ربما صارت الدعواتُ إلى أداء التمرينات الرياضية لما لها من تأثيراتٍ إيجابية على الدماغ مألوفةً لنا، فأغلبنا يعلم أنَّ ممارسة الرياضة يمكن أن تُسهِم في تقوية صحته العقلية والعصبية، ولكن ماذا لو صار بمقدورنا تحقيق كل هذه الفوائد الصحية لأدمغتنا، دون أن نُضطر إلى ممارسة التمرينات الرياضية ومعاناة ما يصاحبها من ألمٍ، من خلال فهم هذه العمليات الكيميائية الحيوية؟ في واقع الأمر، أثبتت التجارب التي أُجريت على الفئران جدوى هذه الطريقة المختصرة، وثمة تلميحٌ إلى أن النتائج المستخلصة من تجارب القوارض قد تُفلح مع البشر أيضًا.

استُخلصت بلازما دمٍ من فئرانٍ حصلت على قدرٍ جيد من التمرينات وحُقنت بها فئرانٌ كسولة، فتحسَّنت ذاكرة الفئران قليلة الحركة، وقلَّت حدة الالتهابات الدماغية لديها، لسنا بصدد نقل دم الرياضيين الأولمبيين إلى أذرع الأشخاص الكسالى كثيري الجلوس، على الأقل لم يئن أوان ذلك بعد، لكنه وُجد أن الأشخاص الذين يعانون خللًا إدراكيًّا طفيفًا، عندما يمارسون التمرينات الرياضية لمدة ستة شهور تحدث لديهم زياداتٌ في بروتين أساسي أمكن التعرُّف عليه في بلازما الفئران الراكضة، وهو البروتين ذاته الذي ربما يكون قادرًا على تمرير رسالته الكيميائية إلى جميع أنحاء الحاجز الدموي الدماغي المعروف بكونه شديد الانتقائية، ومن ثم إطلاق العمليات المضادة للالتهابات في الدماغ.

نُشرت هذه النتائج في دورية Nature في الثامن من ديسمبر، وهي تقدم تفاصيل جديدة حول الكيفية التي يستفيد بها الدماغ من التمرينات الرياضية، والطريقة التي تتواصل من خلالها الجزيئاتُ المُعزَّزة بالنشاط البدني عبر الحارس الصارم لذلك العضو، كما تُلمِح النتائج إلى أنَّ الكبد والأجهزة المضادة للتجلط تؤدي دورًا مذهلًا في هذه التأثيرات، وقد تدلنا هذه النتائج على سيناريو مستقبلي تتيسَّر فيه إمكانية الحصول على جميع فوائد التمرينات الرياضية فقط من خلال حبة دواء أو ربما حقنة بلازما.

يُعلِّق سول فيليدا -الأستاذ المشارك بقسم التشريح في جامعة كاليفورنيا- على هذه التلميحات المتعلقة بالدور الذي تؤديه عدة أجهزة في تأثيرات التمرينات الرياضية على الدماغ إذ يقول: "بدأتْ قِطع الأحجية تتوافق معًا"، لم يكن فيليدا من المشاركين في هذه الدراسة الجديدة، لكنَّه سبق أن حدَّد هو وزملاؤه بروتينًا في بلازما الفئران التي تمارس تمريناتٍ، وأوضحوا أن هذا البروتين يعمل على تجديد الخلايا العصبية في أدمغة الفئران المتقدمة في السن، ويضيف فيليدا: "بدأنا نُحدِّد عوامل موجودة في الدم، لها القدرة على استهداف نواحٍ مختلفة من التدهور أو الباثولوجيا، وهذه الدراسة تُبرز بحقٍ العوامل الموجودة في الدم والتي تؤثر على التهابات الدماغ"، "الكلمة التي ما فتئت تخطر بذهني هي «الالتقاء»".

وفي سبيل تحقيق هذا الالتقاء، تعيَّن على زورين دي ميجول -اختصاصية علم السلوك والتي تشغل حاليًّا منصب أستاذ مساعد بجامعة ولاية كاليفورنيا في مونتيري باي- وزملائها في جامعة ستانفورد ومنظومة الرعاية الصحية التابعة لوزارة شؤون المحاربين القدامى في مدينة بالو ألتو الأمريكية، أن يُخضِعوا الفئران أولًا لممارسة التمرينات الرياضة، فتابعت الفئران الركض لاهثةً طيلة 28 يومًا، ثم نُقلت بلازما دمائها إلى فئران لم تلمس العجلة الدوارة قط طيلة هذه المدة، فأظهرت الفئران التي تلقت بلازما الفئران الراكضة تحسنًا في التعلم والذاكرة، وزادت أدمغتها من نشاط الجينات المُنتجة للبروتينات التي تُعزِّز الذاكرة والتعلم، كما خفَّت الاستجابة الالتهابية، وعندما استثار الباحثون عمدًا استجابةً التهابيةً دماغيةً لدى تلك الحيوانات، خفَّفت بلازما الفئران الراكضة من حدة تلك الاستجابة أيضًا.

عمد الفريق بعد ذلك إلى فحص محتويات بلازما الفئران الراكضة، فوجدوا أنها تحتوي على نسب عالية من البروتينات المضادة للتجلط، ومن بينها بروتين «كلسترين» clusterin الذي يساعد على التخلص من حطام الخلايا، وبمجرد أن اهتدوا إلى هذا البروتين، عكف الباحثون على اختبار التأثيرات المترتبة على إزالته من بلازما الفئران الراكضة، فأظهرت أدمغة الفئران قليلة الحركة، التي حصلت على بلازما خالية من بروتين «كلسترين»، نشاطًا مقاومًا للالتهابات أقل بكثير.

