يشترك أغلب المسجونين بتهم ارتكاب جرائم ضد الحياة البرية في نيبال في أمرين: أما الأول، فهو أنهم لا يستوعبون مدى فداحة جريمتهم، وأما الثاني، فهو أنهم ليس لديهم أدنى فكرة عن مدى عمق تأثير تلك الجرائم، ليس في حياتهم فحسب، بل في حياة عائلاتهم أيضًا. ففي مقابلات شخصية أُجريت مع أكثر من 100 شخص مدانين بجرائم قتل أو صيد غير مشروع في البرية، وجد الباحثون أن بعضهم فقدوا أعمالهم وأراضيهم عقب اعتقالهم، وأن عشرات الرجال تركتهم زوجاتهم، واضطر أطفال كثيرين منهم إلى الانقطاع عن الدراسة، وسافر أفراد من أُسَر بعضهم من أجل العمل في دول أخرى سعيًا للنجاة. ووجدت ابنة أحدهم نفسها محرومةً من فرصة الزواج بسبب وصمة عار جريمة أبيها، وقال آخر إن والدته انتحرت بسبب شعورها بالخزي.

يقول كومار بوديل، الذي قاد فريق البحث وشارك في تأسيس منظمة «جرينهوود نيبال» Greenhood Nepal وإدارتها، وهي منظمة غير ربحية معنية بالعلم وتُركِّز على الأبعاد الإنسانية لعملية الحفاظ على البيئة: "إن الناس يستخفون حقًّا بمخاطر الاعتقال، والأضرار الاجتماعية المترتبة على تلك العقوبة". وكومار بوديل طالب دراسات عليا في تخصص قيادة عملية الحفاظ على البيئة بجامعة كامبريدج.

كشف بوديل وزملاؤه النقاب عن الثغرات المتعلقة بالتوعية بالعقوبات المفروضة على الصيد غير المشروع، بوصف ذلك جزءًا من الجهود المبذولة لتحسين فهم الدوافع والتأثيرات على المعتقلين والمطاردين بسبب ارتكاب جرائم ضد الحياة البرية. ومثل هذه المعلومات مهم للغاية من أجل تصميم إستراتيجية ردع فعَّالة، وإن كانت غير مكتملة في كثير من الأحيان، هذا على الرغم من مئات ملايين الدولارات التي تضخها الحكومات والمؤسسات غير الربحية من أجل مكافحة الاتجار غير الشرعي بالحيوانات البرية حول العالم.

كما استفاض الباحثون في دراسة النتائج التي خلصوا إليها؛ إذ نُشرت يوم الجمعة في دورية «كونسيرفيشين ساينس آند براكتس» Conservation Science and Practice. وقد شكلوا فريقًا مع موسيقار محلي مشهور من أجل تأليف أغانٍ توعوية تنشر الرسائل الرئيسية المستخلصة من دراستهم. ويأمل فريق الباحثين أن يُفيد هذا الجهد المبذول الناس والحياة البرية على حدٍّ سواء في نهاية المطاف. ويقول بوديل: "لا أظن أنه ينبغي على العلماء انتظار أن يأتي صنَّاع القرار ويقرؤوا أبحاثهم. ينبغي أن يبحثوا عن طرق لتوجيه السياسات وتنفيذ إجراءات الحفاظ على البيئة على أرض الواقع".

براكاش جاندهارفا يؤدي أغنية بعنوان «بان كو كاثا» Ban Ko Katha، بهاراتبور، تشيتوان، نيبال. Credit: Kumar Paudel

مكافحة الجرائم بـ«القوة الكاملة»

تأخذ نيبال جهود مكافحة الصيد غير المشروع على محمل الجدِّ الشديد، خصوصًا صيد الحيوانات الضخمة مثل النمور والكركدنيات، التي تحظى بغالبية التمويل والاهتمام المخصَّصَين لمجال الحفاظ على البيئة على مستوى العالم. هذا، ويحرس نحو 7 آلاف موظف عسكري المحميات الموجودة في مختلِف أنحاء البلاد، وقد زادت الاعتقالات المتعلقة بارتكاب جرائم ضد الحياة البرية ثمانية أضعاف بين عامي 2009 و2014. وحاليًّا، تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو ألفي شخصٍ يُعتقلون سنويًّا، ويبدو أن تلك الجهود المبذولة تؤتي ثمارها. فقد احتفلت نيبال بخلوها من حالات الصيد غير المشروع لحيوان الكركدن لأول مرة في عام 2011، ومنذ ذلك الحين كررت هذا الإنجاز عدة مرات. غير أن الأضرار الاجتماعية المحتملة الناشئة عن اتباع الأمة لنهج عسكري نحو الحفاظ على البيئة لم تُستكشف بعد. يقول جاكوب فيلبس، المتخصص في العلوم الاجتماعية البيئية بجامعة لانكستر في إنجلترا، ومشارك بارز في الدراسة الجديدة: "هذه البلاد تكافح بكامل قوتها، ولكننا لا نعرف ما الذي تكافحه بالضبط".

