توقف لحظة وحاول أن تتذكر أسماء أكبر عدد يمكنك أن تتذكره من العباقرة الذين تعرفهم. كم منهم من الرجال؟ يوجد خطبٌ ما في الطريقة التي ننظر بها إلى هؤلاء المفكرين الاستثنائيين، والتي تسببت في إقصاء جميع مَن تصادف أنهن من النساء. أخذت الصحفية جانيس كابلن على عاتقها مهمة تصحيح هذا السجل من خلال كتاب جديد بعنوان «عبقرية النساء» The Genius of Women، وهو عبارة عن مجموعة من القصص، ولكنه أيضًا دعوة للتخلي عن التحيزات القديمة. أجابت كابلن في هذه المقابلة عن أسئلة جاريث كوك، محرر دليل مقالات «مايند ماترز» Mind Matters.

(فيما يلي النص المحرر للمقابلة)

لماذا كتبتِ هذا الكتاب؟

لطالما كنت مهتمةً بنجاحات المرأة، وبعدما قرأت دراسة استقصائية تُظهر أن 90 بالمئة من الأمريكيين يعتقدون أن العباقرة من الرجال فقط، ألهمني ذلك لتأليف الكتاب. وعندما طُلِبَ من المشاركين في الدراسة نفسها أن يُسَمُّوا عباقرةً من النساء، كان الاسم الوحيد الذي ذكروه هو «ماري كوري». لذا فكرتُ في أننا نخبر الفتيات الآن أنهن يمكنهن أن يصرن أي شيء يُردن، لكن هل يعني هذا أي شيء سوى أن يصرن عبقريات؟

عَرَّفَ أحد الأساتذة الجامعيين الذين تحدثت معهم العبقرية على أنها الموضع الذي تلتقي عنده الموهبة الاستثنائية والشهرة. ولكن ليس المقصود هو الشهرة بالمعنى الهوليوودي، بل بمعنى جذب الانتباه والتقدير؛ فمن الممكن أن تعمل عملًا عظيمًا، ولكن إذا لم يَسْمَعْ به أحد، فلن يكون له تأثيرٌ يذكر. على مر التاريخ وحتى وقتنا الراهن، كانت النساء تحقق نصف المعادلة فقط؛ فقد كُنَّ يتمتعن بالموهبة الاستثنائية، ولكن ليس بالاهتمام والتقدير. لذا حاولت في هذا الكتاب أن أجعلهن يحظين ببعضٍ من هذا التقدير.

كيف تختلف النساء في هذا الكتاب عن كيفية رؤيتنا للعباقرة؟

أبسط إجابة هي أنهن نساء! إننا نفترض بطريقة لاواعية بشدة أن جميع العباقرة يبدون مثل ألبرت أينشتاين، أو ربما مثل شيرلوك هولمز. إننا نفترض أن المرأة الذكية حقًّا ستكون شاذةً عن المألوف، بل وربما لن تتمتع بالأنوثة المتعارف عليها. إلا أن النساء العبقريات اللاتي قابلتهن كانت حياتهن متنوعة ومتعددة الأوجه؛ فقد كان أغلبهن أمهات، وبعضهن لديه أطفال صغار. وكانت واحدة من تلك النساء لاعبة تنس في تصنيف مرتفع قبل أن تقرر تغيير مسار حياتها وتصبح متخصصة في علم الروبوتات.

ما هي أكثر قصة أدهشتكِ؟

لقد أدهشني العديد من القصص، وذلك لأننا نحب اعتقاد أننا نجحنا في التغلُّب على التحيُّز الجنسي وكراهية النساء، ولكن كلاهما لا يزال موجودًا. لقد أحدثت فاي-فاي لي –وهي واحدة من خبراء العالم في مجال الذكاء الاصطناعي– طفرة من خلال تعليم الآلات الرؤية، وقد كان للتقنية التي ابتكرتها تأثيرٌ على التقنيات التحويلية، مثل السيارات ذاتية القيادة. لكنها عندما بدأت، أخبرها الجميع أن تتخلى عن الأمر وأنها مخطئة. إنها دليلٌ حيٌّ على أننا نحتاج إلى أشخاص لهم وجهات نظر مختلفة في مجال إنشاء التطبيقات. لقد قالت لي "لي": "لقد تطلَّب الأمر شخصًا أعسر لصنع مقصٍّ للعُسْران؛ فقد كان مستعملو اليد اليمنى يستخدمون المقصات المصنوعة لهم، ولم يشعروا أبدًا بأي قصور في تكنولوجيا المقصات".

