من السهل معرفة الأسباب التي تدفع الناس لعدم الإعجاب بفكرة المؤتمرات الافتراضية؛ فالجلوس  ساعاتٍ أمام شاشة الكمبيوتر مستمعًا إلى حديث شخص دون رؤية أي شيء منه سوى رأسه ليس بالأمر المثير للحماس. بالإضافة إلى ضياع فرص الاستجمام في أحضان جزيرة استوائية مثلًا أو أي موقع خلاب آخر حول العالم، لا تتيح المؤتمرات الافتراضية للباحثين أيضًا الابتعاد عن روتين الحياة اليومية والانغماس قلبًا وقالبًا في تجربة تبادل المعرفة. فضلًا عن ذلك، يمثل عدم التفاعل الشخصي بين الحضور عقبةً أخرى؛ فلسنا نبالغ عندما نقول إن الكثير من فرص التعاون المثمر والارتقاء المهني قد غُرست بذورها في أثناء الانتظار في طوابير الغداء الطويلة التي تشملها المؤتمرات. بل إن تلقِّي دعوة لإلقاء كلمة في مؤتمر افتراضي يبدو أمرًا فارغًا من مضمونه بعض الشيء؛ فبينما هم جلوس بمفردهم في مكاتبهم، لا يعاني المحاضرون من صعوبة الوفاء بالمتطلبات التكنولوجية فقط، بل يعانون الأمرَّيْن أيضًا للتواصل مع جمهورهم البعيد.

لا شك أن المؤتمرات الافتراضية التي دعت إليها جائحة كوفيد-19 في وقتنا الراهن قد طرحت تحدياتٍ أمام المنظمين والحضور والمحاضرين. ولكنها مع ذلك قدمت عددًا من الإيجابيات المدهشة التي تثبت قدرة المؤتمرات الافتراضية، ليس فقط على تخطي هذه العقبات، بل وعلى تغيير مفهومنا عن شكل المؤتمرات في المستقبل.

أكثر رفقًا بالبيئة

كانت البيئة بلا شك من أكبر المستفيدين من تحوُّل المؤتمرات إلى العالم الافتراضي. فقد قدرت دراسةٌ حديثةٌ كميةَ ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن تحرُّك كل باحث إلى مؤتمر بما يتراوح بين 0.5 طن متري إلى طنين متريين. ومن المثير للدهشة أن البصمة الكربونية الإجمالية الناتجة عن باحثي العالم، والذين يقدر عددهم بـ 7.8 ملايين باحث، في حال سفر كلٍّ منهم إلى مؤتمر واحد سنويًّا، تعادل البصمة الكربونية الناتجة عن بعض الدول الصغيرة. وفي المقابل، قدر منظمو مؤتمرين عُقِدا افتراضيًّا بصورة كاملة في الولايات المتحدة أن إجماليَّ الانبعاثات الكربونية الناتجة عن هذين المؤتمرين كان أقل من 1 بالمئة من إحدى الفعاليات التقليدية التي تتطلب السفر إليها جوًّا.

فرص عادلة للجميع

سمحت إقامة المؤتمرات على الإنترنت بمشاركة مجموعة أكبر وأكثر تنوعًا من الحضور؛ فلطالما أثار السفر والابتعاد عن المنزل لفترات طويلة مشكلاتٍ للحضور الذين لديهم أطفال أو الذين يُعانون من إعاقات. وبالمثل فإن القيود المادية وتلك المفروضة على تأشيرات الدخول تمنع القادمين من البيئات المحرومة اقتصاديًّا ومواطني بلدان بعينها من المشاركة في الاجتماعات الدولية. ولذلك فإن إزالة تلك العوائق المرتبطة بالسفر جعلت العديد من المؤتمرات أكثر شمولًا. فبينما اجتذبت الجمعية العمومية للاتحاد الأوروبي للعلوم الجيولوجية (EGU) في فيينا ما يزيد قليلًا عن 16200 مشارك عام 2019، سجل في الجمعية العمومية التي انعقدت عام 2020 على الإنترنت أكثر من 26000 مستخدم. ونظرًا إلى أن المؤتمرات الافتراضية يسهل التوسُّع فيها مقارنةً بالمؤتمرات الفعلية، كان من السهل نسبيًّا استيعاب كل هذا العدد الإضافي من الحضور.

