من مايو بنادي الصحافة الوطني في العاصمة الأمريكية واشنطن، كشفت فريال أوزيل -أستاذ الفلك والفيزياء في جامعة أريزونا، وعضو المجلس العلمي لمشروع "تلسكوب أفق الحدث"- عن صورة ثقب مجرتنا الأسود، التي تبدو عبارة عن حلقةٍ معتمة، تحيط بها ثلاث عقدٍ برَّاقة من غازٍ تبلغ حرارته تريليون درجة مئوية، وقالت أوزيل معلِّقةً على هذه الصورة: "لقد عرفتُ بوجود 'ساجيتارياس إيه ستار' قبل عشرين عامًا، وأحببته وحاولتُ أن أفهمه منذ ذلك الحين، لكنَّنا لم نكن نملك صورةً مباشرةً له حتى الآن".

تحبس الثقوب السوداء كل ما يقع داخلها، بما في ذلك الضوء، لذلك فهي خفيةٌ فعليًّا، لكنَّها تُغيِّر طبيعة الزمكان حولها بشدة، إلى درجة أنَّها تصبح ذات "ظل" عندما تضيئها التدفقات الوهَّاجة للمواد التي تقع داخلها وهي تتمزق تحت وطأة جاذبيتها، هذا الظل يكون أكبر بمرتين ونصف تقريبًا من "أفق الحدث" الخاص بالثقب الأسود، والذي هو عبارة عن الحد الخارجي للثقب وسمته المميزة، خط الزمكان الذي لا يمكن لما يعبره أن يعود منه مطلقًا.

يُصوِّر مشروع "تلسكوب أفق الحدث" هذا الظل باستخدام تقنية قياس التداخُل عبر المراصد الراديوية المتباعدة very long baseline interferometry، أو اختصارًا VLBI، وهي تقنية تجمع بين مراصد راديوية موجودة في قاراتٍ مختلفة، لتكوين تلسكوبٍ افتراضي بحجم الأرض، دقته هي الأعلى بين أدوات الرصد الفلكي كلها، وفي أبريل عام 2017، أمضى مشروع "تلسكوب أفق الحدث" التعاوني عدة ليالٍ وهو يوجه هذا التلسكوب الافتراضي نحو "ساجيتارياس إيه ستار"، ونحو ثقوبٍ سوداء أخرى فائقة الكتلة، وقد شهدنا بالفعل من قبل أولى النتائج النهائية لذلك الجهد، وهي صورة الثقب "إم 87 ستار"، وخلال تلك الجهود، جمع الفريق أيضًا البيانات الأولية الخاصة بصورة "ساجيتارياس إيه ستار"، غير أنَّ تحويل تلك الأرصاد إلى صورةٍ فعلية استغرق وقتًا أطول بكثير.

يرجع ذلك إلى التغيُّر الدائم الذي يعتري "ساجيتارياس إيه ستار"؛ فالثقب "إم 87 ستار" -الواقع في قلب مجرة "مسييه 87" Messier 87، أو اختصارًا M87- هو ثقبٌ ضخمٌ للغاية، حتى إنَّ المادة التي تدور حوله تستغرق ساعاتٍ عديدةً لتُكمل دورةً كاملة، وهو ما يعني -من الناحية العملية- أنَّ بإمكانك التحديق فيه مدةً طويلة دون أن يطرأ عليه أي تغيرٍ يُذكَر، أما "ساجيتارياس إيه ستار" فكتلته أقل منه بما يزيد على 1000 مرة، لذا فهو يتغير بمعدلٍ أسرع منه بألف مرةٍ تقريبًا، مع تزايُد سرعة حركة المادة حول الثقب وانكماش مداراتها، وفي هذا الصدد تقول كايتي بومان، عالِمة الحاسوب والفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، والتي شاركت في قيادة فريق التصوير ضمن مشروع "تلسكوب أفق الحدث": إنَّ المادة تدور حول "ساجيتارياس إيه ستار" بسرعةٍ كبيرة إلى درجة أنَّها تتغير "من دقيقةٍ إلى أخرى"، تخيَّل استخدام تقنية التصوير المتقطع لالتقاط صورةٍ فوتوغرافية لرصاصةٍ منطلقة بسرعة، هذا ليس بالأمر السهل، لذا فإنَّ استخلاص صورةٍ واضحةٍ للثقب "ساجيتارياس إيه ستار" من البيانات التي جُمِعَت خلال جولة الرصد عام 2017 تطلَّب عملًا استغرق عدة سنوات.

لكن كما أنَّ الطبيعة المتغيرة لهذا الثقب الأسود تُصعِّب رصده، فهي تجعله كذلك مختبرًا مثيرًا للدراسات المستقبلية على الثقوب السوداء ونظرية آينشتاين العامة للنسبية، وهي نظريته الخاصة بالجاذبية التي تحظى باهتمامٍ كبير، ومع أنَّ علماء الفلك كانوا يعرفون بالفعل القياسات الأساسية لثقب مجرتنا الأسود بدقةٍ عالية (كتلته، وقطره، والمسافة التي تفصله عن الأرض)، بفضل ما أمضوه من عقودٍ في دراسته مستخدمين جميع أنواع التلسكوبات، إلَّا أنَّهم الآن صار بإمكانهم أخيرًا أن يشاهدوه في أثناء تحوُّره، وهو يتغذى على تدفقات المادة المتوهجة البرَّاقة.

