في أعقاب نشْر تقرير فاجع هو الأحدث ضمن سلسلة التقارير الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC)، وقُبيل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعنيِّ بتغيُّر المناخ، وفي خضم انطلاق عام دراسي جديد، يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: أي نهْج ينبغي علينا اتباعه في تدريس محتوى يتعلق بتغيُّر المناخ لطلاب في ريعان شبابهم؟

إن دراسة تغيُّر المناخ لم تَعُد حكرًا على المتخصصين، ولمّا كنا مجبرين على مواجهة حقيقة أن المناخ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكل جوانب حياتنا والعالم من حولنا، وجد المعلمون أنفسهم منخرطين فيما يُعرف بـ"التعليم المناخي" (climagogy)، وذلك على مستويات عديدة (من المرحلة الإعدادية إلى الجامعة)، وضمن مواد دراسية متنوعة (من العلوم إلى الدراسات الإنسانية)، ويُقصد بالتعليم المناخي إدراج محتوى ضمن المناهج الدراسية يهدف إلى توعية الطلاب بالجوانب المختلفة لأزمة المناخ، وبما أن تغيُّر المناخ هو ظاهرة سيكون على شباب اليوم التعامل معها لبقية حياتهم، فإن هذا التوجُّه نحو التعليم المناخي هو تطوُّر مُرحَّب به.

بَيْد أن تدريس محتوى يتعلق بتغيُّر المناخ -وما يرتبط به من موضوعات مثل أزمة التنوُّع الحيوي والظلم البيئي- ينبغي ألا يتمحور فقط حول نقل الحقائق العلمية فحسب؛ فمِثل ذلك النموذج التعليمي، الذي يتعامل مع الأفراد وكأنهم ماكينات عاقلة، متصورًا أنهم سيبادرون باتخاذ إجراءٍ ما (بل والإجراء الصحيح) إذا توافرت لديهم كل الحقائق، هو نموذجٌ غير دقيق، تجلى ذلك الأمر بوضوح في شواهد مؤلمة من عينة إنكار تغيُّر المناخ، وبروز حركة مُناهِضة لارتداء الكمامات، واستفحال نظريات المؤامرة.

وقد عَمِلت في تدريس تغيُّر المناخ لأكثر من عشر سنوات، تبيَّن لي خلالها أن ثمة عنصرين ترتكز عليهما أي عملية تعليمية تتضمن تثقيف الطلاب حول شكل العالَم تحت وطأة ظاهرة الاحترار، ولكن كليهما لا يحظى بأي اهتمام يُذكَر، إن إغفال هذين العنصرين في التدريس لا يترتب عليه تسطيح فهم الطلاب للمادة العلمية وحسب، بل يُثبِّط أيضًا من قدرتنا الجمعية على الاستجابة لأزمة تغيُّر المناخ، والمبدأ نفسه، من حيث أهمية العنصرين، ينطبق أيضًا على الجهود التعليمية التي تجري خارج نطاق قاعات الدرس، سواءٌ أكانت الجهود المُشار إليها يبذلها الوالدان أم الجدود أم الأشقاء أم الموجهون.

تأتي المشاعر في المقدمة بوصفها العنصر الأول، ويضعنا هذا العنصر أمام السؤال التالي: بِمَ ينبغي أن "يشعر" الطلاب حيال تغيُّر المناخ؟ الإجابة نجدها في القواعد الشعورية التي يضعها المجتمع، تلك القواعد تُعد مسؤولة نسبيًّا عن توجيه دفة مشاعرنا فيما يخص القضايا المختلفة، ولكنها كثيرًا ما تولي الأولوية لموضوعات بعينها (مثل العلاقات الحميمة) على حساب موضوعات أخرى (مثل التحديات الجمعية أو العالمية)، بعض طلابي يدخلون إلى قاعة الدرس ونفوسهم مُثقَلة بقلق بالغ إزاء قضية المناخ، بينما يُلقي البعض الآخر منهم على عاتقي بتلك المسؤولية الثقيلة التي تتمثل في فتح أعينهم على بعض الحقائق المُقلِقة للغاية، لا يمكنني الجزم بذلك، ولكن يراودني شعورٌ بأن اللحظة التي أتحمل فيها تلك المسؤولية قد تكون اللحظة التي تتوجه فيها أنظار هؤلاء الطلاب إليّ بصفتي الشخص الأكثر علمًا بقضية المناخ والأكثر حرصًا على الدفاع عنها (علانية) مقارنةً بأشخاص آخرين في حياتهم، وبناءً عليه، فإنهم يسيرون على خطاي دون أن يعوا ذلك، ويستقون مني إشارات يستلهمون منها طبيعة المشاعر التي ينبغي أن يشعر بها المرء تجاه هذا الموضوع، تمامًا مثلما يستقون الإشارات من أصدقائهم ومن الشخصيات العامة والأشخاص العاديين الذين يصادفونهم على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والأعمال الأدبية.

