استحوذت التذبذبات الكهربائية التي نُطلق عليها موجات الدماغ على اهتمام العلماء وعموم الناس لأكثر من قرن من الزمان. إلا أن وظيفتها –وحتى ما إذا كانت لها وظيفة تتجاوز مجرد التعبير عن نشاط الدماغ على غرار ما يُصدره المحرك من طنين– لا تزال موضعًا للجدل. يفترض العديد من علماء الأعصاب أنه إذا ما كانت موجات الدماغ تفعل أي شيء، فإن هذا الشيء يحدث من خلال تَذبذُب هذه الموجات بشكل متزامن في مواضع مختلفة. إلا أن عددًا متناميًا من الأبحاث يشير إلى أن العديد من موجات الدماغ هي في واقع الأمر "موجات متنقلة" تتحرك بشكل مادي عبر الدماغ، كما تفعل الأمواج في البحر.

والآن تشير دراسة جديدة أجراها فريق من جامعة كولومبيا تحت قيادة عالِم الأعصاب چوشوا چيكوبس إلى أن الموجات المتنقلة هي موجات واسعة الانتشار في قشرة الدماغ البشري، وهو المكان الذي تتركز فيه الوظائف الإدراكية العليا. وتشير الدراسة كذلك إلى أن هذه الموجات تصبح أكثر انتظامًا تبعًا لمدى حسن أداء الدماغ لمهمة ما. ويُوضح ذلك أن تلك الموجات تتصل بالسلوك، وهو الأمر الذي يدعم ما توصلت إليه أبحاث سابقة تشير إلى أن هذه الموجات تمثل آليةً دماغيةً على قدر كبير من الأهمية ولكن جرى إغفالها، وهي آلية تُسهم في وظائف الذاكرة والإدراك وتركيز الانتباه، وحتى في القدرة على الوعي.

اكتُشفت موجات الدماغ للمرة الأولى باستعمال أساليب تخطيط كهربية الدماغ (Electroencephalogram)، التي تتضمن تثبيت أقطاب كهربائية على فروة الرأس. لاحظ الباحثون نشاطًا في نطاق من الترددات المختلفة، بدءًا من حزمة ترددات دلتا (0.5 حتى 4 هرتز) وصولًا إلى حزمة ترددات جاما (25 حتى 140 هرتز). وتحدث الترددات الأكثر انخفاضًا في أثناء النوم العميق، ويتزايد التردد مع زيادة مستويات الوعي والتركيز. إلا أن تفسير بيانات تخطيط كهربية الدماغ يُعَد أمرًا صعبًا، ويرجع هذا إلى ضعف قدرة هذا الأسلوب على التحديد الدقيق لموضع النشاط، ويرجع أيضًا إلى أن سريان الإشارات عبر الرأس يؤدي إلى تشوُّشها. استخدمت الدراسة الجديدة، التي نُشرت في يونيو الماضي في دورية «نيورون» Neuron، أسلوبًا أحدث يُطلق عليه تخطيط كهربية قشرة الدماغ (Electrocorticography)، ويتضمن هذا الأسلوب تثبيت مصفوفات من الأقطاب الكهربائية على سطح المخ مباشرةً، وهو ما يقلل التشوُّش إلى حده الأدنى ويُحسِّن كثيرًا من درجة الاستبانة المكانية.

اقترح العلماء العديد من الأدوار المحتملة لموجات الدماغ. وتنص فرضية تحتل موقع الصدارة بالنسبة لفرضيات أخرى على أن التذبذبات المتزامنة تعمل على "ربط" المعلومات الموجودة في مواضع مختلفة باعتبار أن هذه المعلومات تتعلق بـ"الشيء" نفسه، مثل الصفات المختلفة لجسم مرئي (شكله، ولونه، وطبيعة حركته، إلخ). وثمة فكرة ترتبط بهذا مفادها أن هذه التذبذبات المتزامنة تُسهِّل نقل المعلومات بين مناطق الدماغ. إلا أن مثل هذه الفرضيات تتطلب أن تكون موجات الدماغ متزامنةً بحيث تُنتِج موجات "متواصلة" (مثل ما يحدث عندما يعمل شخصان على أرجحة حبل القفز إلى الأعلى والأسفل)، وليس موجات متنقلة (على غرار ما تفعله الجماهير المحتشدة عندما تصنع "موجة" خلال حدث من الأحداث الرياضية). وهذا أمر مهم؛ لأن الموجات المتنقلة لها خواص مختلفة تُمكِّنها –على سبيل المثال– من تقديم معلومات عن الحالات السابقة لمواضع أخرى في الدماغ. إن حقيقة انتشار الموجات المتنقلة بشكل مادي عبر الدماغ، على غرار انتشار الصوت عبر الهواء، تجعل من هذه الموجات آليةً محتملةً لنقل المعلومات من موضع إلى آخر.

