على مدار ما يقرب من خمسين عامًا مضت، عاش عالِم الأعصاب جيمس هادسبيث بشكل أساسي داخل الأذن البشرية.

على امتداد ذلك الوقت تمكَّن هادسبيث -وهو رئيس مختبر علم الأعصاب الحسية بجامعة روكفلر- من إحداث تطوير درامي في فهم العلماء لكيفية عمل الأذن والدماغ معًا لمعالجة الصوت. في الأسبوع الماضي، لاقت تلك العقود التي أمضاها هادسبيث في إعداد البحوث الرائدة اعترافًا من الأكاديمية النرويجية للعلوم، إذ منحته الأكاديمية جائزة كافلي Kavli في علم الأعصاب، والتي تبلغ قيمتها مليون دولار. تقاسم هادسبيث الجائزة مع اثنين من الباحثين الآخرين في مجال السمع، وهما روبرت فيتيبليس من جامعة ويسكونسن في ماديسون، وكريستين بوتي من معهد باستور في باريس.

وبينما كان هادسبيث يستكشف الآليات العصبية للسمع على مدار سنوات، تعاظم لديه تقدير خاص للتشريح المعقد للأذن الداخلية، وهو تقدير تخطى حدود المختبر. يقول هادسبيث: "أعتقد أننا –نحن العلماء- نميل إلى إيلاء الجانب الجمالي للعلوم القليلَ من الاهتمام. وبالرغم من أنني أتفق مع حقيقة أن العلم هو الدراسة المتجردة لطبيعة الأشياء، إلا أن العلم أقرب إلى الفن. إنه شيء يفعله المرء من أجل الجمال الكامن فيه، وعلى أمل أن يفهم ما كان خافيًا علينا من قبل. فهناك مثلًا شيء جميل بشكل لا يُصدق، وهو الأذن الداخلية، التي تؤدي وظيفة رائعة حقًّا. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ وكيف لها أن تقوم بتلك الوظيفة؟"، بعد أن نما إلى علمه أنه حصل على جائزة كافلي، تحدث هادسبيث إلى مجلة "ساينتفك أمريكان" عن عمله، وعن الكيفية التي من خلالها يحوِّل الدماغ الذبذبات المادية إلى حالة أشبه بالاستماع إلى سيمفونية.

[فيما يلي نسخة مُحررة من المقابلة].

عالِم الأعصاب جيمس هادسبيث

كيف تقوم الأذن الداخلية بمعالجة الصوت؟

في القرن التاسع عشر، كانت هناك نظرة فسيولوجية متعمقة وعلى درجة كبيرة من الأهمية للعالِم الألماني هيرمان فون هيمهولتز، وهذه النظرة لا تزال لها وجاهةٌ حتى الآن. أدرك هيمهولتز أن القوقعة، وهي العضو المُسْتَقبِل في الأذن، هي في الأساس بيانو عكسي. في البيانو الحقيقي يمثل كل وتر من الأوتار نغمةً واحدة، ويمتزج ما ينتج من نغمات في وحدة كلية متناغمة. أما الأذن فإنها تؤدي في الأساس العمل ذاته ولكن بطريقة عكسية، فهي تأخذ تلك الوحدة الكلية المتناغمة، وتفصل بين النغمات المفردة، وتعبر عن كل نغمة منها في موضع مختلف على امتداد القوقعة الحلزونية. تعمل كل خلية من الـ16,000 خلية شعرية التي تصطف على القوقعة كجهاز استقبال يستجيب لتردد بعينه. وتصطف تلك الخلايا الشعرية في ترتيب ذي نظام محدد، تمامًا كما هو الحال مع أوتار البيانو.

كثيرًا ما يأتي ذكر مصطلح "انتقال الإشارات" (Transduction) في أبحاثك. ما دوره في عملية السمع؟

العملة المتداولة ضمن الجهاز العصبي لها طبيعة كهربائية. فهي عبارة عن جهود فعل، بل في الواقع تدفقات من عديد الـ1 والـ0، بما يشبه إلى حدٍّ كبير تلك الأعداد المُستخدمة في الكمبيوتر. لكن عملة العالم الحسي الخارجي تختلف اختلافًا كبيرًا. فهناك الفوتونات، وهذه تمثل حاسة البصر، ولدينا الضغط، وهذا يمثل حاسة اللمس. لدينا كذلك الجزيئات، وهذه تمثل حاسة الشم أو التذوق. وأخيرًا هناك ذبذبات في الهواء، وهذا هو جوهر الصوت. وبطريقة ما، يجب تحويل كل نوع من تلك الأنواع المختلفة من المثيرات المادية إلى إشارات كهربائية يمكن للدماغ تفسيرها فيما بعد. هذه هي عملية انتقال الإشارات. إن ما أثار شغفي واحتجت إلى فهمه فهمًا حقيقيًّا إلى الأعوام العشرين الأولى من حياتي المهنية البالغة أربعين عامًا هو الكيفية التي تتحقق من خلالها تلك العملية. كيف يتم تحويل طاقة الذبذبات الميكانيكية –عندما تضرب الجزء العلوي من الخلية الشعرية أو ما يُطلق عليه الحزمة الشعرية– إلى استجابة كهربائية.