ولزيادة التفاعل الاجتماعي بين المشاركين الموزَّعين عبر مختلِف القارات والتوقيتات، تستخدم المؤتمرات تطبيقات جديدة. على سبيل المثال، يسمح تطبيقا "Braindate" و"Brella" بالتوفيق بين ملفات التعريف التي رفعها الحضور واقتراح عقد مؤتمرات فيديو خاصة لمناقشة الاهتمامات المشتركة. ولا تُعيد هذه التطبيقات تشكيل فرص التعارف التي يسعى إليها رواد المؤتمرات فحسب، بل تقلل أيضًا من صعوبة وصول الشخصيات الانطوائية أو المبتدئين إلى رواد مجالاتهم. عمد منظمون آخرون إلى الاستفادة من قدرة بعض المنصات الإلكترونية على تقسيم المشاركين عشوائيًّا إلى مجموعات لتشجيع التفاعل بين الجميع، بدلًا من مشاهدة المشاركين وهم ينجذبون تلقائيًّا نحو الشخصيات المشهورة.

وراء الكواليس

يرى مديرو المؤتمرات كذلك جوانبَ مشرقةً أخرى في الشكل الافتراضي للمؤتمرات، الذي كشف عن إمكانيات جديدة في جلسات النقاش وجلسات الأسئلة والأجوبة. ففي الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان (AACR)، الذي عُقد إلكترونيًّا في أبريل من العام الجاري، طُلب من الحضور التصويت في الوقت الفعلي على الأسئلة المطروحة من خلال قنوات المحادثة، وهو ما "أدى إلى ظهور نوعية أفضل من الأسئلة"، وفقًا لما ذكرته إيميلي كوستا، طالبة الدكتوراة من مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان في نيويورك. إلى جانب تحسين الصياغة وطرح أسئلة أكثر عمقًا، شجع هذا الأسلوب شريحةً أوسع من الحضور على المشاركة بفاعلية طوال جلسات النقاش.

من الممكن أيضًا إدارة جلسات النقاش خلال المؤتمرات الافتراضية بطريقة أفضل مقارنةً بالمؤتمرات التقليدية. فقد كشف البروفيسور روس ألتمان -أحد رؤساء "مؤتمر كوفيد-19 والذكاء الاصطناعي"، الذي نظمته جامعة ستانفورد في أبريل- أن المراسلة بين المديرين في قناة منفصلة ساعدت في تحسين النقاشات في الوقت الفعلي. يقول ألتمان موضحًا: "لقد وجدنا مثلًا أن أحد الضيوف يشارك في النقاش أكثر من غيره"، فتوصل مديرو المؤتمر من خلال "محادثة خلفية خاصة" إلى قرار مشترك بطرح أسئلة تشجع الضيوف الأقل مشاركةً على الانخراط في النقاش.

أفضل ما في العالَمَيْن

وفي النهاية، لا يمكن للمؤتمرات الافتراضية أن تحل محل المؤتمرات التقليدية ولا العكس، ولكنهما لا يمثلان بالضرورة عالَميْن متعارضَين، ويجدر بالمؤتمرات في المستقبل أن تسعى إلى الجمع بين أفضل ما في العالَميْن. لقد أظهر استطلاع غير رسمي أجرته مجلة نيتشر أن 80 بالمئة من 486 مشاركًا في الاستطلاع يعتقدون أن بعض الاجتماعات يجب الاستمرار في عقدها افتراضيًّا، حتى بعد انتهاء جائحة كوفيد-19.

ووفقًا للملحوظات الواعية التي أدلى بها أحد المشاركين في مؤتمر افتراضي مؤخرًا، "فلم يكن تناوُل الوجبات الخفيفة في أثناء الاستراحة أمرًا جديدًا، في حين كان طابور انتظار استخدام دورات المياه أقصر، وكان للمشاركين حرية إحضار مشروباتهم".