كشفت الشركة الدولية المصنِّعة للطائرات «إيرباص» Airbus مؤخرًا النقاب عن نموذجٍ لطائرة مُسَيَّرة جديدة تُدعى «الطائرة المسيرة الاختبارية ذات البصمة الرادارية المنخفضة» Low Observable UAV Testbed (LOUT)، التي تضم العديد من تكنولوجيات التخفي غير المُفصَح عنها. وقادت التلميحات الواردة في وصف الطائرة بعض خبراء الطيران إلى التخمين بأن واحدةً من قدرات الإفلات من الرادار للطائرة المسيَّرة الجديدة قد تأتي من غياب أسطح التوجيه التقليدية المتحركة عنها.

على مدار القرن الماضي، اعتمدت آليات التوجيه في الطائرات على الأسطح المفصلية، مثل الجنيحات ودفاف التوجيه. ويؤدي تغيير مواضع هذه الأسطح إلى تغيير شكل الأجنحة أو الذيل، بما يغير من تدفُّق الهواء المحيط، ومن ثم ضغط الهواء. وهذا التعديل يدفع الطائرة إلى المناورة بطرق متوقعة. غير أن أسطح التوجيه التقليدية تتطلب لحامات معدنية خارجية تستطيع الرادارات رصدها بسهولة نسبية. أما الطائرة عديمة اللحامات فمن شأنها أن تتسم بقدرة أكبر على التخفي وتقدم أداءً أعلى. ويمكنها أيضًا أن تتميز بقلة الوزن والحجم والتعقيد والتكلفة، مقارنةً بالطائرات التي تستخدم طرق التوجيه التقليدية.

وقد رفضت شركة إيرباص التعليق على ما إذا كانت الطائرة المسيَّرة الجديدة تحوي منظومة توجيه كهذه، غير أن السعي نحو بناء طائرة تخلو من أسطح التوجيه المتحركة آخذٌ في التسارع بالتأكيد، فبرنامج «توجيه الطائرات الثورية باستخدام أجهزة توجيه جديدة» أو المعروف اختصارًا بـ«كرين» CRANE –المُنشأ حديثًا والتابع لوكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) التابعة للحكومة الأمريكية– قد طلب من المبتكرين في أغسطس الماضي تصميم وبناء طائرة يمكن المناورة بها دون أسطح متحركة، وإنتاج هذه الطائرة الصالحة للتشغيل بالحجم الطبيعي بحلول عام 2024.

التحكم النشط في التدفق

مثل هذه الطائرة من المرجح توجيهها بطريقة تسمى التحكم النشط في التدفق، التي دعت وكالة داربا إليها في إعلانها. فبدلًا من تغيير تدفُّق الهواء حول الطائرة بواسطة أسطح مفصلية متحركة، يغير التحكم النشط من تدفق الهواء بطرق أخرى. إحدى هذه الطرق، على سبيل المثال، هي دفع الهواء المُستخلص من محرك نفاث عبر فتحات يتراوح قطرها بين ملليمتر واحد وأربعة ملليمترات في أجزاء بعينها من سطح الطائرة. وتتمثل طريقة أخرى في استخدام مصفوفات من الأقطاب الكهربائية من أجل تفريغ شحنات كهربائية تسخن الهواء المحيط بالطائرة بسرعة، ما يجعله يتمدد، ومن ثم تغير من تدفُّق الهواء حراريًّا. وهذه التخلخلات في أماكن دقيقة من جسم الطائرة تغير قوتي الرفع والسحب في مواضع معينة، بحيث تبدأ حركة الانحدار (رفع مقدمة الطائرة أو خفضها)، أو التقلُّب (رفع الجناح أو خفضه)، أو الانعراج (تحريك المقدمة إلى اليمين أو اليسار).

تعود الأبحاث النظرية المعنية بالتحكم النشط في التدفق إلى بدايات القرن العشرين، غير أن الاهتمام به زاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد جاءت بعض أهم الأعمال المبكرة من قسم الهندسة بشركة «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، المعروف باسم «سكونك ووركس» Skunk Works، وذلك وفقًا لدانيال ميلر، الباحث الخبير في منظومات المركبات الطائرة وعلومها بذلك القسم. (تقدم قسم «سكونك ووركس» بأكثر من 50 براءة اختراع تخص التحكُّم النشط في التدفق، كما أدخلت لوكهيد مارتن سماتٍ محدودةً للتحكم النشط في التدفق في طائراتها من طراز إس آر-71 بلاك بيرد SR-71 Blackbird وإف-104 ستارفايتر F-104 Starfighter).

لكن رغم هذا التاريخ، فإن تقنية التحكم النشط في التدفق لم تنتشر؛ لأن التلاعب بتدفق الهواء حول الطائرة يتطلب الكثير من الطاقة. وعن هذا يقول ميلر: "لا يمكنك ببساطة دمج منظومة تحكُّم نشط في غالبية الطائرات إن كانت تلك المنظومة تستهلك 10 بالمئة [من طاقة الطائرة المتاحة]".

