يحيط الغموض بالانفجارات التي دمرت النجوم الأولى في الكون. ومن الصعب إعادة إنتاج هذه الانفجارات الهائلة من خلال المحاكاة الحاسوبية، حتى باستخدام قوة الحوسبة الحديثة. إذ يقول ألكسندر جي، المتخصص في الفيزياء الفلكية بمراصد «كارنيجي» في مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا الأمريكية: "هذه واحدة من أصعب مشكلات الفيزياء التي نواجهها". وعلاوة على ذلك، يشير ألكسندر إلى أنَّ الباحثين لم يجدوا إجابةً بعدُ عن سؤالٍ بسيط: ما أنواع النجوم التي تنفجر وتلك التي لا تنفجر؟

كثيرًا ما يفترض العلماء أنَّ النجوم الأولى أنهت حياتها كمستعرات عظمى كروية الشكل. لكنَّ فريقًا من الباحثين قدَّم لتوه أولى الأدلة المرصودة على أنَّ واحدةً على الأقل من كرات النار قصيرة العمر هذه انفجرت انفجارًا غير كروي، وتبعثرت محتوياتها بصورةٍ غير منتظمة في اتجاهاتٍ عديدة. ففي دراسةٍ نُشرت في الثامن من مايو بدورية «أستروفيزيكال جورنال»Astrophysical Journal ، يشير الباحثون إلى أنَّ الانفجار أطلق غازات وسوائل قوية إلى درجةٍ كانت كافيةً لدفع عناصر ثقيلة تشكَّلت في الانفجار إلى مجراتٍ مجاورة. (لم يشارك ألكسندر في هذه الدراسة، لكنَّ مشرفه السابق على رسالة الدكتوراة كان بين مؤلفيها).

ووفق فولكر بروم، عالِم الفلك بجامعة تكساس في أوستن (لم يشارك في الدراسة أيضًا)، فإنَّ هذه الدراسة هي جزء من اتجاهٍ قوي نحو دراسة خصائص النجوم الأولى، والتي كانت من الموضوعات الساخنة طوال السنوات العشر الأخيرة. وطُرحت من قبل فكرة اندفاع الغازات والسوائل من النجوم المتفجرة، وتسبُّبها في قذف عناصر ثقيلة نحو مجراتٍ مجاورة، ناشرةً بذور الجيل التالي من النجوم، حتى إنَّ بعض الباحثين وضعوا نظرياتٍ في السابق تفترض حدوث هذه الظاهرة في الجيل الأول من النجوم. لكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها أن تكتشف دراسةٌ أدلةً قائمةً على الرصد توضح حدوث هذه الظاهرة في واحدٍ من هذه النجوم الأولى.

نجم مُميَّز

هذه النجوم الأولى كانت نجومًا عملاقة قصيرة العمر اختفت منذ زمنٍ بعيد، لذا لا يمكن دراستها مباشرةً. ولهذا السبب، فإنَّ رنا عز الدين -عالِمة الفلك في معهد كافلي للفيزياء الفلكية وأبحاث الفضاء التابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية، وهي الباحث الرئيسي في هذه الدراسة- درست بالتعاون مع زملائها مدى توافر الحديد والعناصر الأخرى الموجودة في نجمٍ من نجوم الجيل الثاني يُطلق عليه اسم «HE 1327-2326». هذا النجم ينتمي إلى مجموعة نادرة تتألف من 25 إلى 30 نجمًا قديمًا، يحتوي كلٌّ منها على كميات قليلة جدًّا من الحديد. تكونت هذه النجوم من بذور العناصر الأولية التي خلَّفها أسلافها من نجوم الجيل الأول.

وتقول عز الدين: "إنَّ نجمنا مميز للغاية؛ لأنه أيضًا الأكثر سطوعًا" في هذه المجموعة. لكنَّ قياس مدى توافر العناصر الأولية هذه تطلَّب استخدام المحلل الطيفي للأصول الكونية، الموجود على متن تلسكوب هابل الفضائي، الذي يُعد إحدى أكثر الأدوات المتاحة دقةً. لذا يقول بروم: "هذه دراسة ممتازة"، مُشيرًا إلى أنَّ دراسة النجوم بهذه الدقة غير ممكنة إلا عند توافر بيانات فائقة الجودة.

