قضت إحدى صديقاتنا (ولنُسمِّها روزا) عدة أسابيع مؤخرًا في إرسال رسائل عبر البريد الإلكتروني إلى أشخاصٍ لم تتواصل معهم من قبل وهم خريجو كلية إدارة الأعمال الذين أسَّسوا مشروعاتٍ ناجحة، روزا امرأة ذات بشرةٍ ملونة تتطَّلع لأن تصبح رائدة أعمال، وقد خططت للتقدم بطلب التحاقٍ بكلية إدارة الأعمال، أمَّلتْ روزا أن تُكوِّن شبكةً من المعارف أو أن تحصل على بعض النصائح المفيدة على أدنى تقدير، لكن معضلةً واجهتها: هل من الأفضل لها أن تذكر في رسائلها أنها امرأة وأنها تنتمي إلى جماعة من جماعات الأقليات العِرقية في مجال ريادة الأعمال، أم لا تُفصح عن هويتها على الإطلاق؟

اعترانا كذلك شيءٌ من الفضول؛ فبرغم كل شيء، فإن إفصاح روزا عن هويتها قد يكون له مردودٌ إيجابي على شخصيتها أو ربما يستثير ردَّ فعلٍ متحيِّزًا، لذلك قررنا استقصاء الأمر؛ فقد أجرينا استبانةً شارك فيها 200 شخص يُعرِّفون أنفسهم بأنهم سيدات أو أفراد أقليات عِرقية أو إثنية، وطرحنا عليهم سؤالًا بشأن ما سيفعلونه إذا هم وجدوا أنفسهم في موقف روزا، أفاد 35% فقط من المشاركين بأنهم سيُفصِحون عن هويتهم في طلبات الدعم الوظيفي، أما روزا نفسها، التي قررت في النهاية عدم الكشف عن هويتها، فقد أعربت عن مخاوف شاركها فيها عددٌ كبير من المشاركين في الاستبانة، وكان مفادها: "أخشى أن يُفسَّر إبراز هويتي على أنني مسكينةٌ أو شخصٌ يبحث عن الاهتمام أو امرأةٌ تستغل العِرق الذي تنحدر منه أو كونها أنثى".

هذه المخاوف لها ما يُسوِّغها؛ فقد أظهرت تجاربُ أُجريت على مدار عقودٍ عديدة أن النساء وأفراد الأقليات العِرقية الذين تكشف أسماؤهم عن هويتهم عادةً ما يتلقون عددًا أقل من الردود على البريد الإلكتروني أو طلبات التوظيف مقارنةً بالرجال البيض رغم تطابُق رسائل البريد الإلكتروني وطلبات الالتحاق بالوظيفة، فمجرد التوقيع على رسالة بريد إلكتروني باسم "آماندا كابوت" أو "ألما هيرنانديز" أو "ديشون واشنطن" يجعل الآخرين يفترضون أنهم يعرفون عِرقك أو جماعتك الإثنية أو نوعك الجنسي، وإذا كان التوقيع وحده يُقلل من احتمالية رد شخص على رسالةٍ ما، فمن المنطقي أن تشعر بالقلق بأن تسليط المزيد من الضوء على هويتك المُهمَّشة قد يؤدي إلى نتائج أسوأ.

لكن دراسةً بحثيةً أجريناها مؤخرًا تُشير إلى أنه في كثير من الأحيان يكون العكس صحيحًا؛ فقد وجدنا أنه عند التماسِك مساعدةً مهنية، فإن إفصاحك بوضوحٍ عن هويتك التي تحظى بتمثيلٍ غير كافٍ يمكن أن يحقق لك نفعًا.