ولكن الإشارات المذكورة قد تكون متضاربةً بحيث يَصعُب على الطلاب تحديد الاستجابة العاطفية المُثلى لأزمة المناخ، إذًا، ما العمل؟ هل ينبغي عليهم الاستجابة للأزمة بحِس من الموضوعية والحيادية؟ هذا هو الحِس الذي انغرس في نفوس معظم المعلمين بحكم تدريبهم المهني الذي يحثهم على الالتزام بعرض الحقائق العلمية فحسب على طلابهم، ويكافئهم على ذلك، أم هل ينبغي عليهم الشعور باليأس وانعدام الحيلة؟ هذه هي الحالة التي تُخيِّم على الطلاب بمجرد خروجهم من قاعة الدرس بعد كل محاضرة تناقش القضايا البيئية، أم يتعين عليهم أن يتفاءلوا تفاؤلًا أعمى، رغم أنف وابل الأخبار السيئة عن تغيُّر المناخ؟ إنه لأمرٌ مؤلمٌ أن أرى طلابي يمرون بمثل هذه المعاناة، لذا فثمة ما يغريني بأن أختتم محاضراتي أحيانًا بجملة مُطمئِنة تقول: "طالما اتبعنا سياساتٍ صحيحةً وكان الابتكار في صفنا، فإن كل شيء سيكون على ما يرام"، حتى لو لم يكن أيٌّ من هذا صحيحًا.

وماذا عن إقرار الطلاب بمشاعرهم، وإدراكها، ومناقشتها، ومعالجتها، وكلها مشاعر تشهد على ما هو كامنٌ بداخلهم من اهتمام لحال الطبيعة وقلق عليها وارتباط بها؟ هل ينبغي عليهم الاستفادة من هذه المشاعر على قسوتها، ومن ثَمَّ استخدامها وقودًا يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات مُجدية نحو التعامل مع أزمة المناخ؟ الإجابة هي "نعم"، هذا هو السلوك الذي أسعى حاليًّا لتشجيع طلابي على اتباعه، وأبادر بممارسته على أمل أن يحذوا حذوي في ذلك، ولكن لكي يتحقق الهدف المنشود، يتعين عليّ أولًا الاعتراف لنفسي بأن التدريس له تعريفات كثيرة، من ضمنها أنه أداءٌ تظْهَر من خلاله شتى أنواع المشاعر، وأن طلابي يتماهون مع هذه الناحية من أدائي (وإن كان ذلك يحدث بصورة لا واعية).

بطبيعة الحال، يضع هذا الاعتراف حملًا إضافيًّا على كاهل المعلمين؛ فإلى جانب المسؤوليات المفروضة عليهم بالفعل من مواصلة الاطلاع على أحدث مستجدات قضية متفاقمة كقضية المناخ، وإعداد دروس تجمع في محتواها بين التعلُّم والإمتاع في ظل جائحة، يتعين على المعلمين أيضًا تقديم أداء يُظهرون فيه توجهاتهم الشعورية نحو تغيُّر المناخ، وهذا وضعٌ صعب، إن لم يكن مجحفًا في حق أولئك المعلمين، بيد أن الوصف نفسه ينطبق على أزمة تغيُّر المناخ؛ فلا مناص اليوم من الإقرار بأن المشاعر تُمثِّل جانبًا مهمًّا من فهْم تغيُّر المناخ في السياق التعليمي والاستجابة له كأزمة.

وبالإضافة إلى التعامل مع المشاعر، لدينا عنصرٌ ثانٍ، يتعلق بالدور المنوط بالمعلمين والمؤسسات في طرح مسارات يمكن من خلالها العمل بشكل جماعي لمواجهة أزمة تغيُّر المناخ، إن القلق بشأن المناخ يُولِّد شعورًا قد يسحق الإنسان إذا حاول مواجهته بمفرده، ولكن انتماء الإنسان إلى مجتمعٍ ما، يشاركه قلقه، قد يكون من شأنه التخفيف من وطأة هذا الشعور؛ فالمجتمع في ظل هذا التصوُّر يقدم النُّصح لأفراده ويضع لهم قواعد توضح كيفية التعامل مع هذه المشاعر، إن النموذج التعليمي الذي يعتمد على عرض "الحقائق العلمية وحدها" يفترض ضمنيًّا أن الطلاب سيعرفون تلقائيًّا كيف يترجمون وعيهم بالأزمة إلى خطوات ملموسة نحو التعامل معها، غير أن الأبحاث التي أجريتُها، علاوةً على تلك التي أجراها علماء اجتماع آخرون، قد أوضحت أن هذا الافتراض غير صحيح؛ فقد يُقِر الناس بخطورة الموقف وهم يعتقدون في الوقت نفسه أن الأمر لا يتطلب سوى اتخاذ إجراءات لا تُذكَر، بل وإجراءات قد تأتي بأثر عكسي في بعض الأحيان.

