يتسابق العلماء إلى فهم سلسلة غامضة من التموجات العاتية التي اجتاحت الغلاف الجوي لكوكب الأرض، عقب اندلاع بركان تونجا في الخامس عشر من يناير الماضي. وكان بعض العلماء قد عبّروا عن خشيتهم من أن تتسبب هذه الواقعة في تدمير الدولة التي تقع على جزيرةٍ في المحيط الهادي، في حين أظهرت بيانات القمر الصناعي أن ما حدث أثار نمطًا غير مألوف من موجات الجاذبية في الغلاف الجوّي. إذ لم يسبق للثورات البركانية، فيما مضى، أن أصدرت إشارةً من هذا القبيل، ما ترك الخبراء في حالة من الحيرة.

ويصف لارس هوفمان، المتخصص في علوم الغلاف الجوي في مركز يوليش للحوسبة الفائقة بألمانيا، هذا الحدث بأنه: "أمر فريد من نوعه حقًا. لم يسبق لنا رؤية شيء من هذا القبيل فيما لدينا من بيانات".

كان هذا الاكتشاف قد تحقق من خلال مجموعة من الصور، جمعها «مسبار الأشعة تحت الحمراء في الغلاف الجوي» (AIRS)، المثبت على القمر الصناعي «أكوا» Aqua التابع لوكالة «ناسا»، خلال الساعات التي أعقبت ثوران بركان «هانجا تونجا-هانجا هاباي» Hunga Tonga–Hunga Ha‘apai.

وقد أظهرتْ هذه الصور عشرات الدوائر متحدة المركز، كل دائرة منها تمثل موجة تتحرك بسرعة كبيرة، وسط غازات الغلاف الجوي، وتمتد لما يزيد عن 16 ألف كيلومتر.

امتدت الموجات من سطح المحيط إلى طبقة الأيونوسفير، التي تمثل جزءًا من الغلاف الجوي العلوي، ويعتقد الباحثون أن هذه الموجات ربما مرّت حول الكرة الأرضية عدة مرّات.

ويضيف هوفمان: "يعمل هذا المسبار منذ ما يقارب العشرين عامًا، ولم يسبق لنا أبدًا رؤية أنماط متماسكة مثل تلك الموجات متحدة المركز التي رصدناها".

تحدُث موجات الجاذبية في الغلاف الجوي عند اضطراب جزيئات الهواء الموجودة في هذا الغلاف داخل عمود الهواء بشكل رأسي، لا أفقيّ؛ وهي ظاهرةٌ تتجلى عند اشتداد سرعة الرياح إثر اعتلائها قمم الجبال، أو نتيجة الحمل الحراري في أنظمة الطقس المحلية.

وتَنقل هذه الموجات، متعاقبةُ الارتفاع والانخفاض، الطاقةَ والزخم عبر الغلاف؛ وغالبًا ما يتجلى أثرها في دفع السحب العالية للتشكُّل في صورة سلسلة من التموّجات.

الارتطام بالغازات

من الناحية النظرية، قد يثير التيار الصاعد سريعًا - محمَّلًا بالهواء الساخن والرماد الناجمين عن ثورة البركان، ومخترقًا في صعوده طبقات الغلاف الجوي العليا - موجات الجاذبية على نطاق أكبر بكثير، ولكن في كل بيانات ثورات البراكين السابقة التي حللها «مسبار الأشعة تحت الحمراء في الغلاف الجوي» منذ إطلاقه في شهر مايو من عام 2002، لم يرصد شيء من هذا القبيل إلى أن اُلتقطت هذه الصور للمرة الأولى عقب ثوران بركان تونجا.

وتعقيبًا على ذلك، يقول كوروين رايت، المتخصص في فيزياء الغلاف الجوي في جامعة باث بالمملكة المتحدة: "هذا هو ما يثير دهشتنا، فلا بُد أن للأمر علاقة بطبيعة ما يحدث حولنا، لكننا لم نقف على السر حتى الآن".

ويعتقد رايت وزملاؤه أن "كومةً عاتيةً من الغازات الساخنة والمضطربة" يُحتمل أن تكون هي السبب في تشكُّل الموجات في الغلاف الجوي العلوي؛ ذلك أن الغاز الساخن، حسب تعبيره: "يتصاعد عاليًا إلى طبقة الستراتوسفير، دافعًا الهواء من حوله بقوةٍ عارمةٍ".

