اقتنص إريك كو الفرصة للمساعدة في إجراء اختبار على أحد اللقاحات المضادة لمرض "كوفيد-19" COVID-19.

وبدعوةٍ منه، فعلَتْ صديقته وابنه وزوجة ابنه الشيء نفسه. وتلقَّوا جميعًا جرعات من اللقاح الأسبوع الماضي في مركز للأبحاث الإكلينيكية يقع في وسط فلوريدا.

يقول كو: "هدفي الرئيس من فعل ذلك هو أن أتمكن من قضاء المزيد من الوقت مع أسرتي وأحفادي"، مشيرًا إلى أنه منذ مارس الماضي لم يتمكن من رؤيتهم إلا من بعيد، ويكون ذلك خارج المنزل.

ويقول كو، وهو طبيب أمراض القلب البالغ من العمر 74 عامًا: "إن تلقِّي اللقاح لا يخلو من خطورة، لكنها أقل بكثير من خطورة الإصابة بالفيروس. أما أسوأ ما يمكن أن يحدث، فهو أن أتناول دواءً وهميًّا".

إن حِرص عائلة كو على أن يَهَبُوا أجسادهم للعلم، إنما يعكس الاهتمام العام واسع النطاق في المشاركة في المراحل الأخيرة للتجارب الإكلينيكية الرئيسية لأول لقاح من اللقاحين المُزمع العمل بهما في الولايات المتحدة.

بدأ العمل في إجراء تلك التجارب في السابع والعشرين من يوليو الماضي، ويأمل مطورو اللقاح استقطاب 60 ألف مواطن أمريكي، بغرض إشراكهم في عملية تجربة اللقاحين: أحدهما تُعِده شركة "فايزر" Pfizer الأمريكية وشركة "بيو إن تك" BioNTech الألمانية، والآخر تُعِده "موديرنا" Moderna، الشركة الناشئة المتخصصة في مجال التكنولوجيا البيولوجية. وبينما أظهرت الاختبارات المحدودة التي أُجريت أوائل هذا العام أن المواد الوقائية آمنة، وأنها نجحَتْ في تحفيز الجسم لتكوين أجسام مضادة للفيروس لدى المشاركين، تهدف المرحلة الثالثة من إجراء التجارب إلى إثبات تقليل اللقاح من مخاطر الإصابة بالعدوى.

ويذكر منظِّمو الاختبار أنه تحت وطأة هذه الجائحة التي ضربت الولايات المتحدة، وتسببت في إصابة حوالي 5 ملايين شخص بالعدوى، وما يقرب من 160 ألف وفاة، إضافةً إلى تأثيرها المدمِّر على الاقتصاد، اجتذبت تجارب اللقاح اهتمامًا أكبر بكثير مما هو معتاد فيما يتعلق بأي تجربة إكلينيكية مشابهة.

هذا بالإضافة إلى أن مراكز إجراء التجارب تدفع للمتطوع مبلغًا ماليًّا يصل إلى ألفي دولار أمريكي، من أجل استكمال الدراسة المقرر أن تستغرق عامين.

تقول إيلا جراتش، الرئيسة التنفيذية لشركة "إم ثري-وايك ريسيرش" M3-Wake Research، الواقعة في رالي بولاية نورث كارولينا، وهي الشركة التي تُجري تجارب اللقاحات في ستة مواقع: "ليس لدينا نقص في المتطوعين، بل لدينا الآلاف من الأشخاص ممن أبدوا اهتمامهم بالمشاركة".

أما بول إيفانز، رئيس شركة "فيلوسيتي كلينيكال ريسيرش" Velocity Clinical Research، التي يقع مقرُّها في دُرْهام بولاية نورث كارولينا، فيقول إن شركته تسعى إلى استقطاب أكثر من 10 آلاف متطوع في سبع ولايات، لإجراء تجارب على لقاحات مضادة لفيروس كورونا الجديد. وقد بدأت بالفعل أربعة مواقع على الأقل تابعة للشركة، في أوهايو وكاليفورنيا وأوريجون، بحقن المتطوعين باللقاح الذي تطوره "موديرنا".

يضيف إيفانز قائلًا: "كان حدثًا استثنائيًّا"؛ فاستقطاب المرضى يُعد من أكبر التحديات التي تواجه عملية إجراء التجارب، ولكن هذه المرة، أبدى المرضى حرصهم على قيد أسمائهم في قوائم إجراء هذه التجارب.

وزاد على ذلك بقوله: "لقد عملت في هذا المجال ثلاثين عامًا، ورأيتُ كيف أنَّ العثور على شخصٍ واحد مناسب لخوض تجارب اللقاحات، في حالة الأمراض الأخرى، كان يتطلَّب التواصل مع أربعة أشخاص، أو خمسة، أو ربما عشرة".

وثمة لقاحات مرشحة أخرى تخضع للتجريب خارج الولايات المتحدة، والمزيد من الاختبارات سوف ينطلق في الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا العام.