وماذا عن العشرين عامًا الأخرى؟

لم يكن النصف الثاني من حياتي المهنية متوقعًا. لقد أصبح من الواضح –استنادًا إلى بعض المسارات البحثية الخاصة بي وبغيري من العلماء خلال الأعوام العشرين الأولى– أن النظام ليس مجرد مُحوِّل سلبي للاشارات، فالصوت الداخل ليس مجرد سبب في استثارة الاستجابة. بل واقع الأمر أن الأذن يحدث فيها ما يُطلق عليه العملية النشطة. تمتلك الأذن مكبرًا مدمجًا للصوت، وهذا المكبر لا يعمل بالصورة التي تجري بها الأمور في حواسنا الأخرى. فالضوء الداخل إلى العين لا يُنتج مزيدًا من الضوء داخل العين، والرائحة الداخلة إلى الأنف لا تنتج المزيد من جزيئات الرائحة. أما في حالة آذاننا، فإن الصوت الداخل يتم في الواقع تكبيره ميكانيكيًّا بواسطة الأذن، ويبلغ معدل تكبير الصوت ما بين مئة ضعف وألف ضعف. إن هذا لأمر متعمق بالفعل. وتعمل العملية النشطة أيضًا على شحذ توليف السمع، وذلك حتى نتمكَّن من تمييز الترددات التي يفصل بينها حوالي 0.1% فقط. في مقابل هذا، يبلغ الفاصل بين أي مفتاحين من مفاتيح البيانو 6%.

هل تركز أبحاثك الحالية على تكبير الصوت؟

يُعد تكبير الصوت واحدًا من ثلاثة أمور محددة تبذل فيها مجموعتي البحثية الكثير من الجهد. أحد الأمرين الآخرين يتمثل في محاولة فهم كيفية تراكُب الحزمة الشعرية، وهي الجزء العلوي من الخلية الشعرية الذي يتسم بالحساسية الميكانيكية. إن دراسة الكيفية التي يتراكب من خلالها شيء بهذا التعقيد تمثل مشكلةً حقيقية في علم الأحياء التطورية. أما ثاني الأمرين فهو محاولة المساعدة في تجديد الخلايا الشعرية. أحد التحديات الكبرى في هذا المجال يتمثل في أن الخلايا الشعرية لدى الثدييات لا يُنتج الجسم غيرها عند موتها. وهذا هو السبب في أننا جميعًا تتزايد لدينا صعوبات السمع شيئًا فشيئًا بمرور الزمن، وينتهي بنا الأمر إلى أننا نُصبح مصابين بنسبة كبيرة من الصمم. ومن بين المنهجيات التي نستخدمها دراسة العقاقير، وذلك في محاولة للعثور على جزيء من شأنه أن يدفع الخلايا الشعرية إلى البدء في التجدُّد مرة أخرى. لقد فحصنا 80 ألف عقار حتى الآن، ولدينا تحديدًا اثنان من المركَّبات تبدو عليهما احتمالات واعدة. ونحاول الآن أن نعرف بمزيد من التفصيل كيف يعمل هذان المركَّبان، وما إذا كان يمكن استخدامهما أو استخدام غيرهما من المركبات ذات الصلة في أغراض تجديد الخلايا لدى البشر.

هل ترى العلاج بالجينات مُجديًا بوصفه علاجًا محتملًا وقابلًا للاستمرارية لفقدان السمع؟

أعتقد أن الخلايا الشعرية هدف معقول جدًّا للعلاج بالجينات، وذلك لعدة أسباب: أولًا، هناك الكثير من الحالات المختلفة لفقدان السمع لدى البشر؛ فمثلًا هناك ما يقرب من 100 حالة تؤثر فقط على السمع أو على السمع والتوازن معًا، وهناك حوالي 200 حالة أخرى يكون فيها فقدان السمع مصاحبًا لحالة تؤثر على القلب أو الكلى أو أعضاء أخرى. لذا، وخاصةً فيما يتعلق بالمشكلات التي تقتصر على الأذن، ربما يكون للعلاج الجيني قيمة كبيرة. واحدة من الباحثَين اللذين تقاسمت معهما هذه الجائزة، وأقصد كريستين بوتي من معهد باستور في باريس، تُعَدُّ رائدةً من رواد النهج الجيني المستخدم في تعرُّف الجينات والبروتينات الداخلة في عملية السمع لدى البشر. لذلك لدينا الآن مخزون يضم بضع عشرات من البروتينات المفهومة جيدًا، أو الجينات التي تقوم بترميزها، وهذه الجينات تكون معيبةً في بعض أنماط فقدان السمع، وسوف تكون أهدافًا مهمة فيما يتعلق بالعلاج الجيني.

جيومترية الأذن هي الأمر الآخر الذي يجعلها جذابةً على نحوٍ خاص. في الوقت الراهن، عادةً ما يُقصد بالعلاج الجيني إدراج جينات عن طريق فيروس. يمكن لهذا أن يمثل مشكلةً عندما تتحدث عن الجسم بأكمله، وهذا يرجع إلى أنك ربما لا تريد لبعض تلك الجينات أن تُوجَد في أماكن لا تكون فيها فاعلةً في العادة. أما بالنسبة للأذن فيمكن أن نطلق عليها اسم المقصورة المُمَيَّزة؛ إذ إنها تحوي فراغات يتم فيها عزل السوائل عن أية سوائل أخرى في الجسم. وهناك إمكانية لحقن فيروس حامل للجين هناك، وهذا الفيروس سوف يكون مرئيًّا من جانب خلايا الأذن الداخلية فقط، ولن يذهب إلى الكبد أو غيره من الأعضاء التي يُحتمل أن يسبب أضرارًا فيها.