تميل المخيلة الغربية فيما يتعلق بالنقوش الحجرية التليدة بالكهوف إلى استحضار رسوم قديمة اكتُشِفت في كهف لاسكو القابع جنوبي غرب فرنسا، والذي اشتهر برسومه الجدارية شديدة الوضوح للإنسان والحيوان، بيد أن هذه الرسوم لا يتجاوز عمرها 17 ألف عام، في حين تحتضن منطقة جنوب شرق آسيا أقدم النماذج المعروفة للفن التصويري، أو الرسوم التي تُظهر تعقيدًا يتجاوز التعبير عن أفكار مجردة، وقد اكتُشِفت مؤخرًا في أحد الكهوف بإندونيسيا رسوم تصوِّر خنازير، وعلى أثرها تراجع تاريخ أقدم سجل لأحد أشكال الفن التصويري إلى نقطة زمنية تعود إلى 45,500 عام على الأقل، وفقًا لبحث نشرته مجلة "ساينس أدفانسيز" Science Advances يوم الأربعاء الماضي.

وتعقيبًا على هذا الاكتشاف، قال ماكسيم أوبيرت، أستاذ علم الآثار من جامعة جريفيث في أستراليا، والذي شارك في هذه الدراسة: "نؤكد أن هذا ليس إلا الحد الأدنى لعمر هذا العمل الفني؛ فالأعمال الفنية المكتشفة على الصخور بهذه المنطقة قد يعود عمرها إلى 60 أو65 ألف سنة مضت، ولا نحتاج إلا إلى عينات إضافية كي نجزم بعمر هذا الاكتشاف".

ومن الجدير بالذكر أن جزيرة سولاويسي الإندونيسية الواقعة شرق جزيرة بورنيو، حيث أُزيح الستار عن أحدث اكتشاف لأحد هذه الرسوم، تُعد كنزًا يزخر بمثل هذه النقوش الفنية على الصخور، ومنذ أن بدأ الباحثون العمل في هذه البقعة قبل 70 عامًا، أكدوا وجود حوالي 300 كهف تحتوي على هذه الرسوم، وفي أواخر عام 2019، قدَّر ماكسيم أوبرت وفريقه البحثي أن تاريخ رسوم على جدار أحد كهوف سولاويسي يعود إلى ما لا يقل عن 43,900 عام مضت، ومن ثم، تُعد هذه الرسوم الأقدم في المنطقة في ذلك الوقت.

ويصعب عادةً تحديد أعمار هذه الأعمال الفنية التليدة، غير أن تكوين الحجر الجيري لكهوف سولاويسي يسهِّل هذه المهمة؛ إذ تحفِّز الطبيعة المسامية للحجر الجيري بالكهف تكوين رواسب معدنية كهفية بفعل المياه المترسبة عبر الصخور، وتُعد الصواعِد والأعمدة الهابطة بالكهوف أمثلةً لهذه الرواسب، غير أنه قد تتراكم أيضًا على جدران الكهوف رواسب دقيقة، تتضمن أجزاء الكهف التي تحوي أعمالًا فنية.

وتعمل تقنية تأريخ لوحات العصر البليستوسيني عن طريق قياس نسبة اليورانيوم والثوريوم (الذي يتشكل مع تحلُّل اليورانيوم) في الرواسب المعدنية التي تجمعت على الأعمال الفنية القديمة، ويستخدم العلماء معدلات التحلل الإشعاعي المعروفة للعنصرين بغيةَ حساب الحد الأدنى من الزمن الذي مرّ منذ ترسُّبهما.

وكان باسران برهان، باحث الدكتوراة المشارك في الدراسة، هو مَن اكتشف الرسم الجديد الذي يصور سربًا من ثلاثة إلى أربعة خنازير سولاويسية تغطيها الثآليل، وشكل أيادٍ بشرية، في وادٍ منعزل، لا يُمكن الوصول إليه إلا سيرًا على الأقدام، وبعد أن اتخذ المشاركون في الدراسة الاحتياطات اللازمة للتأكد من أن العينات التي جُمعت لم تُمَس، أفضت بهم حساباتهم إلى استنتاج أن تلك الصور رُسمت قبل 45,500 عام على الأقل.