وقد سُمِّع دوي ثورة بركان «هانجا تونجا-هانجا هاباي» في أرجاء منطقة جنوب المحيط الهادئ، بل امتد صدى الانفجار ليصل إلى بعض أجزاء من الولايات المتحدة، وقد غطى الرماد سماء عدة مناطق من تونجا، إلا أن انقطاع التيار الكهربائي، وتعطل خطوط الهاتف والاتصال بالإنترنت حال دون قدرة وكالات الإغاثة، منذ بداية الكارثة، على تقدير أعداد الإصابات والوفيات، وتقييم الضرر الناتج.

كان رايت هو أول من وقعتْ عيناه على أنماط الموجات في البيانات التي قدمها هوفمان، وقد وصف الصور بأنها تُظهر ما يشبه مزيجًا من أحجامٍ وأنواعٍ مختلفة من الموجات.

ويبدو الحمل الحراري في الغلاف الجوي "مضطربًا ومعقدًا للغاية، وهو يولّد مجموعة متجانسة ومتكاملة من الأشياء في الوقت نفسه"، على حد وصف رايت، الذي يضيف أن "هذا هو ما نظنه يحدُث في الوقت الحالي، غير أننا لم نراقب المشهد إلا لبضع ساعات فحسب".

خرج هذا الاكتشاف إلى النور عن طريق تغريدة على موقع «تويتر» Twitter، أرسلها سكوت أوسبري، عالم المناخ بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، في الخامس عشر من يناير، إلى رايت، متسائلًا: "ياللعجب! تُرى ما مدى ضخامة موجات الجاذبية المنطلقة في الغلاف الجوّي التي نتجتْ عن هذا الثوران البركاني؟!"

سرعة انفجارية

يقول أوسبري إن هذا الثوران البركاني ربما يكون حدثًا استثنائيًا؛ نظرًا لطبيعة الموجات التي تسبب في حدوثها؛ إذ إنه وقع بسرعة فائقة، مقارنةً بغيره من الثورات البركانية، ويوضح قائلًا: "يبدو أن هذا الحدث انتهى في غضون دقائق، لكنه أحدث انفجارًا مدويًا، بل إن قوة اندفاعه يُحتمل أن تكون السبب في إثارة موجات عارمة من الجاذبية".

ورغم أن الثوران البركاني، على الأغلب، لم يستغرق سوى لحظات معدودة، فإن آثاره قد تستمر طويلًا؛ فموجات الجاذبية قد تتعارض مع الانعكاسات الدورية في اتجاهات الرياح فوق المناطق المدارية، ما يؤثر على أنماط الطقس بصورة واسعة النطاق، تصل إلى مناطق بعيدة بقدر بُعد القارة الأوروبية.

يضيف أوسبري قائلًا: "سنفحص بدقة وعناية كيفية تطور الأمور".

وتصف فيكي فيريني، العالمة المتخصصة في الجيوفيزياء البحرية من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، الصورَ والبيانات التي أمكن جمعها استنادًا إلى الانفجار البركاني بأنها: "مذهلة"، وأنها كذلك تتيح فرصةً رائعة ومثيرة للعلماء، إلا أنها تعرب عن قلقها البالغ، الذي تتشاركه مع علماء آخرين، بشأن مصير شعب تونجا.

ويقول باحثون من نيوزيلندا إنهم يراقبون البركان عن كثب، ترقبًا لاندلاع أي ثورات أخرى. وتعقيبًا على ذلك، يقول شين كرونين، المتخصص في علم البراكين بجامعة أوكلاند: "نترقب باهتمام شديد ظهور أية معلومات".

يفترض كرونين أن تعيد كميات هائلة من الحمم البركانية المتدفقة من أعماق سحيقة بالأرض تغذية البركان، لينشأ عن ذلك اندلاع ثورات بركانية أعتى؛ غير أنه في حالة نضوب المصدر الرئيسي الذي يتزود منه التجويف البركاني بالصهارة، فقد يقتصر الأمر على ثوران براكين صغيرة فحسب، وغالبًا ما تكون كامنة تحت سطح المحيط.