تطلبت أصغر وأدقّ عملية قياس أُجريت على الإطلاق استخدام أحد أكبر الأجهزة العلمية التي أُنشئت على الإطلاق. قبل خمسة أعوام، اكتشف مرصد الأمواج الثقالية بالتداخل الليزري )ليجو (تموُّجًا في الزمكان بلغ فقط واحدًا من عشرة آلاف من عرض البروتون، وهو ما يمثل إنجازًا تقنيًّا استثنائيًّا يضاهي تحديد المسافة إلى أقرب نجم بدقة تبلغ ثلاثة أجزاء من الألف من السنتيمتر. كان التموُّج المتناهي الصغر موجةً ثقالية -تشوهًا في نسيج الكون نشأ عن اصطدام ثقبين أسودين على بُعد أكثر من مليار سنة ضوئية من الأرض.

وفقًا لنظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين، فإن تسارُع أي جسم ضخم يخلق موجات في الزمكان، مثلما تتسبب السفينة في إحداث أمواج في الماء. غير أن آينشتاين نفسه اعتقد أن الموجات الثقالية ستكون أضعف من أن تُكتشف. ولم يكن تشاؤمه غير مُسوَّغ؛ فقد استغرق الأمر 13 عامًا حتى تمكّنت مقاييس التداخل بمرصد ليجو -التي يبلغ طولها أربعة كيلومترات، والتي اكتملت في عام 1999 وبدأت في البحث عن الموجات في 2001- من اكتشاف واحدة أخيرًا. وقد كان هذا الاكتشاف بمنزلة بداية لمجال جديد من علم الفلك، وأثمر عن حصول ثلاثة من فيزيائيي المرصد على جائزة نوبل. ومنذ ذلك الحين، كشفت التجربة عما يقرب من اثني عشر حدثًا آخر من الموجات الثقالية. الآن، بينما يواصل مرصد ليجو تقدُّمه بخطى ثابتة، توصّل فريق من علماء الفيزياء إلى طريقة لبناء كاشف موجات ثقالية محمول بطول متر واحد فقط، أي أصغر من مرصد ليجو بمقدار 4000 مرة.

يصف المُقترَح -الذي سيُنشر قريبًا في دورية "نيو جورنال أوف فيزيكس" New Journal of Physics- جهاز كاشف موجات ثقالية يستغل ظاهرة ميكانيكية كمّية غريبة للكشف عن مرور موجة ثقالية. ويقول جافين مورلي، الفيزيائي بجامعة ووريك في إنجلترا وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة: "إن أول وأهم شيء ينبغي معرفته من الناحية التجريبية هو أن بناءه سيكون أمرًا صعبًا بشكل غير عادي". ولكن إذا نجح الفريق، فسيوفر الجهاز الجديد وسيلةً أصغر كثيرًا لاكتشاف الموجات الثقالية، يمكن استنساخها في العديد من المختبرات حول العالم.

موجات يُلغي بعضها بعضًا

يطلق الفيزيائيون على جهازهم المُقترح "التداخل الميزوسكوبي للنظام المتري والانحناء"(Mesoscopic Interference for Metric and Curvature (MIMAC) ). ورغم التفاوتات الهائلة في الحجم، يبحث كلٌّ من جهاز التداخل الميزوسكوبي ومرصد ليجو عن التأثير نفسه: التمدد والتقلص الإيقاعي للزمكان بسبب موجة ثقالية تنتقل بسرعة الضوء.

في حالة مرصد ليجو، أُنشئ جهازان متطابقان -أحدهما في ليفينجستون بلوس أنجلوس، والآخر في هانفورد بواشنطن- وذلك لاستبعاد الإشارات الزائفة الناجمة عن تأثيرات الجاذبية المحلية. ويشتمل كل موقع على حجرتين مُفرّغتين بطول أربعة كيلومترات تلتقي بزاوية 90 درجة لتكوِّن حرف L كبيرًا على الأرض. توجد مرايا تزن 40 كيلوجرامًا مصنوعة من السيليكا شديدة النقاء عند طرفي كلٍّ من الحجرتين المُفرّغتين. يتدفق شعاع ليزر باستمرار جيئةً وذهابًا بين المرايا، إذ يُرصَد بواسطة كاشف ضوئي في ركن الحرف .L

صُمّم مرصد ليجو بحيث أنه، في الظروف العادية، موجات الضوء من كل ذراع يلغي بعضها بعضًا عند التقائها عند الكاشف الضوئي، فلا تصل أي إشارة إلى الكاشف؛ نظرًا لتداخل القمم والقيعان من ضوء كل ذراع. ولكن إذا مرت موجة ثقالية عبر الذراعين، ينجم عن ذلك تمدد أحدهما وانضغاط الآخر بشكل دوري، ما يؤدي إلى تغيُّر طولهما بجزء من قطر البروتون، وعندئذٍ لا تلغي موجات الضوء بعضها بعضًا، فترسل نبضات ضوئية إلى الكاشف بالتزامن مع الموجة الثقالية العابرة، مما يؤدي إلى ظهور نمط وميض مميز.

كيف يمكن إذًا لجهاز طوله متر واحد أن يؤدي الوظيفة نفسها؟ سيكون المكوّن الرئيسي في جهاز التداخل الميزوسكوبي هو جسيم من الماس لا تتجاوز أبعاده جزءًا من المليون من المتر. يريد الباحثون وضع مثل هذه الماسة في حالة تراكب كمِّي -وهي حالة يشغل فيها الماس موقعين مختلفين في وقت واحد- ثم ينتظرون تفاعله مع موجة ثقالية.