اختبرنا هذه الفكرة للمرة الأولى في تجربةٍ كبيرة مع مسؤولين محليين منتخبين، فأرسلنا رسائل تعارُف عبر البريد الإلكتروني إلى 2476 عضوًا من أعضاء مجالس المدن البيض في 701 مدينة أمريكية، من بينها مدن عملاقة مثل مدينة نيويورك وأخرى صغيرة مثل بنتونفيل، بولاية أركنساس، بدت رسائل البريد الإلكتروني وكأنها مُرسلةٌ من طلابٍ يسعون للحصول على مشورةٍ بشأن الدخول في عالم السياسة، (في حقيقة الأمر، كان هؤلاء الطلاب وهميين)، ونوَّعنا مُرسلي الرسائل مستعينين بأسماءٍ تشير إلى أنهم رجالٌ بيض (مثل "هانتر أندرسون")، ونساءٌ بيضاوات (مثل "أبيجيل ميلر")، ورجالٌ سود (مثل "تايرون روبنسون")، وسيداتٌ سوداوات (مثل "آليا هاريس")، أو لاتينيون (مثل "أليخاندرو جوتيريز") أو لاتينياتٌ (مثل "كاميلا رودريجيز")، كانت جميع رسائل البريد الإلكتروني متطابقةً باستثناء شيءٍ واحد، في بعض الرسائل، ذُكرت هوية المُرسِل الوهمي صراحةً ولم تُذكَر في بعضها الآخر.

أرسلنا رسائل البريد الإلكتروني صبيحة أحد أيام الثلاثاء، وفي غضون أسبوعٍ واحد، تلقينا ردود ما يقرب من ثلث السياسيين الذين تواصلنا معهم، كانت معدلات الرد على رسائل البريد الإلكتروني المرسلة من أسماءٍ تُعتبر أسماءً لرجالٍ بيض متشابهة، سواء أفادوا بأنهم "شباب" أو ذكروا نوعهم الجنسي بوصف أنفسهم بأنهم "شباب"، (لم نستخدم رسائل تُشير مباشرةً إلى الهوية العِرقية للمُرسلين البيض؛ لأن النتائج الأولية تُشير إلى أن مُتسلِّمي الرسائل سيربطون الأمر بالقومية البيضاء).

صارت الأمور أكثر إثارةً للاهتمام حين أجرينا تحليلًا للردود على الرسائل المُرسَلة من سيداتٍ وأفراد جماعة من جماعات الأقليات العِرقية أو الإثنية، عندما ذُكرت هويةُ الإناث أو أعضاء الأقليات بشكلٍ صريح في الرسائل، زادت احتمالية تلقيهم الرد بنسبة تزيد على 24%، مقارنةً برسائل البريد الإلكتروني التي تحمل التوقيع نفسه لكنها لم تذكر الهوية، كذلك تلقت رسائل البريد الإلكتروني التي ذكرت الهوية ردودًا أعلى جودةً؛ فقد رد السياسيون عليها برسائل أطول بنحو 32%، كما زادت احتمالية عرضهم إجراء مكالمة هاتفية أو اجتماع مع المُرسِل بنسبة 39%.

لكن المدهش في الأمر أن الرجال السود جَنوا فائدةً أكبر بكشفهم عن هويتهم؛ فقد زادت احتماليةُ رد السياسيين عليهم بنسبة 60% عندما طلبوا من أعضاء المجلس أن يشتمل الرد على "نصائح موجزة لشابٍ أسود يأمل أن يصبح يومًا ما عضوًا في مجلس المدينة، مثلك"، لم يتغير هذا التأثير بصرف النظر عن ميول السياسيين الأيديولوجية أو قرب انعقاد جولات إعادة الانتخاب، إضافةً إلى ذلك، كان من المرجح أن يعود ذكرُ الهوية بالفائدة على النساء وأفراد جماعات الأقليات العِرقية أو الإثنية في المدن التي صوتت لصالح دونالد ترامب في عام 2016 كما هي الحال في المدن التي صوتت لصالح هيلاري كلينتون، كذلك لم يتغير هذا التأثير بصرف النظر عن حجم المدينة أو تنوُّعها الديموجرافي أو قوة اقتصادها.

ولا تقتصر هذه الآثار على السياسيين، بل تمتد إلى غيرهم، ففي تجربةٍ أخرى، أرسلنا إلى 1169 طالبًا جامعيًّا بإحدى جامعات رابطة اللبلاب Ivy League رسالةً عبر البريد الإلكتروني من طالب دراسات عليا أسود (وهمي) يدعى ديماركوس ريفرز، يطلب المساعدة في بحثٍ يُجريه لرسالة الدكتوراة، وبعيدًا عن النوع الجنسي لمُتسلمي الرسالة أو أعراقهم أو ميولهم السياسية، عندما وصف ديماركوس نفسه بأنه "رجل أسود يسعى للحصول على درجة الدكتوراة"، زادت احتمالية أن يتطوع الطلاب لمساعدته بمقدار الضِّعف تقريبًا.

