خلال صيف عام 2017، تحولت مساحة كبيرة من الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا، المُفعَم طبيعيًّا بألوان تتباين بين درجات البرتقالي المتوهج، والأحمر وغيرهما من الألوان، إلى ألوان شاحبة.

تَسبَّب الارتفاع غير المعتاد في درجات حرارة المياه –الذي يُعزَى جزئيًّا إلى الاحترار العالمي– في طرد الشعاب المرجانية للطحالب التكافلية –التي تمدها بالغذاء وتمنحها ألوانها الزاهية– من أنسجتها. كانت تلك ثانية أكبر حادثة ابيضاض تصيب الحاجز منذ أعوام كثيرة. وقد ضربت حادثتا الابيضاض معًا ثلثي الحاجز.

والآن، ومع الاستعداد لبدء فصل الصيف لعام 2019 في أستراليا، يتوقع علماء الغلاف الجوي حدوث ظاهرة "إل نينو"، وهي ظاهرة متكررة الحدوث، تتسم بارتفاع درجات الحرارة في الجزء الاستوائي من المحيط الهادي. ويشكل هذا الارتفاع المحتمل لدرجات الحرارة تهديدًا آخر للحاجز المرجاني العظيم، وهو تهديد سيراقبه عالِم الأحياء البحرية تيري هيوز –أحد المناصرين البارزين لحماية الحاجز المرجاني– بحثًا عن مؤشرات تدل على تعرُّض الحاجز المرجاني للمزيد من الضرر، مع استمراره في الضغط من أجل حمايته.

يعتقد هيوز أن ثمة جهودًا لتخفيف الأضرار جديرة بالدراسة، مثل إعادة تشجير مستجمعات المياه التي تصرف المياه في الحاجز المرجاني؛ وذلك لمنع جريان المياه المحمَّلة بالملوِّثات. بَيْدَ أنه يعتقد في نهاية المطاف أن الحل لإنقاذ الشعاب المرجانية يكمن في التصدِّي لانبعاثات غازات الدفيئة التي تزيد من الاحترار العالمي.

Professor Terry Hughes. Credit: Arccoe Wikimedia

وقد أدت جهود هيوز إلى رفع الوعي بشأن مصير الحاجز المرجاني البالغ طوله 2300 كيلومتر –وهو الحاجز المرجاني الأكبر على الكوكب، والذي يُعَد موطنًا لآلاف الأنواع البحرية– إلى وضعه في مواجهة مع المصالح التجارية والسياسية. ففي الشهر الماضي، ترددت أنباء عن أن "مجلس البحوث الأسترالي" Australian Research Council (ARC) سيحجب تمويله عن المعهد المعني بالشعاب المرجانية الذي يديره هيوز بجامعة جيمس كوك في كوينزلاند، وهي خطوة استنكرها علماء المحيطات حول العالم. (قال مجلس البحوث الأسترالي والحكومة الأسترالية المحافظة الحالية إن القرار لم يُتخذ بدوافع سياسية، وذلك وفقًا لتقارير صحفية). وفي الأسبوع الماضي، مُنح هيوز جائزة "جون مادوكس" لتأييده للأدلة العلمية في مواجهة السلوك العدائي. التقت دورية "ساينتفك أمريكان" بهيوز في مؤتمر "فولينج والز" Falling Walls العلمي السنوي في برلين في وقت سابق من الشهر الجاري، وتحدثت معه حول مستقبل الحاجز المرجاني العظيم.

[فيما يلي نَص مُحَرر للمقابلة].

ماذا تتوقع للحاجز المرجاني العظيم في الأشهر المقبلة؟

تتوقع الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA وهيئة الأرصاد الجوية الأسترالية Australian Bureau of Meteorology معًا احتمالًا كبيرًا لتَشكُّل ظاهرة "إل نينو" في وقت لاحق من العام الجاري. وإذا حدث ذلك، فإن احتمال حدوث ابيضاض عندما تبلغ درجات حرارة مياه البحار ذروتها في موسم الصيف في شهر مارس المقبل سيكون مرتفعًا جدًّا، لكننا لن نتأكد من ذلك حتى حلول شهر يناير تقريبًا. فقد يحدث إعصار في الوقت المناسب ويتسبب في تبريد المياه رغم التوقعات طويلة الأمد. لكن علينا الحذر من تمنِّي حدوث هذا. ففي عام 2016، أُنقِذ الثلث الجنوبي من الحاجز المرجاني العظيم بواسطة إعصار ضعيف تَسبَّب في خفض درجة حرارة المياه بنحو درجتين إلى ثلاث درجات مئوية. غير أنه عند حدوث الإعصار ديبي في عام 2017، كان الابيضاض قد حدث بالفعل، وكانت العاصفة مصنفة من الدرجة الرابعة عندما ضربت الساحل، لذا فقد كانت ضارةً ومدمرةً للغاية بالفعل [للمرجان].

كيف ترصد حدث الابيضاض؟

المسوح الجوية، التي نقارنها ببيانات درجات الحرارة التي توفرها الأقمار الصناعية، تغطي نطاق الشعاب المرجانية. نستغرق سبعة أيام أو ثمانية لنَجُوبَ الحاجز المرجاني العظيم طولًا وعرضًا في طائرة صغيرة تحلق لما يصل إلى ثماني ساعات يوميًّا. يُعد ذلك مرهقًا جدًّا، إلا أنها الطريقة المُثلى للحصول على الصورة كاملة. ونتثبت من جميع [البيانات] على أرض الواقع تحت الماء [من خلال رحلات غطس]. وكل حدث ندرسه له جغرافيا مختلفة. أثَّر الحدث الذي وقع عام 2016 في الأساس على المنطقة الشمالية. أما خرائط ابيضاض عام 2017 فتُظهر أن الجزء الأكثر دفئًا في الشعاب المرجانية –أي الجزء الأشد ابيضاضًا- كان في المركز.