اختراق الحُجُب

بدأ العلماء يشتبهون في أنَّ هناك ثقبًا أسود يكمن في قلب مجرتنا في أوائل الستينيات، بعد وقتٍ قصير من اكتشاف الأنوية المجرية النشطة، والتي هي عبارة عن مناطق فائقة السطوع تقع في مراكز بعض المجرات التي تضيئها ثقوب سوداء نهمة فائقة الكتلة، لكن من منظورنا هنا على سطح الأرض، تعتبر الأنوية المجرية النشطة شيئًا عتيقًا، فنحن لا نراها إلَّا في مناطق الكون البعيدة عنَّا للغاية، أين ذهبت إذًا كل هذه الأنوية؟ في عام 1969، ذهب عالِم الفيزياء الفلكية الإنجليزي دونالد لِندن-بيل إلى أنَّ هذه الأنوية لم تذهب إلى أي مكان، وإنَّما هي الآن نائمة عقب وجباتها الدسمة، فكان يتوقع أنَّ هناك ثقوبًا سوداء خاملة فائقة الكتلة في كل مكانٍ حولنا في مراكز المجرات اللولبية، ومن ضمنها مجرتنا.

وفي عام 1974، استعان عالِما الفلك الأمريكيان بروس باليك وروبرت براون بتلسكوباتٍ راديوية تقع في منطقة جرين بانك بولاية فرجينيا الغربية، ووجَّهاها نحو مركز مجرة درب التبانة، ليكتشفا بقعةً معتمة اشتبها في كونها الثقب الأسود المركزي الخاص بمجرتنا، وجد العالِمان هذه البقعة في منطقةٍ من السماء تُسمَّى "ساجيتارياس إيه" Sagittarius A، وكان الإشعاع المنبعث من هذا المصدر الجديد يضيء السحب النيتروجينية المحيطة به، أو يثيرها، فاستعان براون بطريقة التسمية المتبعة في علم الفيزياء الذرية، والذي تُميَّز فيه الذرات المثارة بإضافة علامة "النجمة *" إليها، وأطلق على البقعة المكتشَفة حديثًا اسم "ساجيتارياس إيه ستار" Sagittarius A*.

ثم على مدار العقدين التاليين، ظل علماء الفلك الراديوي يحسِّنون تدريجيًّا من أرصادهم لهذا الجِرم، لكنَّ محاولاتهم كانت محدودةً لعدم توافُر التلسكوبات المناسبة، وبسبب بدائية التقنيات التي يستخدمونها نسبيًّا (كانت بدائيةً كأشرطة الكاسيت بالنسبة لنا الآن)، وأيضًا بسبب صعوبة رصد مركز المجرة نتيجة طبيعته.

يختفي "ساجيتارياس إيه ستار" خلف حجابٍ متعدد الطبقات، أُولاها التي تُعرف بالمستوى المجري، وهي عبارة عن غازاتٍ وغبار تمتد لمسافة 26 ألف سنة ضوئية، وتحجب الضوء المرئي، ومع أنَّ الموجات الراديوية تعبر المستوى المجري دون عائق، إلَّا أنَّها يصعب تمييزها حين تقابل الطبقة الثانية، المتمثلة في حاجز التشتيت، وهي بقعة مضطربة من الفضاء، تنحرف فيها الموجات الراديوية عن مسارها بفعل تغيُّرات الكثافة في الفضاء بين النجمي، أمَّا الطبقة الأخيرة التي تحجب "ساجيتارياس إيه ستار" فهي المادة الفانية المحيطة بالثقب الأسود نفسه، ومحاولة التحديق في الثقب الأسود عبر تلك الحواجز تشبه إلى حدٍّ ما تقشير البصل، وبما أنَّ الطبقات الخارجية المحيطة بالثقب الأسود تبعث ضوءًا ذا أطوالٍ موجية أكبر، فهذا يعني أنَّه لو أمكن استخدام تقنية قياس التداخل (VLBI) لرصد أشعة الضوء ذات الأطوال الموجية الأصغر، فسيصبح من الممكن التقاط صورٍ أقرب لأفق الحدث الخاص بالثقب الأسود، غير أنَّ تحقيق ذلك كان يمثل تحديًا تكنولوجيًّا كبيرًا.

في البداية، تمكَّن علماء الفلك الذين يستعينون بتقنياتٍ أخرى مع تقنية قياس التداخُل من تحقيق نجاحٍ أكبر، إذ ظلُّوا يجمعون أدلةً غير مباشرة على أنَّ بقعة "ساجيتارياس إيه ستار" هي في الواقع ثقبٌ أسود ثائرٌ فائق الكتلة؛ ففي الثمانينيات، بيَّن عالِم الفيزياء تشارلز تاونز وزملاؤه أنَّ سحب الغازات الواقعة في مركز المجرة كانت تتحرك على نحوٍ لن يمكن تفسيره إلا بفرض خضوعها لتأثير كتلةٍ ضخمة جاذبة خفية، ثم في التسعينيات بدأ جيز وجينزل على حدة في تتبُّع مدارات النجوم الزرقاء العملاقة في مركز المجرة، ورصد حركتها حول نقطةٍ محورية ثقيلة لكنَّها خفية.

