يمكن أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجرد التعرّف على الوجه؛ إذ تحاول أحدث تقنياته أيضًا قراءة تعبيرات الوجه لتقييم مشاعر الشخص. لا يزال مثل هذه الأنظمة في مرحلة مبكرة نسبيًّا من التطور، كما أنها عرضةٌ لأخطاء جسيمة، ومع ذلك، فإن تصوُّر رؤيتها يومًا ما مُستخدَمةً على نطاق واسع يسبب القلق لمبرمج الحاسوب ومخرج الأفلام نوا ليفنسون. فيقول: "إننا نعطي لكل هذه الشركات حق الوصول غير المُقيّد إلى وجوهنا طوال الوقت؛ فنحن نستخدم تطبيقات مثل سناب شات لوضع المرشّحات على وجوهنا، كما نلتقط صور السيلفي وننشرها على إنستجرام، ونستخدم فيس تايم للتواصل مع بعضنا".
 

قرر ليفنسون أن يؤسس مشروعه السينمائي القادم على هذه الفكرة. ويقول عن ذلك: "بالنظر إلى إمكانيات الوصول الهائلة إلى وجوهنا التي نمنحها لهذه الشركات، فقد تساءلت ما الشيء الأكثر فظاعةً الذي يمكن –من الناحية النظرية- أن يفعلوه لإلحاق الضرر بنا؟". تخيّل ليفنسون احتمال عمل تلك الشركات على تحليل صور المستخدمين لتحديد مشاعرهم في كل صورة، ثم دمج نتائج هذا التحليل مع البيانات الأخرى لاستخلاص استنتاجات عامة حول أفكار الناس وتفضيلاتهم. ويطرح السؤال: "ماذا إذا ربطوا بين [التحليل العاطفي] والمُدخلات الأخرى: مثلًا، موقعك عبر النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS) أو ربما المحتوى الذي تشاهده؟ سيعرفون حينها معلومات عن انطباعاتك عن مكانٍ ما، أو شيءٍ ما، أو ربما شخصٍ ما، إذا فحصوا سجل النصوص الخاص بك". بعد ذلك، يمكن لعمالقة التقنية أن يفاجئونا ويبيعوا هذه البيانات المتعلقة بسلوكياتك وآرائك لأطراف أخرى.

لذلك، بدأ ليفنسون في البحث حول تقنية التعرُّف على المشاعر، وسرعان ما أدرك أن استخدامها ربما لا يكون افتراضيًّا تمامًا. يقول: "عندما بدأت البحث مستخدمًا محرك جوجل، عثرتُ على براءات اختراع تكشف عن أن شركات التقنية قد سبقتني نوعًا ما إلى ذلك. فقد اتضح لي أنهم كانوا يفكرون في الشيء نفسه بالضبط على مدار ما لا يقل عن خمس سنوات حتى الآن". وأدرج ليفنسون هذا البحث في «فيلمه الوثائقي التفاعلي» الجديد.

عندما يشاهد أحد الأشخاص فيديو «سرقة مشاعرك» Stealing Ur Feelings (المتوافر هنا) على الإنترنت، يظهر وجه المُشاهد –الذي تزيّنه نظارة شمسية افتراضية أو ملصقات رقمية أخرى– على الشاشة في الوقت نفسه مع الصور المُخزّنة مثل صور الحيوانات اللطيفة والبيتزا والبشر المختارين عشوائيًّا. تمر هذه الصور مسرعةً والراوي يشرح مبتهجًا كيف تعمل تقنية التعرُّف على المشاعر وكيف يمكن لشركات التقنية استخدامها. ولتوضيح ما يمكن لهذه التقنية أن تفعله، يقوم الفيديو بتطبيقها على المُشاهدين: عمل ليفنسون على تهيئة كود برمجي مفتوح المصدر في برنامج يستخدم كاميرا الويب بالجهاز لتحليل وجه المُشاهد في أثناء تفاعله مع الصور الأخرى التي تظهر على الشاشة.