تمثلت رغبة بوديل -الذي يعمل في مجال الحفاظ على البيئة في مسقط رأسه نيبال منذ عام 2010- في معالجة هذه المسألة بهدف المساعدة في تطوير أساليب موجهة وعادلة أكثر نحو مكافحة الصيد غير المشروع. وبدايةً من عام 2016، وبعد الحصول على إذن خاص من الحكومة، زار بوديل سبعة سجون في مختلف أنحاء البلاد. وأقنع بالحديث معه 116 مسجونًا بتهمة الصيد غير المشروع للكركدنيات في البداية، ثم النمور ودببة الباندا الحمراء وغيرها من الأنواع الأخرى. ويقول بوديل إن ما ساعده في ذلك هو انحداره من خلفية ريفية مماثلة لمعظم المشاركين في المقابلات الشخصية، وكان 99% منهم رجالًا.

وتقدم إجابتهم فروقًا دقيقة تساعد الخبراء على فهم المشكلة. كان أغلب المشاركين ينحدر من خلفيات اجتماعية فقيرة، ولكن الشيء الغريب هو أن 99% منهم قالوا إنهم لجؤوا إلى خرق القانون بهدف جني بعض الأموال الإضافية، لا لتلبية احتياجات اقتصادية وغذائية أساسية. وعن هذا يقول بوديل: "ثمة اعتقاد شائع في أوساط الحفاظ على البيئة بأن الفقراء هم مَن يقومون بعمليات الصيد غير المشروع، إلا أن هذا الاعتقاد يُغفل الدوافع الأخرى ويكتفي بإلقاء اللوم على الفقر". واكتشف أن نقص الوعي مثَّل عاملًا في الإقدام على تلك الجرائم. وقد قال أكثر من 90% من المشاركين إنهم كانوا يعرفون أن الصيد غير المشروع والاتجار بالحيوانات البرية أمرٌ غير قانوني، ولكن 30% فقط كانوا يستوعبون العقوبات الشديدة المتعلقة بالأمر، مثل احتمال إصدار حكم بالسجن لمدة تتراوح من 5 سنوات إلى 15 سنة. وقال نحو نصف عدد المشاركين إن عقوبة السجن أثرت بالسلب في أرزاق أسرهم، أو في مسيرة أبنائهم التعليمية، أو في كلا الأمرين.

لقد تأثرت المجتمعات المحلية الموجودة بالقرب من المحميات على وجه الخصوص. على سبيل المثال، نسبة السجناء المدانين بتهمة ارتكاب جريمة ضد الحياة البرية في أحد السجون بالقرب من حديقة شيتوان الوطنية تتخطى نسبة 20%، مقارنة بـ3% من إجمالي عدد السجناء في باقي سجون نيبال. يقول فيلبس: "هذا أمر مذهل، لا سيما إذا وضعت في الاعتبار أن كثيرًا منهم يأتي من المجتمعات المحلية نفسها التي تمت مصادرة أراضيها لإفساح المجال أمام تأسيس الحديقة. نحن نضر بهم بصورة مضاعفة، وهذه تكلفة اجتماعية باهظة".

يقول باسوديف دنجانا، الذي يعيش بالقرب من شيتوان، وهو رئيس سابق لـ«لجنة مستخدمي منطقة مريجكونجا العازلة» Mrigakunja Bufferzone User Committee (لجنة تتعاون مع المجتمعات المحلية من أجل استخدام إيرادات المتنزهات لتمويل التنمية المحلية)، إنه شاهد بنفسه التأثيرات المذكورة في الدراسة. فهو يعرف عدة أشخاص أُلقي القبض عليهم بتهمة الصيد غير المشروع، أغلبهم يعول أسرًا. وعن هذا يقول: "اعتقالهم يؤثر في أرزاق أسرهم والمسيرة التعليمية لأبنائهم. علاوة على ذلك، يؤثر هذا في مكانة الأسرة وكرامتها في المجتمع، إذ يُنظر إليهم كأُسر مرتكبي جرائم الصيد غير المشروع".