لماذا يُعد من الأهمية بمكانٍ أن تذكري أنكِ "امرأةٌ تعمل في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات"، أو أنكَ "رجلٌ أسود يدرس القانون"؟ تُشير دراستنا البحثية إلى أن لفت الانتباه إلى هويتك المُهمَّشة أو وضعك كأحد أفراد جماعةٍ معينة من جماعات الأقلية يُذكِّر مُتسلمي رسالتك بأن التحيُّز قد يؤثر على قرارهم، وهذه التذكِرة قد تُحفِّزهم بدورها على مراقبة رد فعلهم جيدًا والتصرف بقدرٍ أكبر من التعاون؛ فمعظم الأمريكيين يرغبون في تجنُّب الظهور بمظهر المُتحيِّز أو الشعور بأنهم مُتحيِّزون، سواء كان هدفهم هو التمسك بقيَمهم أو الحفاظ على سمعتهم، إن مساعدة شخصٍ يُعرِّف نفسه صراحةً بأنه ينتمي إلى مجتمعٍ لا يحظى بالتمثيل الكافي أو مجتمعٍ محروم قد يُمثِّل فرصةً تُثبت من خلالها لنفسك أو للآخرين أنك تدعم النساء والأقليات العِرقية والإثنية وبالتالي لست مُتحيِزًا، قد يكون التفسير المتفائل لنتائجنا أن الناس يحتاجون فقط إلى القليل من التنبيه للتصرف بطريقة تنسجم مع قيَمهم.

لكن التحيُّز موجودٌ، وله بالفعل تأثيراتُه السلبية على حياة الناس المهنية؛ إذ تُشير دراساتٌ بحثية أجراها باحثون آخرون إلى أن النساء وأفراد جماعات الأقليات العِرقية الذين تُفصح أسماؤهم أو سيرهم الذاتية عن هوياتهم يمكن أن يستفيدوا من إخفاء نوعهم الجنسي أو عِرقهم عند إخضاعهم للتقييم حال تقدُّمهم لوظيفة، على سبيل المثال، توصلت دراسةٌ إلى أن الآسيويين المتقدمين للوظائف حققوا نتائج أفضل في بحثهم عن الوظائف في الولايات المتحدة عندما "أضفوا طابعًا أمريكيًّا" على أسمائهم واهتماماتهم، مثل تغيير اسمهم من "لاي" إلى "لوك"، أو الإتيان على ذكر هواياتٍ غربية شهيرة في سيرهم الذاتية، مثل التزلج على الجليد.

قد يبدو أن هذه النتيجة تتعارض مع نتائج دراستنا البحثية، لكن التفسير الأكثر دقةً أن هذه الدراسات تُشير جميعُها إلى مخاطر ترك الاسم وحده يُعبِّر عن الهوية؛ فنظرًا إلى أن التمييز الجنسي والعنصرية وغيرهما من أشكال التحيُّز الأخرى سلوكياتٌ شائعةٌ للغاية في أماكن العمل، فإن توقيعًا يكشف عن هويتك قد يؤدي إلى تصوراتٍ نمطية تؤدي بدورها إلى سلوكٍ تمييزي، ولذا فإن إخفاء هويتك يمكن أن يمنع استدعاء هذه التصورات النمطية من الأساس، وفي الوقت ذاته، تُقدِّم دراستُنا البحثية إستراتيجيةً أخرى لمعالجة المشكلة ذاتها، فيمكنك من خلال إبراز هويتك أن تُحفِّز الأشخاص على الانتباه إلى ردود أفعالهم المُتحيِّزة المحتملة وكبتها.

من الضروري ألا تتحمل النساء وأصحاب البشرة الملونة عبء الحد من التمييز، إلا أنه في عالمٍ ينتشر فيه التحيُّز وعدم الإنصاف، قد يكون مفيدًا أن تمتلك وسيلةً تُخفِّف من وطأة هذه العقبات.