لقد جرى تداول هذه الأفكار على مدار عقود (ملف بصيغة PDF)، إلا أن غالبية علماء الأعصاب لم يعيروها سوى القليل من الاهتمام. أحد الأسباب المحتملة لذلك هو أنه حتى وقت قريب، كانت معظم التقارير السابقة عن الموجات المتنقلة –رغم وجود بعض الاستثناءات– تكتفي بمجرد تقديم وصف لهذه الموجات، دون التطرق إلى إثبات أهميتها. يقول اختصاصي العلوم العصبية الحوسبية تيري سيناوسكي من معهد سالك للدراسات البيولوجية، والذي لم يكن مشاركًا في هذه الدراسة الجديدة: "إذا سألت أي اختصاصي في مجال المنظومات العصبية، فسيقول لك إنها ظاهرة ثانوية عارضة [مثل طنين المحرك]، وأنه نظرًا إلى أنها لم يسبق ربطها بشكل مباشر بأي سلوك أو وظيفة، فهي ليست شيئًا ذا بال".

قد يكون للأدوات التي يستعملها الباحثون دورٌ في ذلك هي الأخرى. تمتد جذور علم الأعصاب السائد في يومنا هذا إلى دراسة سلوك الخلايا العصبية –كل سلوك على حدة- باستعمال أقطاب كهربائية تشبه إبر الحياكة. وقد لاحظ الباحثون الرواد في هذا المجال أن التوقيت الذي تنطلق فيه إحدى الخلايا العصبية يختلف من اختبار إلى آخر ضمن التجربة الواحدة. استنتج هؤلاء الباحثون أن التوقيت ليس مهمًّا فيما يبدو، وبدأوا في تجميع استجابات من اختبارات متعددة لحساب متوسط "معدل الانطلاق". وأصبح هذا الأمر هو الطريقة القياسية المستخدمة في الحساب الكمي للنشاط العصبي، إلا أن تبايُنًا قد ينشأ تبعًا للموضع الذي تكون فيه الخلايا العصبية في أدوار تذبذب، ولذا تُهمل هذه الممارسة معلومات التوقيت اللازمة للكشف عن الموجات المتنقلة. يقول سيناوسكي: "لقد انبثق إطار العمل المفاهيمي عن السلوك الذي تسلكه خلية عصبية واحدة بشكل منفرد، [إلا أن] الدماغ يعمل عبر حشود من الخلايا العصبية التي يتفاعل بعضها مع بعض". ونظرًا إلى أن الموجات المتنقلة تشمل النشاط الكلي لخلايا عصبية عديدة تنتشر عبر الدماغ، فإن هذه الموجات تكون غير مرئية بالنسبة للأساليب التي تتعامل مع الخلية العصبية الواحدة. إلا أن تقنيات جديدة ظهرت خلال العقد الماضي، وهي تقنيات تُمَكِّن من رصد العديد من الخلايا العصبية في آنٍ واحد. يقول سيناوسكي: "قدم لنا ذلك صورة مختلفة كليًّا، وللمرة الأولى أصبح لدينا الأدوات والأساليب اللازمة لرؤية ما يحدث بالفعل، إلا أن الأمر سيستغرق نحو جيل ليكون مقبولًا لدى المجتمع العلمي الراسخ من المتخصصين في علم الأعصاب".

