أمضت ماريانا ماتوس أعوامًا في دراسة فضلات الأجسام البشرية كي تفهم ما يحدث بداخلنا على نحوٍ أفضل. إذ ساعدت خبيرة علم الأحياء الحاسوبي على ابتكار أجهزة شديدة التحمّل، في حجم صناديق نقل البضائع، يتسنّى إنزالها داخل البالوعات لتتدلّى أعلى مياه الصرف الصحي، وتمتصّ باستمرار عينات من تيار البول والبراز عبر أنبوب يشبه الشفّاطة.

شرعت ماتوس وزملاؤها بالأساس في البحث عن أثر للمواد الكيميائية الدالّة على تعاطي المخدّرات داخل البالوعات. لكن في فبراير الماضي، أفادت تقارير بأنه من الممكن تحديد البصمة الجينية لفيروس كورونا الجديد في براز البشر. ومن ثَمَّ، حوَّلت ماتوس وإحدى الشركات التي أسهمت في تأسيسها -وهي شركة «بَيوبوت أناليتكس» Biobot Analytics- دفّة انتباهها إلى تتبّع جائحة «كوفيد-19» COVID-19. وهاهم يأخذون عيّنات من مياه الصرف الصحي التي تم جلبها من 400 محطّة لمعالجة مياه الصرف الصحي، تغطّي –وفق ما تقول ماتوس- ما يقدّر بنحو 10% من عدد سكان الولايات المتحدة.

يُعدُّ ذلك واحدًا من عشرات الجهود الشبيهة المبذولة حول العالم، في محاولة لمساعدة البلدان على تحسين تركيز تدابيرهم لاحتواء الأزمة، وذلك من خلال رسم صورة مكتملة عن أماكن انتشار الفيروس ومدى تفشّيه. يقول إيان بيبر، خبير علم الأحياء الدقيقة البيئي بجامعة أريزونا، الذي يدرس مُسببات الأمراض في مياه الصرف الصحي بالولاية: "ثمّة أمر مجهول كليًّا في هذه اللحظة، بسبب محدودية الاختبارات حتّى الآن في الولايات المتّحدة؛ فلا يوجد مَن لديه أدنى فكرة عن عدد المصابين الذين لم تظهر عليهم أعراض. لا يعرف أحدٌ شيئًا عنهم على الإطلاق".

إن إجراء الاختبارات التشخيصية المعمول بها حاليًّا على مجتمعٍ بأسره أمرٌ غير عملي. كما تفتقر تلك الاختبارات إلى التوزيع المنصف. يستخدم الجميع دورات المياه، وبالتالي، فإن أخذ عيّنات من مياه الصرف الصحي يتيح اختبار وجود فيروس كورونا الجديد لدى ملايين الأشخاص دفعةً واحدة، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، أو قدرتهم على تلقّي الرعاية الصحية. وتقول ماتوس: "إن بياناتنا بطبيعتها تُجمع ويبقى مصدرها مجهولًا في صورتها الخام الأولى".

رغم ذلك، فإن ثمّة قيودًا تَحُدُّ من إمكانية تطبيق هذا النهج على الجائحة الحالية. إذ لا يمكن لتلك التقنية إخبار علماء الأوبئة على نحوٍ قاطع بما إذا كان المجتمع بأكمله خاليًا من الفيروس. ولكنها قد تُمثِّل سبيلًا أسرع لاكتشاف بؤر مُستقبلية تظهر بالتزامن مع إلغاء تدابير الإغلاق التي فُرِضَت على مناطق في البلاد. وقد يعزِّز ذلك النهج أيضًا مجال علم الأوبئة القائم على مياه الصرف الصحي - وهو مجال محدود حاليًّا، لكنه في تطور- وتوسيع نطاقه ليتسنّى به اكتشاف أمراض أخرى.

تحذير مُبكِّر

لا يمكن لمُسبِّب المرض الذي يُسفر عن عدوى كوفيد-19 نسخ نفسه بنفسه كما هو الحال لدى الفيروسات الأخرى، وبدلًا من ذلك، يتسلل إلى الخلايا الحيّة -ومن بينها تلك التي تُبطِّن الأمعاء البشرية- ويستعين بها لمضاعفة حِمضه النووي الريبوزي (RNA). وتتدفّق جزيئات الحمض النووي الريبوزي الخاصّة بالفيروس لاحقًا في سوائل أجسام المصابين بالعدوى، ومنها اللعاب، والمخاط، والبراز، والتي ينتهي الحال بها في مياه الصرف الصحي، حيث يمكن العثور عليها بمستويات عالية تكفي لاكتشافها.