ماس معيب

بالإضافة إلى مورلي، يضم الفريق سوجاتو بوز، وبيتر باركر، وريان مارشمان، وجميعهم من كلية لندن الجامعية، بالإضافة إلى أنوبام مازومدار وستيفن هوكسترا، وكلاهما من جامعة خرونينجن في هولندا. ولتحقيق التراكب، يُسلّط الفريق موجات ميكروية على إلكترون واحد مرتبط بخلل مُختلَق في شبكة الماس البلورية التي تنتظم فيها ذرات الكربون. (يتألف الخلل من ذرة نيتروجين واحدة يتم إدخالها إلى المصفوفة المنتظمة لذرات الكربون). بعد ذلك تبدأ القواعد الاستثنائية لنظرية الكمّ بالتدخل؛ إذ يمتص الإلكترون، ولا يمتص فوتون الموجات الميكروية، ما يخلق تراكبًا كميًّا في الماس. يتحول الإلكترون الموجود في شبيه الماس الذي امتص الفوتون إلى ما يسمى بحالة "اللف المِغزلي 1"، ما يعني أنه يتصرف مثل مغناطيس مُصغّر له مجال مغناطيسي خاص به. يبقى الإلكترون في النسخة الأخرى من الماس في حالة "اللف المِغزلي 0" -وهي حالة مُحايدة مغناطيسيًّا. يقول بوز وزملاؤه إنه بوضع مجال مغناطيسي خارجي، سيكون من الممكن سحب جزء "اللف المغزلي 1" من حالة التراكب بعيدًا عن نظيره المحايد، وإبعادهما عن بعضٍ بمسافة تصل إلى متر تقريبًا. وأخيرًا، سيعكس الفيزيائيون المجال المغناطيسي، ليُعيدوا وضعيْ الماس معًا من جديد، ويقذفوه بنبضة موجة ميكروية أخرى.

تُطلق هذه النبضة الأخيرة تأثيرًا كمِّيًّا غريبًا آخر. في عالم الكمّ، الجسيمات ليست جسيمات في حد ذاتها، إنها في الواقع موجات، ويطابق شكلها وحجمها احتمال العثور على "جسيم" في وضع معين. سيجري ضبط الدفقة الأخيرة من الموجة الميكروية لتغيّر شكل التراكب، بحيث تتداخل القمم والقيعان في حالة "اللف المِغزلي 1" ويلغي بعضها بعضًا، أما القمم في حالة "اللف المِغزلي 0" فتتداخل ويعزز بعضها بعضًا. وبالتالي، ففي غياب أي تدخل خارجي، فإن عملية قياس الإلكترون ستجده دائمًا في حالة "اللف المِغزلي 0".

ولكن أي موجة ثقالية تغمر الكاشف ستمدد التراكب، وتغيّر شكله بحيث لا تحتفظ مكوناته بالمحاذاة عند اتحادها من جديد. عندئذٍ ستؤدي قياسات التراكب المُشوّه إلى نتائج مختلطة، مع ظهور "اللف المِغزلي 1" في البيانات على نحوٍ متزامن مع تردد الموجة الثقالية.

هذا السيناريو يمثل النظرية على الأقل، وقد تستغرق عملية بناء نموذج ناجح عقودًا من الزمن. وصَف رون فولمان -فيزيائي تجريبي من جامعة بن جوريون في النقب في إسرائيل، ولم يشارك في المُقترح- الفكرة بأنها "جريئة". ويقول إن عزل النظام بحيث لا تتفاعل الجسيمات الكمّية مع البيئة سيمثل تحديًا كبيرًا، ويضيف: "إنها تجربة صعبة للغاية، ولكن بالإمكان تحقيقها خلال حياتنا، إذا ما كرّسنا الجهد الكافي لذلك".

سيتمثل أحد أكبر التحديات في إنشاء تراكبات من الماس يمكن أن تظل مستقرةً على مسافات تبلغ مترًا. قبل أكثر من أربع سنوات، تمكّن الباحثون في جامعة ستانفورد من فصل تراكب يتكون من 10,000 ذَرة بنحو نصف متر -والذي يُعدّ الرقم القياسي حاليًّا. ويقول مازومدار: "ولكننا نتحدث عن فعل ذلك في ماس يحتوي على مليار أو 10 مليارات ذرة، وهذا أمرٌ أصعب بكثير".

نجحت مجموعات بحثية مختلفة بشكل منفصل في تحقيق العديد من التقنيات الأخرى اللازمة لتصنيع الجهاز -مثل تقنيات التفريغ العالي، ودرجات الحرارة شديدة الانخفاض، والمجالات المغناطيسية التي يتم التحكم فيها بدقة- غير أن الجمع بين هذه التقنيات لن يكون سهلًا، يقول مورلي: "فقط لأنك أتقنت تقاذف الكرات وركوب الدراجة لا يعني أنك تستطيع فعل الاثنين معًا في الوقت نفسه".

إذا أمكن بناء هذا الجهاز في يومٍ من الأيام، فقد يمثِّل نقطة تحوّل في علم فلك الموجات الثقالية. جميع كاشفات الموجات الثقالية الحالية في العالم مثبّتة بإحكام إلى الأرض، ويقول بوز: "الاتجاه الوحيد الذي يمكن أن يأخذه كاشف ليجو يحدده دوران الأرض"، في حين أن كاشفًا صغيرًا مثل جهاز التداخل الميزوسكوبي، من ناحية أخرى، يمكن توجيهه في أي اتجاه في السماء، ويمكن وضعه في أي مختبر للفيزياء حول العالم. ويضيف بوز: "يتمثل التحدي الحقيقي في جعل جهاز من هذا النوع يعمل، فإذا عمل أحد هذه الأجهزة، سيكون من السهل جدًّا بناء المزيد منها."