ويُسمح للأشخاص البالغين من العمر 18 عامًا أو أكثر، بالاشتراك في التجارب. كما تسعى "موديرنا" و"فايزر" Pfizer إلى إدراج الفئات الأكثر عُرضةً للإصابة بالمرض، مثل العاملين في القطاع الصحي، وكبار السن، والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثل مرض السكري والربو. ويسعى المنظمون كذلك إلى تسجيل الأشخاص ذوي البشرة السوداء، والذين ينحدرون من أصول لاتينية، وهم من الفئات التي تعرَّضت لضررٍ بالغ من جَرَّاء انتشار الفيروس.

وتعاقد مصنِّعو اللقاحات مع عشرات من مراكز إجراء البحوث الإكلينيكية في أنحاء البلاد، وشرع حوالي 15 منهم في عمليات تلقيح المتطوعين، ومن المرجَّح أن يستغرق حَقن جميع المتطوعين بالجرعة الأولى فترةً تمتدُّ حتى شهر سبتمبر المُقبل. وسوف يتلقى المشاركون جرعةً منشطةً بعد مُضيِّ حوالي شهر، ويُطلب من المشاركين الاحتفاظ بمذكرة إلكترونية لتسجيل أية أعراض. ولأن الفيروس منتشر على نطاق واسع في كافة أنحاء البلاد، يُتوقع أن تكون الدراسات قادرةً على ملاحظة الفروق بين معدلات الإصابة بالعدوى لدى الأشخاص الذين تلقوا اللقاح، والذين تلقوا الدواء الوهمي.

يقول خبراء الصحة الحكوميون إنهم يأملون في معرفة مدى فاعلية اللقاحين بحلول هذا الخريف. فإذا كانت التجارب ناجحة، فمن المرجح ألا يحصل أحد اللقاحين على موافقة فيدرالية بالبدء في عمليات التوزيع واسع النطاق قبل حلول العام القادم.

وسعيًا إلى تحديد مدى فاعلية اللقاح، سيتلقى نصف عدد المشاركين في التجارب اللقاح، أما النصف الآخر فيتلقى دواءً وهميًّا.

ويقول كو، المقيم في ليسبورج بولاية فلوريدا، إنه بعد تلقيه الجرعة يوم السبت، شعر بقشعريرة وتعب عام، واستمرت هذه الأعراض إلى ما بعد ظهيرة يوم الأحد. وأضاف قائلًا: "إنني على يقين بأني لم أتلقَّ دواءً وهميًّا؛ لأن المحلول الملحي العادي لن يسبب ذلك". غير أن زوجة ابنه، ليزا كو، التي تبلغ من العمر 46 عامًا، قالت إنها لم تشعر بأي رد فعل جسماني، سوى ألم في مكان الحقن.

وتقول: "نحن حريصون على تلقِّي اللقاح؛ لنمضي في حياتنا بشكلٍ طبيعي. إنني لست قلقة على صحتي بمقدار قلقي من نقل العدوى إلى أي شخص من الفئة المعرضة للمخاطر دون قصد".

ومن جهته، ذكر بروس رانكين، الباحث الطبي بمواقع "أكسيل ريسيرش سايتس" Accel Research Sites، في ديلاند بولاية فلوريدا، حيث تلقَّت عائلة كو جرعات اللقاح، أن عدد المتطوِّعين هناك من البالغين يزيد على ألف شخص.

تستقطب "أكسيل" المشاركين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك" Facebook و"إنستجرام" Instagram، ثم تُجري الفرز الأولي للمتطوعين بغرض التأكد من فهمهم لما تنطوي عليه عملية التلقيح، وكذلك لمعرفة تاريخهم المَرَضي، والحصول على معلومات ديموجرافية أخرى، مثل الأصل العِرقي.

وتقول جيني كابيوت، التي تبلغ من العمر 45 عامًا، وتعيش في فاييتفيل بولاية نورث كارولينا: "رأيتُ أنه من الرائع أن أشارك في أمرٍ كهذا، وأعتقد أن اللقاح آمنٌ بدرجة كبيرة، ولم يكن هناك الكثير لأخسره".

تعمل كابيوت في إدارة التسويق بأحد المستشفيات، وبالنظر إلى أنها مريضة بداء السكري، فهي تنتمي إلى إحدى الفئات المعرضة لخطر الإصابة بمضاعفات خطيرة في حال إصابتها بفيروس كورونا.

استغرقت زيارتها لموقع الاختبارات حوالي ثلاث ساعات، وبعدما ملأت الأوراق، سجل العاملون الصحيون درجة الحرارة وعلاماتها الحيوية الأخرى، ثم أخضعوها لاختبار الكشف عن "كوفيد-19" عبر مسحة أنفية، وسحبوا منها عينة دم. وبعدما تلقت جرعة اللقاح، كان عليها أن تنتظر في إحدى الغرف، حال شعورها بأي استجابة مناعية، ولكنها لم تشعر بأي آثار.