في غضون ذلك، تحسَّن الوضع بالنسبة لعلماء الفلك الراديوي؛ فقد شهدت أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحالي بداية تشغيل جيلٍ جديد من التلسكوبات الراديوية عالية التردد، وهي تلسكوباتٌ لو عُزِّزَت بالكثير من المعدات المُصمَّمة خصوصًا فقد يمكنها المشاركة في عمليات الرصد بتقنية قياس التداخُل عند ترددات الموجات الميكروية التي يُعتقَد أنَّها تشع من حافة ظل "ساجيتارياس إيه ستار"، وفي الوقت ذاته، وبفضل الثورة الحاسوبية التي أدت إلى ظهور محركات الأقراص الصلبة والانتشار الواسع للهواتف الذكية، زادت كمية البيانات التي يُمكن لكل مرصد في شبكات التلسكوبات الراديوية أن يسجلها ويعالجها زيادةً هائلة.

وفي عام 2007، استفاد مشروعٌ صغير سابق لمشروع "تلسكوب أفق الحدث" من هذه التطورات؛ إذ استخدم ثلاثة تلسكوبات في هاواي وكاليفورنيا ونيو مكسيكو لاختراق الحجاب المحيط بالثقب "ساجيتارياس إيه ستار"، ومع أنَّ المشروع لم يحقق سوى تقدمٍ بسيط في التقاط صورةٍ للثقب الأسود، لكنَّه رصد "شيئًا" ما.

وقد كان العلماء يعلمون منذ مدة أنَّ الثقوب السوداء يفترض أن تكون لها ظلالٌ مرئية تحت ظروفٍ معينة؛ ففي عام 1973، توقَّع عالِم الفيزياء جيمس باردين أنَّ الصور الظلِّية للثقوب السوداء تظهر في حال وجِدت الثقوب أمام خلفيةٍ ساطعة، لكنَّ باردين رأى "أنَّه لا يبدو أنَّ هناك أملًا في رصد هذا التأثير"، ثم في عام 2000، بيَّن علماء الفيزياء الفلكية هينو فالكه وفولفيو ميليا وإريك أجول أنَّه لو توافر تلسكوبٌ راديوي بحجم الأرض يجمع الموجات الميكروية، فمن المفترض به أن يكون قادرًا على رصد ظل "ساجيتارياس إيه ستار"، الناتج عن وهج حلقة المواد المُتشظِّيَة المحيطة به.

وبعد خمس سنواتٍ تقريبًا من ذلك التاريخ، اتفق بضع عشراتٍ من علماء الفلك والفيزياء الفلكية، من العاملين بِجِد في هذا المبحث الغامض من مباحث علم الفلك، على تحقيق هدفٍ مُحدَّد: إنشاء تلسكوبٍ راديوي افتراضي بحجم كوكب الأرض، من أجل رصد ذلك الظل، وانعقد اللقاء الافتتاحي لهذا المشروع في يناير 2012، وبهذا وُلِدَ مشروع "تلسكوب أفق الحدث".

وعقب ذلك بخمس سنوات، بعد أن تطور المشروع ليصبح مشروعًا تعاونيًّا يشمل أكثر من 200 عالِم، وتُشارِك فيه ثمانية مراصد من جميع أنحاء العالم، أجرى الفريق أول محاولةٍ حقيقية لرصد ظل "ساجيتارياس إيه ستار"؛ فعلى مدار عشرة أيام من شهر أبريل عام 2017، ركَّزت تلسكوباتٌ في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وهاواي وأوروبا والقارة القطبية الجنوبية عدساتها جميعًا على مركز المجرة، وعلى ثقوبٍ سوداء أخرى، وجمعت بذلك ما قوامه 65 ساعةً من البيانات على 1024 قرصًا صلبًا، سعة كلٍّ منها ثمانية تيرابايت، ثم شُحِنَت هذه الأقراص إلى مستودعات بيانات ذات حواسيب فائقة في ماساتشوستس وألمانيا، للبحث فيها عن أي علاقات ارتباط، وبعد خمس سنواتٍ أخرى من تلك المحاولة، أثبت باحثو المشروع المغتبطون للعالم أجمع نجاح تجربتهم، وتعليقًا على هذا الإنجاز، قالت بومان صباح الثاني عشر من مايو عند الكشف عن الصورة: "كنا نعمل على هذا المشروع لوقتٍ طويل للغاية، لدرجة أنَّ المرء يضطر بين الحين والآخر إلى أن يقرص نفسه ليتأكد أنَّه ليس بحلم، هذا هو الثقب الأسود الكامن في مركز مجرتنا!".