إن أخذ عيّنات جزيئات الحمض النووي الريبوزي من مياه الصرف الصحي من شأنه مساعدة الباحثين على إجراء عدّة أمور، منها -على سبيل المثال- تسجيل التسلسل الجيني لفيروس كورونا الجديد، لمعرفة كيفية تَحوّر السلالات المختلفة وتغيّرها بمرور الوقت. تتيح هذه الدراسة التحليلية للباحثين تتبُّع انتشار مُسببات المرض، وتغطية جميع السلالات المنتشرة، وتفَحُّص "الأصل الفيروسي" لها. في نسخة من دراسة حديثة لم تخضع بعدُ لمراجعة الأقران، يُرجّح علماء الأحياء الدقيقة أن السلالة السائدة في العينات المأخوذة من مياه الصرف الصحي في إحدى مُدن ولاية مونتانا الأمريكية، قد انحدرت من سلالة فيروسية منتشرة في أوروبا.

ويجيب اختبار مياه الصرف الصحي عن سؤال بسيط حول وجود فيروس كورونا الجديد في أحد المجتمعات أو عَدمه، وذلك بطريقة التشخيص عينِها المُتّبعة لمعالجة عيّنات المسحة (والتي تؤخذ عادةً من أنوف الأفراد الخاضعين للفحص). يقول كيفن توماس، الأستاذ في جمعية كوينزلاند لعلوم الصحة البيئية في أستراليا: "نحن قادرون بالفعل على التحقق من وجود الفيروس أو عدمه، ويمكننا تطبيق تلك التقنية على نطاق واسع وبسرعة هائلة". وقد نشر توماس دراسةً تبرهن على تلك التقنية في دورية «علوم البيئة الكلّية» Science of the Total Environment، في أبريل الماضي. وكشفت مجموعة بحثية في إسبانيا، نشرت دراستها في دورية «بحوث المياه» Water Research، ثبوت وجود الفيروس في عيّنات أُخذت من المنطقة قبل ما يزيد على أسبوعين من تشخيص أيّة حالة إصابة بكوفيد-19 هُناك -حتّى في الأماكن التي شهدت انتشارًا محدودًا للفيروس. ويمكن لذاك الإنذار المبكّر إرشاد صانعي السياسات بشأن الموعد الملائم لرفع تدابير البقاء في المنازل، أو إعادة فرضها. وتقول ماتوس: "إذا بدأت معدّلات العدوى في الارتفاع من جديد في مناطقَ بعينها، بالتزامن مع بدء فتح المدن، فستكون تلك الملحوظة مهمّة للغاية".

وقد أحرز العمل تقدمًا إلى درجة تشهد مناقشاتٍ جادةً في بعض البلدان حول توسيع نطاق الرصد الحالي. وفي الولايات المتّحدة، ثمّة مناقشات حول تدشين برنامج رصدٍ قومي جديد. يقول فنسنت هيل، الباحث بقسم الوقاية من الأمراض المنقولة بالمياه لدى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة (CDC): إن الوكالة تتعاون في الوقت الراهن مع الباحثين للتحقق من موثوقية الاختبارات باستخدام هذه السُّبل وتوحيدها. مضيفًا: إن اختبارات فحص المياه لن تحلّ مطلقًا محلّ الفحوص الفردية المعتادة، إلا أنها مصدر قيّم وسريع لجمع البيانات حول السكّان بالكامل. وتتفق أنجلينا راسموسن -عالِم الفيروسات في جامعة كولومبيا- مع تلك الرؤية؛ إذ تقول: "أرى أن اختبار مياه الصرف الصحي أداة رصد ومراقبة محتملة، من شأنها المساعدة بشكلٍ خاص على صعيد إدارة الموارد المحدودة، مثل معدّات الوقاية الشخصية ومستلزمات إجراء الفحوص. ولكنّها ليست بديلًا للفحوص التشخيصية المعتادة وجهود علم الوبائيات بأيّة حال".

نتائج سلبية زائفة وأمور مجهولة

ثمّة أوجه قصور تعتري مدى نفع الكشف عن الفيروس في مياه الصرف الصحي، وتتمثّل إحدى المشكلات في أن الطبيعة الموحّدة لمياه الصرف الصحي على مستوى المحليات تعني عدم قدرة الباحثين على انتقاء المجتمعات الصغيرة الأكثر عرضةً للخطر على وجه الخصوص، مثل دور الرعاية، والمستشفيات، والسجون، ومصانع تعبئة اللحوم. وهناك مشكلة أخرى تكمُن في عدم اليقين بشأن التوقيت الذي يمكن خلاله الكشف عن الحمض النووي الريبوزي لفيروس سارس-كوف-2 (SARS-CoV-2) (وهو الاسم الرسمي للفيروس المسبب لعدوى «كوفيد-19») في البراز، عند بدء ظهور الأعراض. وما زال يتعيّن على العلماء إيضاح المدّة التي يستمر خلالها البشر في التخلّص من جزيئات الفيروس بعد التعافي من العدوى.

