منذ البداية الحديثة للألعاب الأولمبية في عام 1896، لم يكن للمنافسات الرياضية الدولية مسابقتان صيفيتان متشابهتان، وضمن قائمة طويلة من الغرائب، هناك ماراثون سانت لويس سيئ السمعة الذي أُقيم عام 1904، إذ تمكن أقل من نصف أولئك الذين بدأوا الماراثون من إنهاء السباق، كذلك مباراة كرة الماء التي أُقيمَت عام 1956 بين منتخبي المجر والاتحاد السوفيتي بعد أسابيع من الغزو السوفيتي، والتي أُطلِق عليها مباراة "دماء في الماءفضلًا عن ظهورين للتزلج الفني على الجليد في الألعاب الصيفية، في عامي 1908 و1920، وعلى هذا النحو، فمن المألوف أن تُقاطع بعض الدول الألعاب الأولمبية أو تُحرَم من المشاركة فيها، ولكن على مدار تاريخها البالغ 125 عامًا، ظل المشجعون حاضرين دائمًا، حتى بدأت فعاليات أولمبياد طوكيو المنعقدة هذا العام.

كما هو الحال مع الكثير من الأمور الأخرى، فقد غيَّرَت جائحة «كوفيد-19» كل شيء، فاتخذ رئيس الوزراء الياباني قرارًا بحظر حضور المتفرجين، حتى أفراد أسر المشاركين، وصدر مرسوم بإعلان حالة الطوارئ في طوكيو في وقت سابق من شهر يوليو، استجابةً لارتفاع أعداد حالات «كوفيد-19» وانتشار المُتَحَوِّر «دلتا»، وكانت الخطة السابقة أن تستقبل أماكن إقامة المنافسات 50 بالمئة فقط من سعتها من المتفرجين المحليين.

ومن منظور اختصاصيي علم النفس الرياضي، تعتبر الألعاب الأولمبية من دون مشجعين تجربةً علميةً واقعيةً تساعد الباحثين والأطباء على فصل التأثير الحقيقي لحشدٍ من المشجعين على لاعبيهم وعلى المتفرجين في المنزل، قد تُمَثِّل الظروف الغريبة التي تُقام في ظلها الألعاب ضغوطًا غير متوقعة على بعض الرياضيين؛ فقد انسحبت يوم الثلاثاء نجمة الجمباز العالمية سيمون بايلز من فعالية فريق السيدات، وقالت لزملائها في الفريق وكذلك المراسلين إنها ليست في "حالة نفسية" مناسبة للمنافسة، وقالت بايلز لصحيفة واشنطن بوست: "لقد كانت هذه الألعاب الأولمبية مليئة بالضغوط حقًّا"، واستطردت قائلةً: "بشكل عام، عدم وجود جمهور، كما أن هناك الكثير من المتغيرات المختلفة التي تتدخل في هذا الأمر"، وفي وقت لاحق، قررت بايلز أيضًا عدم المشاركة في الفعاليات العامة الفردية. 

وقد ينتشر ما أعلنته بايلز من معاناة بين الرياضيين الأولمبيين هذا العام، تقول لويز بيرن، مُمارِسة علم النفس المختص بالرياضة والتمارين الرياضية في شركة «أوبتيميز بوتينشال» Optimise Potential، وهي شركة استشارية في علم النفس الرياضي في المملكة المتحدة: "أينما كانت المنافسة سواءٌ في الملاعب أو الساحات، يشعر اللاعبون بهذه الريبة؛ فهم يواجهون موقفًا لم يشهدوه من قبل"، وتضيف قائلةً: إن جزءًا من الإشكال كان سببه فجائية القرار بعدم السماح بحضور المتفرجين، قبل أسابيع من بدء الأولمبياد.

تحمل الألعاب الأولمبية الصيفية 2020 -حتى الاسم المُحَرّف للتَّوقيت يُبرز غرابة الحدث- أوجه تشابه واختلاف مع أحداث رياضية كبرى أخرى اضطر القائمون عليها إلى ابتداع حلول مبتكرة لتنظيم مسابقات من دون حضور المتفرجين؛ فقد استكمل كلٌّ من الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الإسباني بث المباريات مصحوبةً بضجيج جماهير من لعبة فيديو كرة القدم فيفا 2020، ممزوجًا بصوت المباراة في الوقت الفعلي، وقد بدأ فريق بيسبول تايواني وكذلك فريق كرة قدم ألماني في ملء المدرجات بصور للمشجعين بالحجم الطبيعي على ورق مقوى، واشتهرت هذه الصيحة على نحوٍ دولي، لا سيَّما في لعبة البيسبول وكرة السلة الأمريكية.

لقد أكَّدَت الجائحة أهمية جمهور المشاهدين للثقافة الرياضية، ويوضح ذلك سبب أن الطرق التعويضية التي تبنتها الاتحادات الرياضية لحل مشكلة غياب المشجعين قوبلت بدرجات متفاوتة من النجاح، وذلك وفق ما قاله دانيال وان، أستاذ علم النفس في جامعة ولاية موراي في ولاية كنتاكي، والذي يدرس علم النفس الرياضي وسلوك المشجعين، ويضيف قائلًا: "الأمر ليس كما لو أن الرابطة الوطنية لكرة السلة (NBA) لديها لجنة مُصَممة لمعرفة كيفية استحداث مشجعين في حال عدم وجودهم"، واستكمل قائلًا: "لقد كانوا يخترعون أشياء وهم في قلب الحدث ويؤدون عملًا جيدًا قدر استطاعتهم، لكن لم يكن أيٌّ منها حقيقيًّا بالنسبة للمشجعين العاديين أو المحترفين".

