لإقناع أحد مُحبي الشاي بالعدول عن رأيه، يحتاج الأمر فقط إلى أن تجعله يشتري إحدى ماكينات صناعة قهوة الإسبريسو. في دراسة جديدة، أشار فريق من العلماء في ألمانيا إلى أنهم تمكنوا من تصحيح أحد أوجه الخلل الشائعة في قلوب الفئران –وهو خلل مرتبط بالعمر– وذلك عبر إعطاء الفئران جرعات من الكافيين تكافئ أربعة إلى خمسة فناجين من القهوة يوميًّا بالنسبة للإنسان. وتصف الورقة البحثية –التي تُعَدُّ الإضافة الأحدث لمجموعة متنامية من الأبحاث التي تؤيد وجود فوائد صحية لاحتساء القهوة– كيف أن عمل الكافيين على المستوى الجزيئي يعزِّز -فيما يبدو- وظيفة خلايا القلب ويحمي هذه الخلايا من التلف.

لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه النتائج ستكون في نهاية المطاف ملائمةً بشكل ما فيما يتصل بالبشر، إلا أن يواخيم آلتشميد من جامعة هاينريش هاينه بمدينة دوسلدورف –وهو الذي قاد الدراسة مع زميلته يوديت هيندلر– يقول: ’’يتضح بجلاء أن تلك الفكرة القديمة القائلة بأنه ينبغي عليك تجنُّب شرب القهوة إذا كنت تعاني من مشكلات في القلب لم تعد فكرةً صحيحة‘‘.

وكانت أبحاث سابقة قد أشارت إلى نتائج بهذا القدر؛ فعلى سبيل المثال، توصَّل تقرير نُشر عام 2017 في دورية "أنيوال ريفيو أوف نيوتريشن" Annual Review of Nutrition –وهو تقرير حلَّل نتائج أكثر من مئة دراسة حول القهوة والكافيين– إلى أن القهوة ترتبط بانخفاض محتمل في مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وكذلك النوع 2 من داء السكري وعدة أنواع من السرطانات. أما الورقة البحثية الجديدة –والتي نُشرت في شهر يونيو في دورية "بلوس بايولوجي" PLOS Biology– فتحدد آلية خلوية محددة يُمكن لاحتساء القهوة أن يُحسِّن صحة القلب من خلالها.

تبنى الدراسة على أعمال سابقة، أثبت فيها العالِمان أن الكافيين يزيد من القدرات الوظيفية للخلايا التي تبطن الأوعية الدموية. ويؤدي العقار هذا الفعل عن طريق دخوله إلى الخلايا وتحفيزه للميتوكوندريا، تلك التركيبات الموجودة داخل الخلايا، والتي تحرق الأكسجين بتحويل الجلوكوز إلى طاقة. تقول هيندلر: ’’الميتوكوندريا هي محطات توليد الطاقة في الخلايا‘‘. وأحد الأشياء التي تعتمد عليها الميتوكوندريا كي تستمر في عملها هو بروتين يُعرف باسم P27. وكما اكتشف آلتشميد وهيندلر (وهو ما يصفانه في الورقة البحثية الحالية)، يُنتج الكافيين تأثيره السحري داخل الأنواع الرئيسية لخلايا القلب عن طريق زيادة كمية بروتين P27 في الميتوكوندريا الخاصة بهذه الخلايا.

بعد أن استحث الباحثون احتشاء عضلة القلب لدى الفئران في أثناء إجراء التجارب، بدا أن المخزون الإضافي من بروتين P27 في الخلايا المُزوَّدة بالكافيين قد حال دون موت الخلايا المتضررة في عضلة القلب. وتذكر الورقة البحثية أن بروتين P27 الخاص بالميتوكوندريا استحث أيضًا تكوين خلايا مسلحة بألياف قوية تساعد على الصمود في وجه القوى الميكانيكية، وعزَّز من إصلاح بطانات الأوعية الدموية والحجرات الداخلية للقلب. وللتأكد من أهمية هذا البروتين، أدخل العلماء تعديلات بالهندسة الوراثية على الفئران لإحداث نقص في بروتين P27 لديها، ووجد العلماء أن هذه الفئران تطورت لديها إعاقات في وظيفة الميتوكوندريا، وهذه الإعاقات لم تتحسن مع استخدام الكافيين.