إن الأساليب الضوئية، كالصبغات الحساسة للجهد الكهربي، تسمح للباحثين بالوصول إلى تصوُّر بشأن التغيرات الكهربائية التي تحدث في آلاف الخلايا العصبية في الوقت نفسه، إلا أن هذه الأساليب يتعذَّر استخدامها مع البشر بسبب ما تنطوي عليه من مخاطر. أما تخطيط كهربية قشرة الدماغ فيشيع استخدامه مع مرضى الصرع لأغراض دراسة النوبات التي يتعرضون لها. ولذا استقدم باحثو الدراسة الجديدة 77 مريضًا بالصرع، وزرعوا في رؤوسهم مصفوفات من الأقطاب الكهربائية الخاصة بتخطيط كهربية قشرة الدماغ، وذلك للبحث عن الموجات المتنقلة. في البداية ركز الباحثون اهتمامهم على تجمعات الأقطاب التي تُظهر تذبذبات بالتردد نفسه، فوجدوا أن ما يقرب من ثلثي الأقطاب كان ضمنَ هذه التجمعات، وهي تجمعات كانت موجودة لدى 96 بالمئة من المرضى (بترددات تتراوح بين 2 و15 هرتزًا، وهي ترددات تغطي مجال حزمة ثيتا التي تشمل الترددات بين 4 و8 هرتز، وتغطي كذلك مجال حزمة ألفا التي تشمل الترددات بين 8 و12 هرتزًا). وبعدها قام الباحثون بتحديد التجمعات التي كانت تمثل موجات متنقلة حقيقية، وذلك عبر تحليل تواقت التذبذبات. إذا كانت التذبذبات المتتالية جزءًا من إحدى الموجات المتنقلة، فإن كل تذبذب يكون متأخرًا أو متقدمًا قليلًا وفق اتجاه الحركة. (فكر في الطريقة التي يسير بها الأشخاص الموجودون ضمن حشد من الناس، فما يحدث هو أنهم يتبع بعضهم بعضًا في شكل موجة مع القليل من التأخير). لقد كان ثلثا التجمعات التي جرى الكشف عنها عبارة عن موجات متنقلة تتحرك من مؤخرة القشرة إلى مقدمتها. وقد اشتمل هذا على ما يقرب من نصف العدد الكلي للأقطاب الكهربائية، وحدث في جميع فصوص أدمغة المرضى، وفي نصفي المخ على حدٍّ سواء.

وبعدها أوكل فريق العمل إلى المشاركين في التجربة تنفيذ مهمة تتعلق بالذاكرة العاملة، ووجد الفريق أن الموجات المتنقلة في الفصوص الأمامية والصدغية للمشاركين باتت أكثر انتظامًا بعد نصف ثانية من حثّ المشاركين على تذكُّر معلومات. وتغيَّرت الموجات من التحرُّك في اتجاهات مختلفة إلى التحرُّك بشكل متناسق في معظمه. والجدير بالذكر هنا هو أن درجة حدوث هذا التغير في حركة الموجات كانت تختلف تبعًا لمدى سرعة المشاركين في إعطاء الإجابات. يقول چيكوبس: "إن وجود موجات أكثر اتساقًا فيما بينها يعني أن أداء المهمة يتم بشكل أفضل. ويشير هذا إلى ظهور طريقة جديدة لقياس النشاط الدماغي لأغراض فهم طبيعة الإدراك، وهذا الأمر قد يؤدي إلى صنع واجهات ربط أفضل بين الدماغ والحاسوب". (واجهات الربط بين الدماغ والحاسوب هي تجهيزات تربط دماغ الإنسان بآلة تقوم بتنفيذ مهمةٍ ما، كتحريك أحد الأطراف الصناعية).