ومع هذا، فقد تعلم الباحثون منذ خمسينيات القرن الماضي كيفية التلاعُب بتدفُّق الهواء عن طريق تحديد المواضع التي ستؤدي فيها دفقة هواء أو نبضة كهربائية إلى إحداث التأثير الأكبر، ومن الممكن تشبيه هذه العملية بإطلاق رصاصة على الهدف بدلًا من تدمير المنطقة كلها بقنبلة. ونظرًا إلى أن تقنيات التحكم النشط في التدفق أكثر دقةً وتحديدًا، فإنها تتطلب قدرًا أقل بكثير من طاقة الطائرة. وعن هذا يقول ميلر: "أما وقد صارت النسبة واحدًا بالمئة [من طاقة الطائرة]، تبدأ الأمور في الاستقرار في نصابها".

خطة الإطلاق من داربا

أجرى الباحثون في القطاعين التجاري والأكاديمي بالفعل عدة عروض مستقلة لتكنولوجيا التحكم النشط في التدفق، سواء في أنفاق الرياح أو في أثناء الطيران الفعلي. وعبر السنوات الخمس الماضية عكفت وكالة داربا على دراسة هذه الاختبارات، وذلك وفق ما يخبرنا به ألكسندر والان، أحد مديري البرامج بالوكالة. ففي عام 2015، أجرت وكالة ناسا وشركة «بوينج» Boeing اختبارات مشتركة على منظومة محدودة في ذيل طائرة من طراز 757. وفي عام 2018، قامت طائرة مسيَّرة صغيرة عديمة الذيل تُعرَف باسم «جهاز التوجيه المبتكر» (ICE) –وهي من تطوير تحالُف مكون من لوكهيد مارتن والقوات الجوية الأمريكية ومعهد إلينوي للتكنولوجيا– برحلة طيران تجريبية ضمن أحد المشاريع البحثية التابعة لحلف الناتو. وقد نفذ البرنامج التابع لحلف الناتو رحلةَ طيران مشابهةً في عام 2019، قامت بها طائرة ذاتية القيادة تُدعى «ماجما» MAGMA، من تطوير شركة «بي إيه إي سيستمز» BAE Systems، وجامعة مانشستر بإنجلترا.

هذه النجاحات محدودة النطاق أقنعت وكالة داربا بأن الوقت قد حان لاختبار طائرة تجريبية باستخدام تقنية التحكم النشط في التدفق. وعن هذا يقول والان: "في خضم عمليات وضع النماذج والمحاكاة، وتجارب المكونات وتجارب الطيران، شعرنا بأن التكنولوجيا صارت ناضجةً بما يكفي ليكون من المُجدي تنفيذ برنامج لطائرة بالحجم الطبيعي".

سيتم تنفيذ برنامج كرين على أربع مراحل: تتمثل المرحلة الأولى -الجارية حاليًّا- في توجيه الدعوة لتلقِّي المقترحات. وقد تم بالفعل تقديم التصميمات من جانب مجموعة متنوعة من الفرق الأكاديمية والصناعية (من بينها قسم سكونك ووركس في شركة لوكهيد مارتن). هذه المخططات تخضع للسرية التامة، ما يجعل من الصعب تخمين ما ستبدو عليه الطائرة التجريبية الجديدة. ويوضح والان قائلًا: "لم أرغب في تعلُّق الناس بمفهوم أو صورة في وقت مبكر عن اللازم". ويضيف أن الطائرة التجريبية ربما تكون مزودةً بطيار أو مسيَّرة بدون طيار، كما قد تكون عديمة الذيل أو ذات مظهر تقليدي. بل من الممكن أن تُستخدم تقنية التحكُّم النشط في التدفق بالترافق مع أسطح التوجيه المتحركة التقليدية. ويضيف والان: "إذا أراد شخصٌ ما أن يصمم [طائرة مقاتلة غير مزودة بطاقم] تطير بسرعات ماخ أعلى، فربما سيتعين عليه استخدام الأسطح التقليدية في عمليتي الإقلاع والهبوط، في حين يمكن لتقنية التحكم النشط في التدفق تحسين المناورة في أثناء الطيران".

كما يُذكَر أن التحدي الأكبر سوف يتمثل في تضمين منظومة تحكُّم نشط في التدفق داخل جسم طائرة بالحجم الطبيعي. غير أن المتقدمين إلى البرنامج، ومن بينهم فريق سكونك ووركس، متفائلون. ويقول ميلر: "النتيجة التي خلصنا إليها هي أن الأمر يبدو قابلًا للتحقيق. وأظن أننا اقتربنا من وضع كل هذه التكنولوجيات الخاصة بمكونات الطائرة معًا ومحاولة إجراء تجربة طيران فعلية".