مع قرب انتهاء عامي الجامعي الأخير بكلية دارتموث بالولايات المتحدة الأمريكية، تابعت أقراني يصطفون أمام مبنى الخدمات المهنية بالجامعة، في أثناء انتظارهم لإجراء مقابلات للحصول على وظائف بالشركات الكبرى، وقتها بدا لي وكأنهم جميعًا يرتدون الزي نفسه، الرجال سترات رسمية، والنساء فساتينَ داكنة، وقتها تذكرت أول يوم لي بالجامعة منذ أربعة أعوام عندما كنا جميعًا نرتدي ملابسَ بألوان متباينة ويحلم كلٌّ منا بمستقبل مختلف، عندئذٍ بدا لي وكأن التعليم الذي حصَّلناه قد حدّ من تفرُّدنا وقدرتنا على الخيال بدلًا من أن ينمِّي هذه الإمكانيات.

لم يكن هذا المشهد فريدًا من نوعه؛ ففي جميع أنحاء العالم، يدعم التعليم الرسمي الاقتصاد عن طريق توفير الموظفين الذين يسهمون في زيادة الإنتاجية، إذ يتمثل الغرض من التعليم في دعم آلة الاقتصاد وليس تبديل آليات عملها من الداخل، ولكن هذه الآلية أصبحت في الوقت الراهن تهدد بقاءنا ذاته؛ فإذا وصلت مستويات الاستهلاك في العالم أجمع إلى المستويات نفسها التي تشهدها الدول الغنية اليوم، فسوف نكون بحاجة إلى عدة كواكب بجانب كوكب الأرض لتوفير الموارد اللازمة للوفاء بهذا الطلب على الاستهلاك، إن نظامنا الاقتصادي يقوم على الفكرة المبتذلة المتمثلة في إمكانية تحقيق النمو اللامتناهي على أرض محدودة الإمكانيات.

وللحفاظ على استمرار عمل هذه الآلة، يظل على التعليم الرسمي أن يقدم "رأس مال بشريًّا" على أعلى قدر من الكفاءة، بينما تتبنى حضارتنا نهجًا لتعليم النشء يضع نصب عينيه رفع مقاييس الإنتاجية، مثل مؤشر الربح الذي يحققه كل موظف أو عائد الاستثمار، بدلًا من الاهتمام بتشجيع أوجه التفرُّد لدى الطلبة، وبينما تنادي أهداف التنمية المستدامة بتحويل التعليم إلى قوةٍ داعمةٍ للاستدامة، فإن ما يحدث غالبًا هو العكس، إذ نجد المجتمعات الأوروبية تتعامل مع التعليم بآليات من شأنها تعطيل قدرتنا على مواجهة الأزمة البيئية، ولكي نتخطى هذه الأزمة، نحتاج إلى أن ننمِّي خيالنا، لا أن نعطله.

خلال مسار رحلتي الدراسية، لم يساعدني التعليم في تنمية قدرتي على تخيُّل العالم بصورة مختلفة عن الصورة التي كنت أشهدها من حولي؛ فعندما كنت طفلًا أعيش في سلوفاكيا في فترة التسعينيات، كان عليَّ أن أحفظ كل كلمة في الكتب المدرسية، وبعد مرور عقود طويلة، أصبحت باحثًا في مجال التعليم، وبدأت أرى أطفالًا في أماكن أخرى يمرون بالتجربة نفسها، على سبيل المثال جوقة من الطلبة الهنود يكررون عبارات كتبتها معلمتهم على السبورة، أو طفل في جنوب أفريقيا يصرخ معلمه في وجهه لأنه لم يستطع الإجابة بالصيغة نفسها الواردة في الكتاب المدرسي، ما زال التعلم بالحفظ وإعاقة التفرد لدى الأطفال وغرس الانقياد بداخلهم سمات تشكل دعائم مفهوم التعليم في أغلب بقاع العالم.