لا بد أن هذه النتائج ستساعد في إزالة الشكوك التي لا تزال تراود بعض الباحثين بشأن أهمية مثل هذه الموجات. يقول المختص بعلم النفس ديفيد ألكساندر من جامعة لوڨن ببلجيكا، والذي لم يشارك في هذا العمل: "تمثل هذه الورقة البحثية إسهامًا كبيرًا في دراسة الموجات المتنقلة في قشرة الدماغ، وتُعتبر إضافةً للأعمال السابقة التي تتعلق بدور الموجات المتنقلة في عملية الإدراك لدى البشر. في الواقع، هذا الأمر من شأنه أن يبدد أية شكوك تقول بأن هذه الموجات هي مجرد نِتاج لتشوُّش الإشارات العابرة للجمجمة". بيد أن ألكساندر تابع قائلًا إن مؤلفي الدراسة زعموا –بلا إثبات– أن نتائجهم غير مسبوقة، وإنهم لم يشيروا إلى بعض الأبحاث السابقة. يقول ألكساندر: "أظهرت أبحاث سابقة أُجريت على الموجات المتنقلة أن هذه الموجات تُستحَث في أثناء أداء المهمات المتعلقة بالذاكرة العاملة"، ويشير ألكساندر إلى دراسة أُجريت باستخدام تخطيط كهربية الدماغ ونُشرت في عام 2002، وهي دراسة توصلت إلى أن توقيت انعكاس اتجاه موجات ثيتا يرتبط مع أداء أعمال تتعلق بالذاكرة. الأمر الآخر المثير للاهتمام هو أن إحدى الدراسات التي أُجريت باستخدام تخطيط كهربية الدماغ، وهي دراسة نُشرت لألكساندر نفسه في عام 2008، توصلت إلى وجود عدد أقل من الموجات المنتقلة من مقدمة الرأس إلى مؤخرته في أثناء تنفيذ إحدى المهمات المتعلقة بالذاكرة العاملة بواسطة أشخاص سبق لهم التعرُّض للنوبة الأولى من نوبات انفصام الشخصية، وذلك بالمقارنة بأشخاص أصحاء، ويشير هذا إلى أن اختلاف سلوك الموجات المتنقلة قد يكون مرتبطًا بأعراض نفسية. وبالإضافة إلى هذا، يزعم ألكساندر أن الطرق التي استعملها فريق الدراسة الجديدة لتحديد طبيعة الموجات المتنقلة تشبه تلك التي استعملها هو نفسه في دراسة نُشرت عام 2016. وفي المقابل يقول چيكوبس: "إن عمل ألكساندر مثير للاهتمام حقًّا، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت نتائجه تتضمن الإشارات نفسها الواردة في ورقتنا البحثية؛ فقد أشار إلى وجود أنماط تشمل الدماغ بكامله حرفيًّا، في حين اقتصرت نتائجنا على مناطق معينة". ويشير چيكوبس أيضًا إلى اختلاف أساليب التسجيل وطبيعة الإشارات المُسجَّلة.

من المنتظر أن يؤدي تأكيد أهمية الموجات المتنقلة إلى ظهور آفاق جديدة في علم الأعصاب. يقول چيكوبس: "إن التوصُّل إلى أن هذا العدد الكبير من التذبذبات هو عبارة عن موجات متنقلة يوضِّح أن هذه التذبذبات تُعبِّر عن أنشطة تتعلق بالتنسيق بين المناطق المختلفة للدماغ. ويفتح هذا الباب أمام مجالات بحثية رئيسية جديدة، كمحاولة فهم العناصر المكوِّنة لهذا التنسيق على وجه التحديد". ويؤمن چيكوبس بأن هذه الموجات تعمل على نشر المعلومات، وذلك وفقًا لسياق الدراسة الحالية على الأقل.

ثمة فكرة أخرى مفادها أن هذه الموجات –بترحالها المتكرر عبر مناطق القشرة– تنظم حساسية الخلايا العصبية لكي يتم تسليط "أضواء كاشفة" من الاهتمام على منطقة المعالجة البصرية بالدماغ، مثلًا. يقول سيناوسكي: «إن مفهوم الموجة المتنقلة هو مفهوم وثيق الصلة بكيفية إبقائك على القشرة في حالة من الفاعلية القصوى تتمتع فيها القشرة بأكبر قدر ممكن من الحساسية تجاه المُدخلات الأخرى، وتكون قادرةً على العمل بصورة مثالية". إن الاهتمام بالموجات المتنقلة سيستمر في التزايد بلا شك. يتابع سيناوسكي قائلًا: "إن ما تراه في الوقت الراهن هو تحوُّل من إطار عمل مفاهيمي إلى إطار عمل جديد كليًّا. إنه تحوُّل جذري في المنهجية المُستخدمة".