ترتبط وسائل التواصل الاجتماعي بالاكتئاب؛ أم لعل هذا غير صحيح؟

ألعاب الفيديو التي تتضمن القنص بالبندقية من منظور اللاعب نفسه مفيدة للإدراك؛ أم أنها تشجّع على العنف؟

الشباب اليافعون إما أكثر اتصالًا ببعضهم وإما أكثر عزلة عن بعضهم من أي وقتٍ مضى.

تلك هي الرسائل المتضاربة بخصوص آثار التكنولوجيا على رفاهة الأطفال، تتلقى الاكتشافات السلبية قدرًا كبيرًا من الاهتمام وتثير الذعر بين الآباء والمعلمين، وتعكس هذه الحالة جدلًا محتدمًا بين العلماء. فالدراسات التي تشير إلى وجود آثار سلبية ذات أهمية إحصائية تتبعها دراسات أخرى توضح وجود تأثيرات إيجابية أو لا تُظهر وجود أي تأثيرات على الإطلاق، وأحيانًا يحدث ذلك باستخدام نفس مجموعات البيانات.

ونُشرت دراسة حديثة أجراها علماء في جامعة أكسفورد هذا الأسبوع في دورية Nature Human Behaviour من المأمول أن تساعد على إزالة الحيرة، كشفت عيوب الطرق الإحصائية التي يستخدمها العلماء وقدَّمت بديلًا أكثر دقة وصرامة، والأمر المهم أنها تستخدم بيانات تخص أكثر من 350 ألف مراهق كي تبين على نحو مقنع أنه -على مستوى عدد السكان- فإن استخدام التكنولوجيا له تأثير لا يكاد يُذكر على الصحة النفسية للمراهقين، جرى قياسه من خلال مجموعة من الأسئلة التي تتناول أعراض الاكتئاب، والأفكار الانتحارية، والسلوك الاجتماعي الإيجابي، ومشكلات العلاقات بين الأقران، وما شابه.

إن استخدام التكنولوجيا يُبعِد المرء عن الشعور بالسلامة العاطفية بدرجة تقل عن نصف بالمئة، ولكي نفهم ذلك في سياقه الصحيح، فإن تناول البطاطس يرتبط بنفس درجة التأثير تقريبًا، كما أن ارتداء النظارات الطبية له تأثير سلبي أكبر على الصحة النفسية للمراهقين.

تقول كانديس أودجرز، وهي عالمة نفس تدرس صحة المراهقين والتكنولوجيا في جامعة كاليفورنيا في إيرفين، ولم تكن مشاركة في الدراسة: "هذه الدراسة مهمة للغاية"، وتضيف: "تقدم الدراسة مجموعة متطوِّرة من التحليلات، وتُعد من بين أكثر التفسيرات شمولًا ودقة للعلاقات بين التقنيات الرقمية والرفاهة حتى الآن". وتقدم الدراسة رسالة واضحة للغاية، مفادها أن حجم الارتباط الموثق من خلال الدراسات المذكورة ليس كافيًا أو قابلًا للقياس بما يكفي لتبرير المعدّلات الحالية من الذعر والفزع بشأن هذه المسألة.

إن أغلب الأدلة التي تشير إلى أن التقنيات الرقمية تؤثر سلبًا على السلامة النفسية للشباب حتى الآن مصدرها تحليل مجموعات البيانات الكبيرة المتاحة للجمهور، وهذه البيانات لا شكّ موارد ذات قيمة كبيرة، ولكنها عُرضة لتحيّز الباحثين، كما يقول أندرو بربيلسكي -عالم النفس التجريبي بجامعة أكسفورد- وتلميذته طالبة الدراسات العليا، إيمي أوربن، اللذان شاركا في الدراسة.

ولإثبات وجهة نظرهما، وجد الباحثان أكثر من 600 مليون طريقة ممكنة لتحليل البيانات التي تحتويها مجموعات البيانات الثلاث في دراستهما، وكتبا يقولان: "مع الأسف، كثرة عدد المشاركين في هذه التصاميم يعني أن التأثيرات المحدودة تكون قابلة للنشر بسهولة، وإذا كانت إيجابية، فإنها تجذب اهتمامًا بالغًا من الصحافة والسياسة".