توقَّع الفريق وجود السيليكون والحديد والفوسفور في طيف النجم، لكنهم صُدموا حين اكتشفوا عنصرًا مختلفًا. فللمرة الأولى، اكتشف الفريق وجود الزنك في نجمٍ من الجيل الثاني، وبوفرة، وفق عز الدين. كرَّر الباحثون التحليل بعد تلك النتائج المذهلة، التي ربما تثبت توافر عناصر ثقيلة أكثر مما كان يُعتقد في الكون المبكر. ومع كل تحليلٍ أجروه، توصلوا إلى النتيجة نفسها.

عنصر مفاجئ

قلبت هذه النتائج المشروع رأسًا على عقب. لقد كان الباحثون يعرفون بالفعل السبب الذي يجعل هذا النجم والنجوم الأخرى في المجموعة تحوي القليل من الحديد. فالحديد تشكَّل في أنوية النجوم الأولى الضخمة، التي كانت أسلافًا للنجوم الفقيرة بالمعادن، وفق عز الدين، التي تضيف أنَّه عندما انهارت هذه النجوم الأولى، ابتلعت الثقوب السوداء الناتجة الكثير من الحديد الذي كان موجودًا في أنويتها. ولأنَّ الزنك يتكون أيضًا في أنوية هذه النجوم القديمة، تساءل الفريق كيف تمكَّن هذا العنصر من الهروب من مصير الثقب الأسود هذا.

ترى عز الدين أنَّه يمكن تفسير هذه الحالة الشاذة استنادًا إلى فرضية حدوث انفجارٍ غير كروي للمستعر الأعظم. إذ ربما قذفت الغازات والسوائل الناتجة الزنك الموجود في نواة النجم بعيدًا عن الثقب الأسود، في حين سمحت لأغلب الحديد بالسقوط فيه. ولاستكشاف هذه النظرية، أجرى الباحثون أكثر من 10 آلاف عملية محاكاة حاسوبية، تنفجر فيها مستعرات عظمى بطاقاتٍ متباينة ونماذج انفجار مختلفة. اللافت أنَّهم اكتشفوا أنَّ جميع نماذج انفجارات المستعرات العظمى الكروية لا يمكنها إنتاج أثر الزنك المرصود. وعلاوةً على ذلك، لم يجدوا سوى نموذج انفجار واحد لمستعر أعظم غير كروي يمكنه إنتاج أثر الزنك المرصود والخصائص الأخرى للنجم «HE 1327-2326».

قادهم هذا إلى مفاجأةٍ أخرى، تتعلق بمدى قوة هذا الانفجار غير المتماثل للمستعر الأعظم. فوفق تقديرات الباحثين، من المحتمل أنَّ قوة الانفجار كانت أكثر من قوة القنبلة الهيدروجينية بنحو نونيليون (عشرة وإلى يمينها 30 صفرًا) مرة، وهو ما يقدَّره الباحثون بنحو خمسة إلى عشرة أمثال التقديرات السابقة لقوة الانفجار. وتوفر الدراسة أيضًا أدلةً جديدة على أنَّ انفجارات النجوم الأولى في الكون ربما تكون قد أسهمت في إعادة تأيُّنه -وهو حدث مهم في الكون المبكر أصبحت فيه الذرات المحايدة مشحونةً- وأدت دورًا محوريًّا في تطورالمجرات.

ويقول جون وايز، المتخصص في الفيزياء الفلكية الحاسوبية في معهد جورجيا للتقنية، والذي يعكف حاليًّا على دراسة كيفية انتشار المعادن من نجوم الجيل الأول إلى نجوم الجيل الثاني، إنَّ هذه الدراسة ألهمته بالفعل لتعديل منهجية بحثه. وأضاف قائلًا: "الآن لدينا دافعٌ للبحث في مسألة المستعرات العظمى غير الكروية". ولا يعلم الباحثون حتى الآن ما إذا كان الانفجار غير الكروي للمستعر الأعظم الذي سبق النجم «HE 1327-2326 » نادرًا أم شائع الحدوث، ولا يزالون يتساءلون عما إذا كانت غالبية انفجارات المستعرات العظمى من الجيل الأول كروية أم غير كروية. لذلك، على الرغم من أنَّهم قد اقتربوا على ما يبدو من حل أحد ألغاز النجوم الأولى، ما زالت هناك العديد من الألغاز الأخرى الغامضة.