اكتشف الفريق كذلك أنَّ بروتين «كلسترين» ارتبط بسهولة بالخلايا المكوِّنة للحاجز الدموي الدماغي، وعند محاكاة تأثيرات النشاط البدني عن طريق حقن البروتين ذاته في دماء فئرانٍ خضعت للتعديل الجيني بحيث تُصاب بمرض التنكس العصبي، انخفضت أيضًا حدة الالتهابات الدماغية لدى تلك الحيوانات.

وأخيرًا، أراد الباحثون معرفة ما إذا كانت ممارسة التمرينات الرياضية تتسبَّب في ارتفاع نسب بروتين «كلسترين» لدى الإنسان؛ إذ قاسوا نسب البروتين لدى 20 فردًا من المحاربين القدامى، كلهم مصابٌ بخللٍ إدراكي بسيط، قبل وبعد ممارستهم النشاط البدني المُمنهج على مدار ستة أشهر، فرصدوا ارتفاعًا في نسب هذا البروتين.

تُشير دي ميجول إلى أن نتائج الدراسة التي أجرتها هي وزملاؤها اختلفت إلى حدٍّ ما بين ذكور الفئران وإناثها، فرغم تشابه خصائص البروتين المانع لتجلُّط الدم لدى كلا الجنسين، أظهرت الإناث قدرًا أكبر من التباين، وهو ما عزته دي ميجول إلى الهرمونات التي تنتجها الإناث؛ إذ إن تلك الهرمونات لها القدرة على التأثير في العوامل المانعة للتجلط، فضلًا عن أن احتمالية أن بعض الإناث كانت في مرحلة الاستعداد للتزاوج في أثناء إجراء الدراسة، قد تُفسر هذا القدر الأكبر من التباين.

تُسلِّط التجربة الضوء على تزايُد الاعتراف باعتماد الدماغ على المساعدة من خارج منطقة الخلايا العصبية المحظورة هذه، ويرى الباحثون أن الكبد والقلب هما المصدر المرجح لبروتين «كلسترين»، إذ تُلمح هذه النتائج ضمنيًّا إلى أنَّ هذين العضوين كليهما يُعدان من مصادر الجزئيات النافعة الناجمة عن النشاط البدني، على حد قول دي ميجول، التي تضيف موضحةً: "يبدو أنها جميعًا تتحدث إلى الدماغ".

من جانبه يذكر فيليدا أن جهد فريقه البحثي فيما يخص تأثير بلازما الفئران الراكضة في الفئران المتقدمة في السن، يُلمح ضمنيًّا إلى الكبد أيضًا، فهذا العضو يُنتج إنزيمًا مرتبطًا بتحسين القدرة الإدراكية لدى تلك الحيوانات، وهو الإنزيم ذاته الذي ازدادت نسبته في دماء كبار السن النشطين، غير أنه يوضح أن علاقة الكبد هذه "كانت بمنزلة مفاجأة لنا؛ لأن هذا ليس محور تركيزنا عادةً عند التفكير في شأن التمرينات الرياضية"، ومع ذلك، فبفضل علاقة الكبد هذه "بدأت هذه الآليات تلتقي معًا في حيزٍ متماثل".

يرتبط النشاط البدني ارتباطًا وثيقًا بالصحة الجيدة، غير أن الإفراط في ممارسة التمرينات الرياضية أمرٌ وارد، وثمة تلميحاتٌ تُفيد بأن بعض الأشخاص الذين ينخرطون في ممارسة النشاط البدني العنيف للغاية قد تزداد لديهم مخاطر الإصابة بالتصلب الجانبي الضموري، وهنا تحذر دي ميجول قائلةً: "لدينا بعض المعلومات التي تُشير إلى أن الإفراط في ممارسة التمرينات الرياضية من الممكن أن يؤدي إلى تدهور بعض الاستجابات المناعية لدى المرء، وأن تجعله عرضةً للإصابة بالعدوى الانتهازية".

لكن كيف يُستفاد من «بلازما ممارسة الركض» كعلاجٍ في حال تأكدت لدى البشر هذه التأثيرات التي ظهرت لدى الفئران؟ يجيب فيليدا بقوله: "لقد أصبحت أكثر تفاؤلًا الآن مما كنت عليه حينما أنشأتُ مختبري، فقد كان من الصعب التفكير في إمكانية التعرُّف على كل هذه العوامل، أما الآن، فلدينا مرشحون، وبوجودهم يصبح بمقدورنا أن نبدأ التفكير في كيفية تطوُّر الجزيئات الصغيرة".

من جهتها تقول دي ميجول إن أول خطوة محتملة قد تتمثَّل في إجراء الاختبارات لمعرفة أي بروتوكولات التمرينات الرياضية يحقق أكبر زيادة في نسب البروتينات التي تُفيد الدماغ، فكما هي الحال مع الفئران، بمقدور أي شخصٍ بحاجةٍ إلى ممارسة الرياضة لتعزيز قوة الدماغ أن يحصل فحسب على حقنة «بلازما ممارسي الركض»، ليحظى بالفوائد التي يجنيها ممارسو الركض مع تجنُّب الألم الناتج عن ممارسة الرياضة.