يهدف هذا النوع من الأبحاث إلى تعديل الوضع الراهن، يقول بربيلسكي: "إننا نحاول الانتقال من طريقة التفكير الانتقائية التي تعتمد على اختيار نتيجة واحدة مرغوبة فقط، إلى صورة أكثر شمولية لمجموعة البيانات"، ويضيف: "ويتمثل جزء أساسي من تلك العملية في القدرة على وضع هذه التأثيرات الضئيلة للغاية للشاشات على الشباب في سياق العالم الواقعي".

إن السياق يُطلعنا على الكثير، ففي حين وجدت الدراسة المذكورة أعلاه أن استخدام التكنولوجيا الرقمية مرتبط بنسبة تبلغ 0.4 بالمئة فقط من التباين الذي يعرقل رفاهة المراهقين، كان للتأثيرات الناتجة عن تدخين الماريجوانا والتنمر ارتباطات سلبية أكبر بكثير بالصحة النفسية (بلغت 2,7 و 4,3 على التوالي في إحدى مجموعات البيانات)، وكانت بعض السلوكيات الإيجابية، مثل الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم وتناول وجبة الإفطار بانتظام مرتبطة بالرفاهة على نحو أكبر بكثير من متوسط ​​تأثير استخدام التكنولوجيا.

ومن المدهش أن إحدى مجموعات البيانات التي استخدمها بربيلسكي وأوربن كانت دراسة "رصد المستقبل"، وهي دراسة مستمرة يجريها باحثون في جامعة ميشجن تتعقب تعاطي المخدرات بين الشباب، واعتمدت أيضًا عالمة النفس جين توينجي على البيانات المأخوذة من دراسة "رصد المستقبل" في كتابها ومقالها المثيرَين للقلق اللذين نُشرا عام 2017 وزعمت فيهما أن الهواتف الذكية قد دمَّرت جيلًا من المراهقين، وعندما تُوضع نفس الإحصاءات التي استخدمتها توينجي ضمن السياق الأكبر الذي استخدمه بربيلسكي وأوربن، يتضح أن تأثير استخدام الهاتف على الصحة النفسية للمراهقين ضئيل للغاية.

يُسمَّى المنهج الذي استخدمه باحثو أكسفورد في تحليلهم "تحليل منحنى المواصفات" Specification Curve Analysis (SCA)، وهو عبارة عن أداة تدرس النطاق الكامل للارتباطات الممكنة وترسم خريطة لـ"مجموع القرارات التحليلية التي يمكن اتخاذها عند تحليل البيانات الكمية"، فبدلًا من عرض بعض النتائج فحسب، يعرض الباحثون الذين يستخدمون "تحليل منحنى المواصفات" SCA جميع النتائج. يمثل ذلك المعادل الإحصائي للانشغال بالتفاصيل عن رؤية الصورة الكاملة، يقول بربيلسكي: "الأمر يتعلق بوضع معيار، ويجب أن يكون هذا النوع من استكشاف البيانات منهجيًا".

كل ذلك لا يعني أنه لا يوجد أي خطر على الإطلاق من استخدام التكنولوجيا الرقمية، ففي دراسة سابقة، أوضح بربيلسكي وزميلته نيتا فاينشتاين وجود ما يسمى بتأثير "جولديلوكس"، الذي أظهر أن الاستخدام المعتدل للتكنولوجيا -نحو ساعة إلى ساعتين يوميًا خلال أيام الأسبوع وأكثر قليلًا في أثناء عطلة نهاية الأسبوع- "ليس مُضرًا في حد ذاته"، ولكن مستويات أعلى من الاستخدام قد تكون مضرة.

وفي دراسة منشورة عام 2015، استعرضت أودجرز وأحد زملائها الأبحاث العلمية التي تناولت أكثر الأمور التي تثير مخاوف الآباء بشأن التكنولوجيا، واكتشف الباحثان أمرين مهمين: أولًا، أن معظم ما يحدث على شبكة الإنترنت تنعكس آثاره بعيدًا عن الشبكة، وثانيًا، أن التأثيرات تعتمد حقًا على المستخدم ذاته، فبعضهم يجني الفوائد بينما تتفاقم المخاطر لدى بعضهم الآخر، مثل الأطفال الذين يعانون بالفعل من مشكلات في الصحة النفسية.

تقول أودجرز: "إننا جميعًا ننظر في الاتجاه الخطأ، فالتهديد الحقيقي لا يتمثل في الهواتف الذكية، بل في حملة المعلومات المضللة وبث حالة من الخوف بين الآباء والمعلمين".