ودرس الباحثون كذلك الدور المحتمل للكافيين في تصحيح أحد التأثيرات الشائعة للتقدم في السن لدى الفئران والبشر، ألا وهو القدرة التنفسية المنخفضة في الميتوكوندريا (في هذا السياق، يُشير مصطلح "التنفس" إلى سلسلة معقدة من الأحداث البيوكيميائية داخل هذه العضية).

لأغراض هذا الجزء من التجربة، تلقَّى عدد من الفئران –عمر الفأر الواحد منها 22 شهرًا– كميةً من الكافيين في مياه الشرب، بما يكافئ المعدل اليومي البالغ أربعة إلى خمسة فناجين من القهوة لدى البشر، وذلك لمدة 10 أيام. ووفق الدراسة، كان هذا كافيًا لزيادة التنفس الميتوكوندري لدى هذه الفئران وصولًا إلى المستويات المُشاهدة في الفئران التي يبلغ عمرها ستة أشهر. وقد أوضح التحليل أن الفئران الأكبر سنًّا بلغت لديها كمية بروتين P27 في الميتوكوندريا حوالي الضِّعف، وذلك بعد تناولها الكافيين لعشرة أيام.

وبالرغم من أن هذه النتائج الأخيرة حول الفوائد الصحية المحتملة لشرب القهوة لا تتضمن سوى دراسة واحدة أُجريت على الحيوانات، قد يشعر محبو الشاي بشكل جاد أنهم قد اختاروا الطرف الخطأ من المعادلة؛ فوفق الجمعية الوطنية للقهوة، يحتسي 64% من الأمريكيين في سن الثامنة عشرة فأكثر فنجانًا واحدًا من القهوة يوميًّا على الأقل، بمتوسط استهلاك يومي يبلغ 3.2 فناجين. وتحتوي ثلاثة أكواب من شاي الصباح التقليدي على أقل من 150 ملجم من الكافيين، مقارنةً بما يقرب من 500 ملجم في الكمية نفسها من القهوة المختمرة. ولذا قد يتساءل محبو الشاي عمّا إذا كانوا يفوِّتون على أنفسهم استغلال إحدى الفوائد الصحية المحتملة، وأن عليهم البدء في احتساء القهوة.

غير أن دونالد هِنسرود -المدير الطبي لبرنامج ’حياة صحية‘ التابع للمجموعة الطبية ’مايو كلينيك‘- يجيب عن هذا التساؤل قائلًا: ’’بالطبع لا؛ فنحن نحتاج إلى الاستمتاع بالحياة، وإذا كنت تستمتع بشرب الشاي، فاستمر في الاستمتاع به. إن كل هذه الأشياء مفيدة؛ فهناك فوائد صحية للقهوة والشاي الأسود والشاي الأخضر‘‘. إلا أن هِنسرود يشير إلى أن هناك بعض المشكلات المرتبطة بالجرعات الكبيرة من الكافيين؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لكمية الكافيين الموجودة في أكثر من فنجانين من القهوة يوميًّا أن تتداخل مع الحمل وأن تزيد من احتمال التعرض للإجهاض. ويضيف هِنسرود أنه نظرًا إلى أن معدل استقلاب الكافيين يختلف من شخص إلى آخر، فإن أولئك الذين يعانون من انخفاض معدل الاستقلاب ربما يكونون أكثر عرضةً لآثار جانبية مثل حرقان فم المعدة، والأرق، وخفقان القلب، وحدة الطبع.

وتقول هيندلر، التي تحتسي ستة فناجين من القهوة يوميًّا، إن القهوة يمكن أن تكون جزءًا من أحد أنماط الحياة الصحية، ولكنها ليست معجزة علاجية. وتسارع هيندلر إلى الإشارة إلى أنه لا توجد طرق مختصرة للوصول إلى صحة جيدة، وتضيف: ’’إذا سمعت عن هذه الدراسة فقررت أن تشرب القهوة دون أن تفعل أي شيء آخر –كأن تمارس الرياضة أو تتبع نظامًا غذائيًّا ملائمًا– فهذا بالطبع لن يكون نافعًا. لا يُفترض  بك أن تقرر ببساطة وتقول لنفسك: حسنًا، سأجلس هنا وأشرب أربعة، أو خمسة، أو ستة فناجين من القهوة وسيكون كل شيء على ما يرام‘‘.