كانت ميج أوري واحدةً من القادة الذين يديرون تليسكوب هابل الفضائي التابع لوكالة ناسا قبل أن تقدم لها جامعة ييل عرضًا مُغريًا لتصبح أول أستاذة دائمة للفيزياء بالجامعة، وسرعان ما أصبحت رئيسة قسم الفيزياء بعد ذلك. وإضافة إلى كونها من أكثر الخبراء الذين تُقتبس أعمالهم في مجالها، فقد كانت نموذجًا يُحتذى به لجيل كامل من العالِمات الشابات. لقد أدهشني عدد النساء اللاتي أجريت معهن مقابلات وكن يُعتبرن "المرأة الأولى" في مجال عملهن. لذا، لنتمنَّ أن تصبح المهمة أسهل كثيرًا للمرأة الثانية، أو الثالثة، أو العاشرة.

ما بعض الأفكار المشتركة التي وجدتِها في قصص تلك النساء؟

كن جميعًا يتمتعن بإصرار هائل وإيمان عميق بقدراتهن. لقد كنت مبهورةً بفرانسيس أرنولد، التي ابتكرت تقنية أحدثت ثورةً كُلِّيَّةً في طريقة تكوين الإنزيمات تسمى "التطور الموجه". لقد أخبرها الجميع أنها مخطئة ولا بد أن تستسلم، ولكنها استمرت. قالت لي: "لم أتشكك في ذاتي". وفي عام 2018، فازت بجائزة نوبل في الكيمياء، والآن يُعد عملها هو المعيار الذهبي. وراودت سينثيا بريزيل فكرة الروبوتات التي يمكنها التفاعل مع البشر مبكرًا جدًّا. كان الجميع في ذلك الوقت يفكرون في التطبيقات العملية فحسب، ولكن بريزيل شرعت في تنفيذ فكرتها، وصنعت أول «روبوت اجتماعي» (وهو موجود الآن في متحف معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)، وقدمت للناس طريقةً جديدةً للتفكير في كيفية استخدام التقنيات التي نمتلكها.

كانت الكثير من النساء على استعداد لمواجهة عالَم يشكك فيهن، وتجاوُز القوالب الجنسية النمطية. لقد أدركن أن التصنيف ما هو إلا قيد، ولم يرين أنفسهن على أنهن «امرأة عالمة»، أو «امرأة فنانة»، بل رأين أنفسهن -على سبيل المثال- «عالِمة» تَصادف أنها امرأة. لقد كان معظمهن يتحلى بسلوك إيجابي مدهش، وقد وجدت أن الكثير من النساء كن يتجاهلن التحيز الجنسي في طريق ارتقائهن للقمة. ولكن بمجرد وصولهن إلى القمة، كن يفعلن كل ما بوسعهن ليساعدن النساء الأخريات على التقدم والارتقاء بدورهن.

هل توصلت إلى فكرة مختلفة عن ماهية الشخص العبقري بنهاية هذا المشروع؟

بعد عامين من البحث، كَوَّنتُ نظرةً أوسع بكثير حول العبقرية. لقد أثبتت جميع الطرق التقليدية التي نستخدمها لقياس العبقرية –مثل معدل الذكاء– أنها غير دقيقة، ومنحازة، وتفتقر إلى الكثير من الصدق. العبقرية ليست مطلقة، فإما أن تكون عبقريًّا أو لا تكون. فمَن نعتبره عبقريًّا اليوم يتغير مع مرور الوقت، وتبعًا لكيفية سرد قصته. تحتاج العبقرية إلى الاهتمام، والرعاية، والتقدير. علينا أن نتوقف عن هدر إمكانات الكثير من الناس، وإذا شجعنا عبقرية النساء، فسنراها تزدهر.