Dead coral. Credit: J.W. Alker Getty Images

هل ثمة منطقة من الحاجز المرجاني تشعر حيالها بالقلق الشديد؟

أسوأ كوابيسي هو ابيضاض الثلث السفلي [الجنوبي] من الحاجز المرجاني العظيم، وهو الجزء الذي نجا من الحادثتين الأخيرتين. كان الحظ الطيب وحده هو ما منع هذه المنطقة من التعرُّض للابيضاض في عامي 2016 و2017. تمتلك هذه الشعاب المرجانية أعدادًا مرتفعةً جدًّا من الشعاب المتفرعة التي تكون أكثر عرضةً للابيضاض. لذا فإن تعرضت لموجة من الحرارة في الصيف المقبل، أو أي موسم صيف قريب، سيؤدي ذلك إلى تعرُّض نسبة مرتفعة منها للفناء. سيعني ذلك أن جميع أجزاء الحاجز المرجاني سيُقضى عليه خلال بضعة أعوام.

كيف استجابت الحكومة الأسترالية لأحداث الابيضاض؟

تثير قصة الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا –عقب حدثي الابيضاض المتعاقبين وغير المسبوقين– الكثير من الجدل على الصعيد السياسي. قد تظنين أن الاستجابة المناسبة من قِبَل الحكومة هي إعلان إنها لن تمضي قدمًا -على سبيل المثال- في إنشاء أكبر منجم للفحم في العالم [مع محطة لشحن الفحم تقع بالقرب من الحاجز المرجاني]، أو أنها ستعزِّز أهدافها المتعلقة بالطاقة المتجددة. لكنَّ شيئًا من هذا لم يحدث. لقد خصصت الحكومة مبلغًا طائلًا من المال لدراسة حلول مختلفة، بعضها سخيف للغاية مثل وضع مراوح [تبريد تحت الماء]، أو واقيات شمسية طافية. وثمة حملة لحظر الماصات البلاستيكية. ولو أنك من المتشككين المتشائمين، فقد تقولين إن الأمر يتعلق أكثر بإعطاء انطباع بمساعدة الشعاب المرجانية، في حين أن المشكلة الجلية التي يتحاشاها الجميع لا تزال هي التغير المناخي. وقد خُصصت أموال أيضًا لتحسين جودة المياه. يشكل نزوح الرواسب والمواد الغذائية من الزراعة إلى الجزء الداخلي من الحاجز المرجاني العظيم مسألة مهمة، غير أن حجم التمويل الذي أُنفِق على هذا الأمر لا يقترب على الإطلاق من الحد الكافي لكي تتمكن الحكومة من بلوغ أهدافها. وبما أن أستراليا مسؤولة عن منطقة التراث العالمي للحاجز المرجاني العظيم، فينبغي عليها قيادة الجهود الدولية لخفض الانبعاثات، لا سيما عقب التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ IPCC. وقد وقَّعت حكومة الكومونولث الحالية ببلادنا رسميًّا على هدف تقليل درجات الحرارة بمقدار درجة ونصف درجة مئوية [للحد من الارتفاع العالمي في درجات الحرارة] ضمن اتفاقية باريس، غير أن انبعاثات أستراليا تتزايد في واقع الأمر.

كيف سيؤثر فقد التمويل القادم من مجلس البحوث الأسترالي على أبحاثك؟

يشكل ذلك نحو ربع تمويلنا، ولن يدخل حيز التنفيذ قبل عامين أو ثلاثة أعوام أخرى، لذا فإن لدينا وقتًا لنستمر بمستوى نشاطنا الحالي نفسه ونغير نموذج تمويلنا بنسب معقولة لتعويض هذه الخسارة. إنه ليس بالخبر السار بطبيعة الحال، لكننا سنستمر في إجراء أبحاثنا، خاصةً إذا رصدنا ابيضاضًا في العام القادم.

ما الذي يسيء الناس فهمه بشأن الحاجز المرجاني العظيم؟

لا يزال هناك نحو 10 مليارات من الشعاب المرجانية حية ومزدهرة. لقد مررنا للتو بأحد أحداث الانتقاء الطبيعي العسيرة للغاية؛ إذ أصيبت الأنواع الخاسرة -الأنواع التي تتعرض للضرر بسبب ارتفاع درجات الحرارة- بأضرار جسيمة. تغيَّر مزيج الأنواع، كما يتغير التركيب الجيني لتجمعات الشعاب المرجانية. وأعتقد أن هذه مجرد بداية لتحوُّل نأمل أن يجعل الحاجز المرجاني العظيم أقوى ليستطيع الصمود أمام الأحداث المستقبلية الحتمية. ستسوء الأمور بوجه عام قبل أن تتحسن. وإلى أن تستقر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ودرجات الحرارة، ستمر الشعاب المرجانية بمرحلة عصيبة. ولأن الشعاب المرجانية تتألف من مجموعات موزعة على نطاق واسع جغرافيًّا، فثمة ضوء في نهاية النفق –غير أن الأمر يتوقف كليًّا على ما إذا كنا سنستطيع تحقيق هدف خفض درجة الحرارة بمقدار الدرجة ونصف الدرجة المئوية أم لا.