يقول توماس إنه لم يتضح أيضًا عدد نسخ الحمض النووي الريبوزي للفيروس، التي يتعيَّن وجودها في عَيِّنةٍ ما قبل اكتشافها. ووفق نموذج نشرته دورية «علوم البيئة الكلّية» في أبريل الماضي، فإن العيّنة الإيجابية من مياه الصرف قد تكشف عن حدوث عدوى واحدة بين 114 شخصًا فحسب، وصولًا إلى عددٍ هائل يبلغ مليوني شخصٍ. لكن دون معرفة الحدّ الأدنى من عدد النسخ اللازمة للوصول إلى نتيجة إيجابية، ثمة احتمالية أن يتمخّض الفحص عن نتائج سلبية مزيفة، مما يشير -على عكس حقيقة الأمر- إلى أن منطقةً ما خاليةٌ من عدوى كوفيد-19. ومن ثَمَّ، قد يشير اختبار مياه الصرف إلى وجود الفيروس في منطقةٍ ما، ولكنّه لا يجزم جزمًا قاطعًا بعدم وجوده. ولحلّ تلك المشكلة بحِنكة، يتتبّع العديد من الباحثين مدى التغيّر الذي يطرأ على العدد النسبي لجزيئات الحمض النووي الريبوزي الممكن اكتشافها في منطقةٍ بعينها، بمرور الوقت.

يقول ديفيد جونز، الباحث في علوم التربة والبيئة بجامعة بانجور في ويلز: إن تتبُّع تركيز الجزيئات هو الخطوة الأهمّ بالنسبة لعمليات الرصد على مستوى السكان. ويُعزى السبب في ذلك إلى أن تتبُّع تركيز الجزيئات يُساعد على رسم مسار الجائحة ومراقبة فاعلية تدابير الإغلاق. وتتخذ العديد من المجموعات البحثية -ومنهم ماتوس وزملاؤها- خطوةً إضافية؛ إذ يحاولون تقدير مدى التوافق بين تركيز الجسيمات الفيروسية في مياه الصرف الصحي، والانتشار الإجمالي للمرض على مستوى قطاع سكاني بعينه. وتحاول تلك التقديرات حساب العديد من المتغيّرات، منها التأثير المُخفِّف لهطول الأمطار، وصرف المياه الناجم عن العواصف.

في ورقة بحثية لم تُراجَع بعد، وما زالت في طور الخضوع لمراجعة الأقران، أشارت تقديرات مجموعة ماتوس إلى أنه في إحدى مناطق ولاية ماساتشوستس، بلغت نسبة الأشخاص المُرجّح إصابتهم بعدوى كوفيد-19 ما لا يقل عن خمسة أضعاف أعداد الذين ثبتت إصابتهم رسميًّا، وهو ما يُرجح وجود المزيد من الحالات غير المُشخّصة في المجتمع. وتوصّلت ورقة بحثية أحدث لم تُراجع بعد، أعدّتها مجموعة في ولاية كونيتيكت الأمريكية، إلى أنه في منطقة حضرية، ارتفعت مستويات تركيز جزيئات الحمض النووي الريبوزي قبل أسبوع تقريبًا من وصول حالات شُخصت إصابتها مؤخرًا بعدوى كوفيد-19.

يشير جوردان بيكيا -المهندس البيئي بجامعة ييل- إلى أنه ما زال من العسير تحديد العدد الإجمالي للمصابين بدقّة من خلال مياه الصرف الصحي فقط، بالأخص "لأن الاختبار (المعتاد) يقتصر على مَن تبدو عليهم أعراض الإصابة، ويعتزمون الخضوع للفحص".

في رأي المراقبين للأوضاع منذ فترة طويلة، يعكس استئناف الاهتمام بتلك التقنية نضجًا متناميًا لعلم الأوبئة القائم على مياه الصرف الصحي. مؤخرًا، رجّح كريستيان دوتون -وهو باحث متقاعد من وكالة حماية البيئة، وشارك في صياغة ورقة استعراض مؤثّرة في عام 1999- أن تكون الجائحة قد أدّت بالفعل إلى تلاشي بعض المخاوف التقليدية، كتلك المتعلقة بحقوق الخصوصية. إن الضرورة المُلِحّة للتعامل مع كوفيد-19 قد ساعدت على تأسيس أنظمة الرصد والمراقبة هذه، والتي لا يقتصر نفعها على المساعدة في الاستجابة لأزمة الجائحة فحسب، بل أيضًا في تتبُّع أمراض أخرى، وربما حتّى أمراض جديدة ستظهر في المستقبل. يقول إيان بيبر: "أظن أن مراقبة مياه الصرف الصحي ستصير أكثر رواجًا في أعقاب تجربة الاستعانة بها إبان تلك الجائحة".