كان الغرض من وراء وضع صور الجماهير بالحجم الطبيعي على ورق مقوى في المدرجات، هو التَّخفيف من خيبة الأمل الناتجة عن رؤية المدرجات خاوية، وكذلك لمواساة المشاهدين الذين يتابعون من المنزل، يقول وان: إن هناك سببًا أن الزوايا التي تلتقطها كاميرا تصوير الألعاب الرياضية المتلفزة غالبًا ما تحتوي على جزء من المدرجات.

ولكن على النقيض من ذلك، لن تعتمد الألعاب الأولمبية أيًّا من هذه البدائل، لن يكون هناك ضجيجٌ وهميٌّ للجمهور أو تمثيلٌ ثنائي الأبعاد لمشجعي فرق الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين، ووفق أحد القياسات، فإن خيبة الأمل ملموسة بالفعل؛ فقد شاهد ما يقرب من 17 مليون أمريكي حفل الافتتاح، وهو ما يمثل جزءًا بسيطًا من نسبة مشاهدة الأولمبياد السابقة، وأولئك الذين تابعوا الحدث وصفوه بأنه "غريب" و"كئيب".

بالنسبة لواحد من أفضل الرياضيين في العالم، فإن إفساد توقعات المرء يؤدي إلى ما هو أكثر من مجرد خيبة أمل؛ فقد يؤثر على الأداء أيضًا، يقول جامي هول، كبير اختصاصيي علم النفس الرياضي في جامعة ولاية أوهايو للرياضيين ولاعب الجمباز السابق في أكاديمية  «أول أميريكان» All-American: إن الرياضيين المتنافسين مُدَرَّبون على التخيُّل -أي تخيُّل أداء عمل معين أو حركة معينة، مثل تنفيذ الشقلبة الخلفية الدائرية في الجمباز، فمن دون تحريك عضلة واحدة، بإمكان اللاعبين الذين يستعينون بالتخيُّل تقوية الاتصالات العصبية وتنشيط قشرتهم المخية الحركية، وهي منطقة في المخ تتحكم في الحركة.

يقول هولي: لوضع تصوُّر ينطوي على أكبر قدر من الفاعلية، سيحاول الرياضيون الذين يعملون مع اختصاصيي علم النفس الرياضي محاكاة ظروف اللعب الفعلية بقدر المستطاع، ويقول إنه خلال استعدادات الرياضيين لألعاب طوكيو، ربما يكونون قد تدربوا في ظل وجود أصوات جماهير وهمية قبل إعلان حظر حضور المتفرجين، ومن ثم، فقد يكون للملاعب الخاوية تأثيرٌ ملموسٌ على أداء اللاعبين.

ترتكز هذه الظاهرة على مفهوم نفسي يسمى التيسير الاجتماعي، وهو مصطلح يشير إلى حدوث تغيُّر في أداء الشخص عند وجود آخرين حوله مقارنةً بأدائه عندما يكون بمفرده، فيميل الرياضيون المتميزون إلى تقديم أداء مع وجود الجماهير أفضل من أدائهم وهم وحدهم، بينما يتعثر المنافسون الأقل شأنًا، يقول وان: "في حال غياب الجمهور، فمن الناحية النظرية، ستشهد مستوى أداء على وجه العموم ربما ليس بالمستوى نفسه من الأداء الذي كنت تشهده من قبل"، وبذلك المنطق، قد يُسَجَّل عدد أقل من الأرقام القياسية في هذه الألعاب الأولمبية، وقد يكون الفارق بين اللاعبين -الفرق بين النتائج الأعلى والأدنى- أصغر.

ويؤثر عدم وجود المشجعين بأشخاصهم على أفضلية صاحب الأرض، وهي ظاهرة مدعومة إحصائيًّا، وكان من شأنها أن تفيد المتنافسين اليابانيين هذا الصيف، وعلى الرغم من تبايُن الأدلة بشأن تأثير ضجيج الجماهير على تركيز اللاعبين وقدراتهم، يقول وان: إن غياب الجماهير قد يكون أكثر تشتيتًا من وجودهم، ويضيف هول قائلًا: إنه عندما أقيمت مباريات كرة القدم على أرضه في ولاية أوهايو الموسم الماضي بدون متفرجين، انخفض الشعور بالخطر، وبدا أن ذلك كان له تأثير على أداء اللاعبين، ويضيف قائلًا: "الأحاديث التي سمعتها حول ذلك كانت أن وقع الأمر يشبه وقع مباراة كرة قدم في المدرسة الثانوية".

كما أنه من دون وجود مشجعين، سيكون لأجهزة الصوت الموجودة في الساحة أو الملعب أو الاستاد عواقب غير مقصودة على اللاعبين والمشاهدين على حدٍّ سواء، فمن دون زئير الجماهير، تنتقل الأصوات في أثناء اللعب إلى مناطق أبعد، فيصل الأمر إلى سماع الهمهمات على نحو يُمَكِّن من التنبؤ بمحتواها، بل أيضًا الحديث بين الحكام، وربما الأكثر إحراجًا، الكلام البذيء الذي لم يُقصَد أن يكون مسموعًا، يقول وان إنه يشاهد في كثير من الأحيان المشجعين الرياضيين خلال فترة تسخين اللاعبين من المباراة، وكذلك في أثناء الجائحة، أخذ يشاهد ردود أفعال المشجعين القلائل المسموح لهم بالحضور في المباريات واللاعبين أنفسهم، "سترى بعض الأشخاص الذين يقفون بالقرب من الملعب، وأعينهم تراقب بيقظة تامة خلال الاستراحة، إنهم يسمعون أشياءً ربما لم يكونوا ليسمعوها في المعتاد".

جرى تحديث هذه المقالة في 28 يوليو.