وقد عقَّب على الاكتشاف جيمس أوكونيل، الأستاذ الفخري المتخصص في الأنثروبولوجيا من جامعة يوتاه، والذي لم يشارك في البحث، قائلًا: "يُعد هذا الاكتشاف إسهامًا مهمًّا، كما أن نتائج البحث تؤكد وتوسع النطاق الزمني لأعمار رسوم عصر البليستوسين المتأخر، التي أُفيد باكتشافها في سولاويسي سابقًا".

وعلى حد ما ذكرته كيرا ويستاواي، عالِمة التأريخ الجيولوجي المتخصصة في حفريات العصر الرباعي، من جامعة ماكواري في أستراليا، والتي لم تشارك في البحث، ليس هناك مَن يمكنه أن يجزم بتاريخ وصول البشر -الحديثين من الناحية التشريحية- إلى سولاويسي، من هنا، تبرز أهمية هذا الاكتشاف الجديد، إذ إنه يُقدم أيضًا دليلًا على وجود للبشر في هذه المنطقة قبل عشرات الآلاف من السنين، وتضيف: "في العادة توفر الأدوات الحجرية والحفريات المستخرجة من الأجزاء الرسوبية أقدم الأدلة على أن الإنسان المعاصر وُجد في منطقةٍ ما، ويليها استخدامًا التأريخ بتحليل النقوش الفنية الصخرية، ويُعد هذا البلد الوحيد الذي تخدم فيه الفنون التليدة باعتبارها أقدم الأدلة على هذا الوجود".

وأضافت ويستاواي أن رسوم خنازير سولاويسي التي تغطيها الثآليل يعني أن هذه الحيوانات كانت ذات أهمية للإنسان القديم؛ إذ تقول: "أسهم هذا البحث إلى جانب الأعمال البحثية السابقة التي أنتجها هذا الفريق البحثي في السنوات القليلة الماضية، إسهامًا كبيرًا في تشكيل فهمنا للإنسان الحديث في المنطقة".

أما بول بيتيت، عالِم آثار العصر الحجري القديم من جامعة دورهام في إنجلترا، والذي لم يشارك بدوره في هذا البحث، فمن جهته قال: إنه على الرغم من أن هذا العمل الفني مثيرٌ للإعجاب، إلا أن النهج العلمي الذي اتبعه الباحثون يجعل لديه "تحفُّظات على مصداقية ما ينشرونه".

وأشار بول بيتيت تحديدًا إلى أن الحد الأدنى المذكور لعمر هذه الرسوم ليس إلا رقمًا تقديريًّا، ولا يمكن الجزم من خلاله بصحة مزاعم اكتشاف "أقدم عمل فني تصويري في العالم"، وأضاف أنه نظرًا إلى ندرة حفريات البشر الحديثين تشريحيًّا في المنطقة، لا يمكن للعلماء استبعاد احتمالية أن تلك الأعمال صنعها نوع بشري آخر، واستطرد قائلًا: "إننا بحاجة إلى التريث قليلًا قبل الاندفاع لنشر الأبحاث بالاستناد إلى بضعة تواريخ والمبالغة بشأنها، كما علينا أن نتحلى بمزيد من الصرامة البحثية قبل أن نبدأ في تغيير سردية عصور ما قبل التاريخ".

وقد صرح أوبيرت بأنه وزملاءه يدركون أن هذه قِيَم دنيا تقديرية، ويضيف قائلًا: "قد تكون هناك مواقع أثرية أقدم على مستوى العالم، يخفى علينا وجودها، إلا أنه باعتبار الأدلة التي بين أيدينا في الوقت الحالي، فهذا –على أقل تقدير– أقدم نقش صخري اكتُشف حتى الآن".