وبعد مرور يومين من تلقِّي اللقاح، قالت: "لم أشعر حتى بألم في ذراعي".

يتقاضى المتطوعون في ديلاند مبالغ مالية تصل إلى 1200 دولار أمريكي على مدى فترة التجارب، التي تبلغ عامين. كما يتقاضى كلٌّ من المشاركين في التجارب، التي تديرها "فيلوسيتي"، 1962 دولارًا أمريكيًّا، تعويضًا عن الوقت ونفقات السفر. ولكن إيفانز يذكر أن الكثيرين تحركهم دوافع الإيثار.

يضيف قائلًا: "ثمة أمران لا يغيبان عن المشاركين: أولهما، أنه لا بد من المضي في هذا الطريق من أجل التوصُّل إلى علاجٍ أو حل كامل للجائحة. والثاني، أن ثمة فرصة مواتية، تتمثل في أنهم إذا ما حصلوا على اللقاح النشط، فقد تحصَّنوا ضد المرض".

ومع ذلك، فليس الجميع متلهفًا على المشاركة في اختبار لقاح غير مثبت الفاعلية بعد.

تذكر أتويا آدامز، الباحثة الرئيسة في "إيه بي كلينيكال ترايلز" AB Clinical Trials، والتي تعكف على تجريب لقاح "موديرنا" في لاس فيجاس، أن جهود استقطاب المرضى هناك توصلت إلى أن بعض الأشخاص يشعرون بالتشكك، أو الارتباك، فتصوروا بشكل خطأ أنهم قد يُصابون بعدوى "كوفيد-19" إثر تلقيهم اللقاح.

وتضيف أن اللقاح لا يحتوي على فيروس نشط، وإن كانت دراسات أُجريت على نطاق أصغر في وقت سابق، قد كشفَتْ عن القليل من المشكلات الرئيسية فيما يتعلق باعتبارات أمان اللقاحات.

أمضَتْ آدامز الكثير من الوقت على الهاتف، لتفسر للمتصلين أن اللقاح آمن، وأن لدى المتطوعين حاجة إلى التأكد من فاعلية اللقاح. مضيفةً: "كان عليَّ أن أقول حرفيًّا للمرضى، في مرحلة الفرز الأولي، إن اللقاح آمن، وإن لديَّ من الاطمئنان ما يكفي لتناوله بنفسي، أو إعطائه لأسرتي".

وتأمل جامعة جورج واشنطن، بواشنطن العاصمة، أن تضم 500 شخص إلى موقع التجارب التابع لها، كما تلقَّت الجامعة استفسارات من عدد مماثل على الأقل، في الأسبوع الأول من عملية استقطاب المرضى.

"لقد كانت تجربةً مثيرةً للإعجاب حقًّا، وتعكس كيف أن الجميع يتفهمون الحاجة إلى وجود لقاح"، وفق قول ديفيد ديمرت، أستاذ الطب بكلية جورج واشنطن للطب والعلوم الصحية.

وللحصول على مجموعة من المشاركين المتنوعين إثنيًّا وعرقيًّا، تواصلت الجامعة مع بنوك الطعام والمجتمعات التي توفر العيش المستقل لكبار السن، والكنائس، بحثًا عن متطوعين، ومن الممكن أن يتقاضى كل مشترك حوالي 1100 دولار أمريكي.

وقد أثارت عيادة "هاتيزبورج كلينيك" Hattiesburg Clinic، في مسيسيبي، اهتمامًا بالغًا بالمشاركة في تجارب اللقاحات في أوساط المتطوعين المحتملين، وبخاصة بين موظفي الرعاية الصحية.

ويقول رامبود روهباكش، كبير الباحثين في "ميديسينك كلينيكال ريسيرتش" MediSync Clinical Research، الذي يُعد المركز الوحيد لإجراء تجارب لقاح "موديرنا" في ولاية ميسيسيبي: "يغلِبُ على مقدمي الرعاية للمرضى المصابين بكورونا خوفٌ بالغ من انتقال العدوى إليهم".

لا يتوقع روهباكش حدوث صعوبات فيما يتعلق باستقطاب الأشخاص المعرضين لمخاطر مضاعفات مرض "كوفيد-19"، وذلك يتضمن أولئك الذين يُعانون من السمنة، أو مرض السكري، أو أمراض القلب، مضيفًا: "هناك كثيرٌ ممن ينتمون إلى تلك الفئات المعرضة للخطر بدرجة كبيرة في جنوب ولاية ميسيسيبي".

"كايزر هيلث نيوز" Kaiser Health News، هي خدمة إخبارية غير هادفة إلى الربح، تغطي مجال القضايا الصحية، وهي برنامج مستقل تحريريًّا تابع لـ "كايزر فاميلي فاونديشن" Kaiser Family Foundation، التي لا تربطها علاقة بـ"كايزر بيرمينانت".