يتفق الكثير من الخبراء على حاجتنا إلى نبذ مثل هذه المناهج في التعليم، بيد أن كبت الخيال لدى الأطفال لا يحدث فقط في المجتمعات التي تعاني نقصًا في الموارد أو النظم التعليمية البالية، بل إن المشكلة مستترة، وتزداد خطورتها داخل المؤسسات التعليمية "المتميزة" التي تروج لمفهوم "التفكير النقدي"؛ فباستثناء بعض المعلمين البارعين، لم أجد مَن يشجعني على تخيُّل مستقبل بديل للعالم خلال مدة دراستي الجامعية التي قضيتها في إحدى جامعات النخبة (المعروفة باسم "رابطة اللبلاب") أو خلال فترة الدراسات العليا في جامعتي أوكسفورد وكامبريدج البريطانيتين، ترغب هذه المؤسسات في رؤية خريجيها ناجحين، وهو نجاح يأتي في معظم الأحيان على هيئة الحفاظ على البنى القائمة، وليس تخيُّل بدائل للأسس التي بُنيت عليها.

وقد شهدنا خلال الأعوام الماضية جهودًا تسعى لتوحيد المناهج في جميع أنحاء العالم، وهي خطوات من شأنها نقل المفاهيم الغربية للنجاح الدراسي إلى باقي أنحاء العالم، تدفع هذه المفاهيم الدول المختلفة للتركيز على الارتقاء بالنتائج القابلة للقياس، مثل الإلمام بالقراءة والكتابة ومبادئ الحساب، مما يجعلها تتبنى الاختبارات الموحدة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) ، والتي على أساسها يتم تصنيف جودة النظم التعليمية حول العالم، وتبعًا لذلك، يصبح تحقيق المراكز الأولى في المنافسة على لقب النظام التعليمي الأكفأ مرتهنًا بأن يكون لدى النظام الفائز أكفأ عناصر القوى العاملة القادرة على الإسراع بوتيرة نمو الاقتصاد الوطني مستقبلًا.

تخرّج لنا أنظمتنا التعليمية "الكفء" والموحدة والمدفوعة بمقاييس معيارية بالضرورة أطفالًا متطابقين مع نماذج الذكاء الاصطناعي، يمثل لنا نموذج الذكاء الاصطناعي صورة "العامل المثالي" الذي يزيد من إنتاجيته بصفة مستمرة ولكنه لا يتصدى للبنى الأكبر التي يعمل بداخلها، يُعد هذا الأمر من أكبر المتناقضات في زمننا هذا، وهو أننا نستثمر أموالًا ضخمة في اختراع حواسيب فائقة وتصنيعها، وفي الوقت ذاته نهمش من قدرة ملايين الأدمغة البشرية على التخيُّل.

إن حرصنا على تقديم حلول تكنولوجية للتحديات التي تواجهها حضارتنا هو ما يدفعنا لتبنِّي منهجيات بعينها في التعليم، وهانحن نلحظ في الوقت الراهن تزايُد أعداد الطلاب الذين يدرسون العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الجامعات البريطانية أكثر من أي وقت مضى، إذ شهد العقد الماضي زيادةً في معدلات الالتحاق بمقررات الذكاء الاصطناعي في الجامعات بنسبة 400%، ومقارنةً بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، نجد تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانيات لا تحصل في الأغلب على التمويل الكافي، ودائمًا ما ينظر إليها واضعو السياسات والجمهور نظرةً دونية، ولكن هذا الوضع يأتي بنتائج عكسية؛ لأن مجالات الدراسة الأخرى، غير العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، تؤدي دورًا كبيرًا في تطوير قدرتنا على تخيُّل عالم بديل.

وقد بلغ بنا الحال أننا نعلق آمالنا في حل الأزمة البيئية على الذكاء الاصطناعي، إذ نستخدم التعلم الآلي لتطوير شبكات الطاقة وتتبُّع استخدامات الأراضي من خلال صور الأقمار الصناعية وكذلك توقع التقلبات الحادة في الطقس، ولكن الذكاء الاصطناعي -شأنه في ذلك شأن غيره من أشكال التكنولوجيا- لا يمكنه سوى علاج أعراض الأزمة البيئية دون التعمق في أسبابها، تلك الأسباب الناجمة عن غرورنا وتجاهلنا لتأثيرنا الضار على الكوكب، لن تمكِّننا الحواسيب من إيجاد حلول لنقاط الضعف التي تنتشر في سياساتنا وثقافاتنا، والتي تفاقم من الأزمة البيئية.