بمعنى آخر، عندما تشاهد هذا الفيديو، فإنه يشاهدك مباشرةً هو الآخر. يقول فلوريان شاوب، الباحث في مجال الخصوصية والأستاذ المساعد بكلية المعلومات بجامعة ميشيغان، والذي لم يشارك في مشروع ليفنسون الجديد: "أعتقد أنها طريقة شائقة للغاية لشرح هذه القدرات، بل ولعرضها عمليًّا أيضًا". وبناءً على ردود أفعال المشاهد، يستخلص الفيلم الوثائقي استنتاجاتٍ في الزمن الحقيقي. تتراوح هذه الاستنتاجات من أمور واضحة (إلى أي مدى يميل المُشاهد للنظر إلى وجهه، ومتوسط نسق تعبيراته)، إلى أمور غريبة بعض الشيء (إلى أي حد يحب البيتزا أو الكلاب الصغيرة، وهل يفضّل النظر إلى الأشخاص ذوي البشرة البيضاء أو الداكنة)، وحتى الأمور الواقعية حقًّا (دخله المُقدّر ودرجة ذكائه).
 

يقول ليفنسون إنه كتب الأكواد البرمجية لمقطع الفيديو الذي تبلغ مدته ست دقائق من أجل تشغيله عن طريق متصفح الويب مع تجنُّب حفظ المعلومات، وبالتالي، فإن البيانات التي يلتقطها المقطع ستختفي عندما يغلق المشاهد النافذة. ومع ذلك، فإنه يشك في أن شركات التقنية ستمحو نتائجها بالسرعة نفسها. وليفنسون ليس الوحيد الذي يُقلقه هذا الاحتمال، فقد دعمت موزيلا -مطورة المتصفحات غير الهادفة للربح- مشروع «سرقة مشاعرك» بـ"جائزة الوسائط الإبداعية" التي تبلغ قيمتها 50,000 دولار أمريكي بعد أن قدم ليفنسون وصفًا ومسودة مبدئية للمشروع. كما أن موزيلا بصدد إرسال التماس إلى سناب شات، التي تقدمت بطلب للحصول على براءة اختراع للتعرُّف على المشاعر، تطلب منها إيضاح ما إذا كانت تطبّق هذه التقنية في الوقت الحالي على الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالمستخدمين. (في نهاية الفيلم الوثائقي، يمكن للمشاهدين أن يبتسموا عندما يُطلب منهم ذلك لإضافة توقيعهم على هذا الالتماس).

عندما تواصلنا مع شركة سناب المالكة لتطبيق سناب شات في محاولتنا للحصول على تعليق، أخذ ممثل الشركة يعدد بعض مبادئ وسياسات الشركة المتعلقة بالخصوصية، ولكنه رفض الإدلاء بتصريحٍ علني. ومع ذلك، يقول شاوب إن شروط وأحكام الخدمة التي توفرها بعض شركات التقنية لا تكشف بالضرورة عما إذا كانت الشركة تستخدم التعرّف على المشاعر أم لا. ويضيف شاوب أن سياسات الخصوصية قد تشير إلى أن الشركة تجمع بيانات المستخدم لتحسين خدماتها، ولكن هذه الإيضاحات نادرًا ما تقدم تفاصيل محددة حول المعلومات التي تجمعها الشركات بالضبط أو كيفية الاستفادة منها ماديًّا. ويستطرد شاوب: "إذا استخدموها ليعرضوا لك إعلانات بعينها، فقد يكون هذا شيئًا غريبًا بعض الشيء، ولكنني أعتقد أن الشيء الأكثر إثارةً للقلق سيكون إذا ما سمحوا لأشخاص آخرين باستهدافك بناءً على حالتك النفسية أو باعوا هذه المعلومات لسماسرة البيانات". بيت القصيد هو أن هذا النوع من تبادل المعلومات قائمٌ بالفعل. يختتم شاوب حديثه قائلًا: "عندما تزور موقعًا على الإنترنت أو تستخدم تطبيقًا على هاتفك الجوال، فغالبًا ما تتعقب 10-20 جهة خارجية مختلفة ما تفعله. ويوجد هذا الاقتصاد الكامل للبيانات مع الكثير من شركات الظل وسماسرة البيانات الذين لم تسمع بهم من قبل، ولا تجمعك بهم أي صلة، ومع ذلك، ينتهي بهم الأمر إلى جمع الكثير من البيانات الخاصة بك أو تلقّيها."