ونظرًا إلى أن العديد من الشباب ينتابهم الذعر بالفعل تجاه أزمة المناخ، فهذا سببٌ أدعى لبدء المعلمين والمؤسسات في توجيه الطلاب بشأن الإجراءات الفعالة التي يمكن أن يتخذوها حيال ذلك، وتعريفهم بالمجموعات التي يمكن أن ينضموا إليها للمشاركة في اتخاذ مثل هذه الإجراءات، وصحيحٌ أن الإجراءات الفردية (مثل تناول قدر أقل من اللحوم) لا يمكن الانتقاص من قيمتها، لأنها قد تُرسل إلى الآخرين رسالةً مفادها أننا معنيون بالأمر وعازمون على التغيير، إلّا أن تأثير مثل هذه الإجراءات عادةً ما يكون طفيفًا مقارنةً بالمشاركة في إجراء جمعي، هذا النوع الثاني من الإجراءات يخلق تأثيرًا أقوى، سواءٌ أكانت الإجراءات تركز على صياغة السياسات أو العمل مع المجتمعات المحلية بهدف تعزيز المرونة الاجتماعية (أي قدرة المجتمع على التأقلم مع تغيُّر المناخ)، تتسم الإجراءات الجمعية أيضًا ببُعد اجتماعي أعمق، وبكونها تبعث على الإيجابية والمرح بشكل أكبر، مما يجعلها أكثر استدامةً واستمراريةً من الإجراءات الفردية.

حاليًّا، أختتم محاضراتي التمهيدية بتكليف طلابي بقراءة نصوص مختارة عن تغيُّر المناخ والمشاعر، فضلًا عن منح الطلاب الوقت لمناقشة مشاعرهم ومعالجتها مع أقران يثقون بهم في قاعة الدرس، أُحدِّث طلابي أيضًا بكل صراحة عن رحلتي الشخصية في التعامل مع المشاعر المتعلقة بأزمة المناخ، وعن الطريقة التي أثَّرَ بها تغيُّر المناخ على تفكيري، وحياتي، وخططي المستقبلية، كما أستضيف في صفوفي متحدثين ينتمون إلى مؤسسات محلية وجامعية قد يوَدُّ الطلاب الانضمام إليها في المستقبل، كذلك، أشدد على أن هناك الكثير من الأدوار التي يمكن للمرء أن يؤديَها كي يستجيب لأزمة تغُّير المناخ استجابةً قوامها العدالة. تتضمن هذه الأدوار ممارسة أنشطة مثل الكتابة، والتنظيم، وصنع السياسات، وشَغْل المناصب المؤثِّرة، والاحتجاج، والعمل على تصوُّر مستقبل أفضل، وتقديم الرعاية، وربما التدريس أيضًا.

وفي خضم كل ذلك، أحرص على أن يفهم طلابي بكل وضوح أنه لا أحد يتوقع منهم أن يشاركوني أو يشاركوا أي شخص آخَر المشاعر نفسها حيال قضية المناخ، وأنهم غير مُطالَبين باتخاذ النوعية نفسها من الإجراءات التي قد أُقدم عليها أنا أو غيري، بل يحق لهم ألّا يتخذوا أي نوع من الإجراءات من الأساس، أي تصرُّف عدا ذلك سيكون تصرُّفًا غير لائق؛ ذلك أنني أُرحِّب بالطلاب كافةً في صفوفي، مهما تنوعت رؤاهم.

لكن من غير اللائق بالمِثل أن أُدرِّس محتوى يتعلق بتغيُّر المناخ دون مراعاة الديناميكيات الشعورية للتعُّلم، التي يفرضها تدريس هذا النوع من المحتوى في الوقت الراهن، ومن القسوة أن نفتح أعين الطلاب على عالم مُشتعل على إثر تغيُّر المناخ، ثُم نتركهم دون تقديم أي موارد تساعدهم، أو طرح نماذج أو مسارات للعمل على مواجهة الوضع، ونتمنى لهم بعدها أن يحظوا بفُسحة سعيدة، إن مثل هذا السلوك لن يعينهم على تحاشي شعور اليأس والقنوط، ولن يساعدنا في الحفاظ على كوكبنا باعتباره كوكبًا صالحًا للحياة.