ووفقًا لأنيت هوبشل، أخصائية علم الجريمة بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، والتي لم تشارك في البحث الذي أُجري في نيبال ولكنها تُجري مقابلات شخصية مع مرتكبي جرائم صيد الكركدنيات غير المشروع في جنوب أفريقيا وموزمبيق، تقدم الدراسة «روئ مهمة وجديدة» عن دوافع مرتكبي الجرائم ضد الحياة البرية في نيبال وتأثيراتهم. إلا أنها كانت تود أن ترى تحليلًا أعمق بخصوص ما إذا كان وجود تاريخ حافل بالظلم وعمليات إخلاء الأراضي والتهميش السياسي قد دفع الناس إلى الانتقام أو السعي إلى استرداد الأراضي التي يرون أنها أُخذت منهم بصورة غير عادلة. كما تتساءل هوبشل عما إذا كان المذنبون يوافقون على قوانين مكافحة الصيد غير المشروع أم يختلفون معها. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، تطعن بعض المجتمعات المحلية في عدم شرعية الصيد غير المشروع، مشيرةً إلى أن الصيد كان من حقهم قبل دخول الاستعمار. وفي نيبال، تقول هوبشل: "قد ترغب الأبحاث المستقبلية في التطرق إلى هذا الأمر بمزيد من التفصيل".

كما يرى ماهيشوار دكال -وزير الغابات والبيئة في نيبال- أن النتائج مهمة لإلقاء الضوء على الأسباب التي تجعل أفراد الأمة يلجؤون إلى الصيد غير المشروع. ورغم أن تنفيذ القانون ضروري لكسر شوكة «الأشخاص الجشعين الذين يرغبون في الثراء بين عشية وضحاها»، على حدِّ قوله، فإن التعليم يقطع شوطًا طويلًا نحو إثناء الآخرين الذين لا يدركون ببساطة خطورة الجرائم ضد الحياة البرية.

الغناء لمنع الصيد غير المشروع

يتفق بوديل وفيلبس على أن التعليم يمكنه إحداث فارق حاسم على أرض الواقع، ويصرحان بأنهما يشعران بتحمُّل مسؤولية التصرف بناءً على النتائج. ومن ثم، أطلقا برنامج زمالة بالتعاون بين منظمة جرينهوود نيبال وجامعة لانكستر لتوفير مزيدٍ من الفرص للشباب من أنصار الحفاظ على البيئة. كما أطلق بوديل مبادرة تعاوُن بين موسيقار جوال من جماعة جاندهارفا العرقية يشتهر بأغانيه الشعبية الحزينة في نيبال، والتي يعزفها على آلة موسيقية تُدعى السارانجي. ألف بوديل خمس أغانٍ مستوحاة من مقابلاته الشخصية. على سبيل المثال، في أغنية بعنوان «اسم مشين»، يحكي فلاح مسجون بتهمة الصيد غير المشروع كيف قاده الطمع إلى فقدان حريته والإضرار بكرامة أسرته، ويحث المستمعين على عدم ارتكاب الخطأ نفسه.

الأغاني متاحة الآن على هيئة فيديوهات موسيقية على شبكة الإنترنت، وتُذاع على موجات الراديو، وتُقدم في عروض حية في مختلف أنحاء نيبال. ويقول بوديل إن أكثر من ألف شخص شاهدوا العروض وبعضهم تأثر إلى حدِّ البكاء. وعن هذا يقول: "تُعَدُّ الموسيقى إحدى أكثر طرق التواصل بساطةً، حتى الأميين قادرون على فهم أغانينا".

حضر دونجانا العرض، وأكد أن الناس تجاوبوا معه على نحوٍ جيد. فيقول: "نحن جميعًا نحب موسيقى السارانجي. إنه منهج بسيط ومبتكر لتوعية المجتمعات المحلية بالحفاظ على الحياة البرية". ورغم ذلك، يتساءل عما إذا كان جيرانه سيحفظون رسائل الأغاني على المدى البعيد. ويقول: ما نحتاج إليه حقًّا هو أن تستثمر الحكومة ليس فقط في تنفيذ قوانين الحفاظ على البيئة، بل أيضًا في التعليم وتوفير فرص التوظيف في المجتمعات المحلية القريبة من المتنزهات الوطنية. ويصرِّح قائلًا: "ينبغي تمكين السكان المحليين للاستفادة من إمكانيات السياحة القائمة على الحفاظ على البيئة والمشروعات القائمة على الطبيعة. أعتقد أن الناس سيتوقفون عن الصيد غير المشروع، إذا ما جنوا فوائد كبيرة من الحفاظ على البيئة".