وعلى مر التاريخ، نجد أن هؤلاء الذين نجحوا في تحقيق تغيير حقيقي في عالمنا عن طريق مواجهة مواطن الخلل الأساسية في مجتمعاتنا هم مَن اعتمدوا على خيالهم؛ ففي مسقط رأسي تشيكوسلوفاكيا، احتفظ معارضو النظام الشيوعي بحلمهم بالديمقراطية حيًّا عقودًا طويلة، بفضل قدراتهم على تخيُّل المستقبل بصور بديلة، وفي جنوب أفريقيا في ظل الفصل العنصري، كان أتباع نيلسون مانديلا يغالون في استخدام خيالهم في خلق رؤية لمجتمع أكثر عدالة، إن تخيُّل الديمقراطية في ظل نظام استبدادي لا يختلف كثيرًا عن تخيُّل واقع بديل يتحقق فيه هدف خفض النمو المطَّرد في عالم يسعى إلى نموٍّ لامتناهٍ.

لم يكن ذكاء نيلسون مانديلا أو فاسلاف هافيل ذكاءً اصطناعيًّا، إذ إن القدرة على تخيُّل مستقبل بديل وخلخلة الأمر الواقع تبقى قدرات يتفرد بها البشر، وعلى عكس الذكاء الاصطناعي، يتمتع الأطفال بطبعهم بخيال خصب ويجنحون غريزيًّا نحو إثارة التساؤلات حول الأفكار الراسخة في المجتمع، وقد لاحظت في أبحاثي أن الأطفال الأصغر سنًّا هم الأكثر جموحًا في تخيُّل صور بديلة للمستقبل، ولكن مع تقدمهم في العمر يجنح خيالهم نحو الطابع العام الشائع الذي يحاكي التصور السائد لنموذج التقدم التكنولوجي في العالم.

طالما بقيت قدرتنا على التخيل عرضةً للتضييق والحجب، فسوف تظل أفكار مثل خفض النمو أو تحقيق العدالة بين الأجيال تبدو للكثيرين تافهةً وخيالية، إن تنمية الخيال تعني أن نتعلم ممن ساهموا في تغيير التاريخ، هؤلاء الذين جعلوا ما كنا نظنه مستحيلًا واقعًا ملموسًا، يتطلب ذلك أن نبتعد عن مناهجنا الموحدة، والمعايير القابلة للقياس، والأساليب التربوية الاستبدادية، كما يعني أن نقتفي الإلهام المستوطن في خيال الأطفال بدلًا من رفض الأفكار "الطفولية" الخاصة بمستقبل العالم.

وفي النظام التعليمي الذي يحتفي بالخيال، لا تقل أهمية الفن والإبداع عن أهمية الرياضيات والعلوم، كما أن هذا النظام يتيح للمعلمين تطوير أنفسهم والتعامل من منطلقات فلسفاتهم ومفاهيمهم التربوية، كما يتيح للأطفال تحديد مفهومهم للنجاح بأنفسهم، تتعايش القيم المثالية مع القيم البراجماتية في هذا النظام، في حين يصبح التعبير عن الآراء والإقدام على الفعل السياسي من ضمن أهداف التعليم، وليس خارجًا عنها، وقد ألهمت بعض هذه الأفكار بالفعل برامج دراسية حول العالم، مثل «مدارس الغابات» في أوروبا، و«مدارس الحياة» في الهند jeevanshalas، أو كلية شوماخر في المملكة المتحدة، ولكن تبقى هذه الأمثلة مجرد استثناءات.

الأزمة البيئية ليست أزمةً تكنولوجية أو علمية، إنها أزمة خيال، وإذا أفسحنا المجال أمام الأطفال ليرشدونا إلى الوجهة الصحيحة، فقد نستطيع تخيُّل طريقنا نحو النجاة.

هذا المقال مقال رأي وتحليل، ولا تعبر آراء المؤلف بالضرورة عن رؤية دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American.