غيَّر كوفيد-19 وجه الحياة جذريًّا في كل رقعة بالعالم؛ إذ أدى هذا المرض المُعدي المميت إلى فرض إجراءات إغلاق بالبلاد، وتطبيق درجات متفاوتة من التباعد الاجتماعي، ما تسبَّب في تعطُّل معظم الشؤون العامة، لم يسلم أيٌّ من الدول من آثار الجائحة بشكلٍ أو بآخر، فمن الناحية الاقتصادية، شهدت الولايات المتحدة معدلات بطالة قياسية، لكن الأشخاص الذين يعيشون في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قد تضرروا بشكل خاص من هذا التدهور الذي جاء به فيروس كورونا، لدرجة أن ما يقرب من نصفهم ربما يواجه الآن مستوى معينًا من انعدام الأمن الغذائي، وذلك وفقًا لدراسة نُشرت يوم الجمعة في مجلة  Science Advances.

ونظرًا إلى أن الانتشار المتسارع لكوفيد-19 أدى إلى الموجة العالمية الأولى من الإغلاق وإجراءات التباعد الاجتماعي في الربيع الماضي، سرعان ما أصبح من الواضح أن هذه الأزمة ستكون أزمةً اقتصادية، إضافةً إلى كونها أزمةً في الصحة العامة، كما يقول أحمد مشفق مبارك، أستاذ الاقتصاد بجامعة ييل، والمؤلف المشارك في الدراسة، سارع مبارك ومجموعة دولية من الزملاء إلى الاحتشاد للبحث في كيفية تأثير الجائحة على سبل العيش بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، إذ غالبًا ما يؤدي الافتقار إلى شبكات واسعة النطاق من الضمان الاجتماعي إلى تعريض الناس بشكل خاص لآثار أي تراجُع في النشاط الاقتصادي.

في الفترة بين أبريل ويونيو من العام الماضي، أجرى الفريق 16 استطلاعًا للرأي عبر الهاتف، شمل أكثر من 30 ألف أسرة، في خمسة بلدان بإفريقيا (بوركينا فاسو وغانا وكينيا ورواندا وسيراليون)، وثلاثة في آسيا (بنغلاديش ونيبال والفلبين)، وواحدة في أمريكا اللاتينية (كولومبيا)، استعان الباحثون في  تسعة من هذه الاستطلاعات بعينات أفراد من بعض الدراسات السابقة التي أجروها، وشملت هذه الاستطلاعات عاملين في القطاع الرسمي، حيث يعمل الموظفون بساعات عمل وأجور محددة، إلى جانب تمتُّعهم بشكلٍ من أشكال الضمان الاجتماعي، وعاملين في القطاع غير الرسمي، حيث ظروف العمل قد تكون غير منتظمة، ويتوافر قدرٌ ضئيلٌ من الأمن الوظيفي، شملت هذه الاستطلاعات التسعة أيضًا عمالًا زراعيين وأصحاب أعمال تجارية الصغيرة ولاجئين، في حين جُمعت عينات الأفراد السبع الأخرى بإجراء مكالمات عشوائية على أرقام هواتف محمولة مدرجة في قواعد البيانات.

يقول مبارك إن الباحثين استخدموا الاستطلاعات الهاتفية لأن كثيرًا من الأشخاص في هذه البلدان يعملون في القطاع غير الرسمي، ما يُصعب جمع الإحصاءات من مصادر مثل السجلات الحكومية الرسمية أو كشوف المرتبات، ويضيف أن هذه الطريقة عليها بعض القيود؛ فعلى سبيل المثال، بعض الأسر الأكثر فقرًا، التي قد يعجز أفرادها عن تحمُّل تكلفة الهواتف المحمولة، لا تُمثل بما يكفي.

أفاد الأشخاص الذين شملتهم الاستطلاعات في جميع البلدان التسعة بحدوث انخفاض حاد في الدخل وفرص العمل بداية من مارس الماضي، ومن بين الـ16 عينة، أفاد متوسط يبلغ ​​70% من المستجيبين بانخفاض الدخل، وأبلغ متوسط قدره ​​30% عن انخفاض في فرص العمل، أبلغ الناس أيضًا بفقدان إمكانية الوصول إلى الأسواق (بمتوسط ​​31%) والرعاية الصحية (بمتوسط ​​13%)، في حين قال متوسط يبلغ 11% فقط من الأفراد ​​إنهم يستفيدون من دعم الحكومة أو المنظمات غير الحكومية، وأفاد متوسط ​​45% من الناس بزيادة في انعدام الأمن الغذائي، مما يعني تفويتهم لوجباتٍ أو تقليلها.

يقول مبارك: "ما توضحه الدراسة هو أن الصدمة الاقتصادية المصاحبة لكوفيد كانت كبيرةً جدًّا وواسعة الانتشار عبر جميع أرجاء البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وما كان مفاجئًا هو أنه على الرغم من التبايُن الهائل في الأنواع المختلفة للعينات التي لدينا، لاحظنا أنماطًا متسقةً للغاية: "انخفاض كبير في الدخل وفرص العمل في جميع المجالات"، فحتى في كولومبيا -البلد الذي يحتوي على أعلى نصيب للفرد من إجمالي الناتج المحلي في البحث- أبلغ 87% من الناس بانخفاض في الدخل، وأفاد 49% بانخفاض في فرص العمل، وقال 59% إنهم عانوا زيادةً في انعدام الأمن الغذائي .

وتشير ديان شانزينباخ، الخبيرة الاقتصادية في جامعة نورث وسترن، التي لم تشارك في الدراسة، إلى أنه ليس من المستغرب تمامًا أن تعاني بلدان كثيرة خسارةً في الدخل وفرص العمل، لكنها تقول إن بعض الأرقام التي ذكرها مبارك وزملاؤه "مذهلة"، وتضيف شانزنباخ: "أتوقع بالتأكيد أن الجوع الذي يواجهه الأطفال في الولايات المتحدة الآن ستكون له تداعياتٌ طويلة المدى، ما يواجهه [الناس في هذه البلدان ذات الدخل المنخفض]، وهو أشد خطورةً بكثير، ستكون له أيضًا تداعياتٌ طويلة المدى من حيث الصحة أو الإنتاجية الاقتصادية اللاحقة".

يقول مبارك إن هذه النتائج تسلط الضوء على حاجة الدول الغنية إلى الاهتمام بالآثار العالمية للوباء، ويضيف: "إذا لم يكن لدى الناس ما يكفي من الطعام، فلن يكونوا قادرين على الالتزام بإرشادات التباعد الاجتماعي، بل سيذهبون إلى الأسواق المزدحمة وسيحاولون العثور على فرص عمل، لو لم يسيطر العالم على الوباء في جميع أنحائه، فلن يندثر المرض أبدًا، ولن تتوقف السلالات المتحورة عن الظهور، لتنفذ إلى أنظمتنا مرةً أخرى، وهذا يعني أن الدول الغنية بحاجة إلى التفكير فيما هو مطلوب لدعم البلدان الفقيرة، وليس فقط في كيفية السيطرة على الفيروس داخل حدودها".