في يناير عام 2014، كان أحد العاملين الأمريكيين في مجال الصحة العامة في زيارة شمال نيجيريا للإشراف على حملة للوقاية من شلل الأطفال، يُجريها العاملون المحليون في مجال الصحة. كان الحدث كبيرًا ومبهجًا، مع وجود فرقة مشاة موسيقية حتى يخرج الآباء بأطفالهم من أجل تحصينهم. لكن سرعان ما وجد الزائر الأمريكي فتاةً صغيرةً تقوده -هو والمدير المحلي للمشروع- بعيدًا عن الحدث، قاطعين شوارع مهجورة تؤدي إلى منطقة لم تزل تحت الإنشاء.

"ما حدث هو أن الفتاة كانت تقودنا إلى منزلها"، هكذا يتذكر جون فيرتيفيويل، الذي يشغل حاليًّا منصب رئيس وحدة القضاء على شلل الأطفال بمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة. "كان لديها أخٌ رضيع وُلد في الليلة السابقة، أحضره والدها، وتمكَّنَّا من إعطائه المصل. كانت الفتاة في غاية الحماس لتمكُّنها من منح شقيقها تلك الهدية. على الأرجح لم تكن تدرك قيمة ما فعلته، ولكنها منحت أخاها فرصةً للحياة من دون شلل أطفال". ويستطرد قائلًا: "كم سيكون رائعًا إذا ما استطعنا فعل ذلك لكل طفل، من الآن وحتى نهاية الزمن".

قطعت الجهود الدولية المبذولة لتحقيق هذا الهدف شوطًا مهمًّا من خلال القضاء على فيروس شلل الأطفال البري من النمط الثالث عالميًّا. ويأتي إعلان هذا الخبر من قِبل اللجنة العالمية المستقلة المعنية بالإشهاد على استئصال شلل الأطفال بعد أربعة أعوام فقط من القضاء على فيروس شلل الأطفال البري من النمط الثاني. وتبقى سلالة واحدة فقط طليقة، هي سلالة فيروس شلل الأطفال البري من النوع الأول. يتحصن هذا النمط حاليًّا في أصغر المناطق في تاريخ المرض، مع أن هذه المنطقة تضم مناطق محفوفة بالأخطار جغرافيًّا وسياسيًّا في باكستان وأفغانستان.

منذ عام 1988، سعت المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال -وهي شراكة دولية تسعى لتحقيق ذلك الهدف- للقضاء عالميًّا على المرض بحلول 2023. بذلك، سيكون شلل الأطفال هو ثاني أكبر مرض بشري يُمحى أثره من العالم، بعد مرض الجدري عام 1980.

Credit: CDC

يعتبر هدف عام 2023 هدفًا طَموحًا إلى حدٍّ كبير. إذ يعني ذلك أن نشهد آخر حالات العالم من شلل الأطفال البري في وقتٍ ما خلال العام القادم - نزولًا من 88 حالة حتى الآن في عام 2019، ثم يُتْبَع بثلاثة أعوام من المراقبة المكثفة للتأكد من التخلُّص التام من المرض. لكن الجهود الرامية إلى مكافحة شلل الأطفال لديها تاريخ حديث من النجاح رغم العقبات التي تواجهها. فقد تمكنت الهند -حيث كان يؤدي المرض إلى شلل نحو من500  إلى 1000 طفل يوميًّا في التسعينيات- من القضاء على المرض في عام 2014. والآن، أضحى المشهد المؤلم لتسوُّل ضحايا شلل الأطفال في شوارع الدولة -بأرجلهم الملتوية كالأغصان والمطوية أسفلهم- تاريخًا مضى.

أما نيجيريا، حيث اغتال مسلحون معادون للحكومة تسع نساء من العاملين في مجال تطعيم شلل الأطفال في عام 2013، فقد مضى حتى الآن ثلاثة أعوام دون أي مؤشر على وجود فيروس شلل الأطفال البري، وسبع سنوات من دون النمط الثالث، ويرجع ذلك -إلى حدٍّ كبير- إلى المثابرة البطولية للعاملين بمجال الصحة المجتمعية. تقول كارول بانداك، من منظمة الروتاري الدولية: إن النجاح في نيجيريا يعني إمكانية اعتماد خلو القارة الأفريقية بأكملها من الأنماط الثلاثة لفيروس شلل الأطفال في وقتٍ ما خلال العام القادم.

بينما تشعر باكستان وأفغانستان -آخر دولتين مسجل فيهما حالات من شلل الأطفال البري- بـ"ضغط عالمي شديد من أجل تحقيق الهدف"، تقول بانداك. قامت حركة طالبان في مطلع هذا العام بتعطيل حملة التطعيم في أجزاء من أفغانستان تقع تحت سيطرتها، لكنها تراجعت عن موقفها في سبتمبر الماضي، وسمحت باستئناف الحملة في العيادات، في حين لم تسمح بها في المساجد أو المنازل. وفي دولة باكستان المجاورة لها، وضع رئيس الوزراء عمران خان القضاء على شلل الأطفال على قائمة أولويات الحكومة، وتولى خان قيادة الحملة مع بداية شهر نوفمبر.

كما يواجه كلٌّ من: المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال بقيادة منظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة الروتاري الدولية، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، عقبات شاقة. ويُعد ظهور وانتشار فيروس شلل الأطفال من النمط الثاني الناجم عن أخذ اللقاح في أفريقيا، هو الأمر الأكثر إثارةً للقلق على نحوٍ رئيسي. وفقًا لوالتر أورنشتيين، مختص في شلل الأطفال والأمراض المعدية بمدرسة الطب في جامعة إموري، فقد استوعب العاملون في مجال الصحة العامة تلك المشكلة منذ عام 2000. يمكن أحيانًا للفيروس الحي المُوهَن، أو الضعيف، الذي يتم استخدامه في لقاح سابين الفموي (والذي يُعد الدعامة الرئيسية في حملات المكافحة) أن ينتشر من طفل مُحصن باللقاح إلى آخر ما زال عرضةً للإصابة بشلل الأطفال.

وفقًا لأورنشتيين، يحدث هذا الانتقال على نحوٍ أكثر شيوعًا عند إراقة الفيروس الموهن في براز شخص محصن باللقاح، وتمريره بشكل غير مقصود إلى شخص عرضة للمرض عبر الاتصال الشخصي المباشر أو من خلال مصدر لمياه الشرب. وقد يتحور الفيروس داخل الجسم البشري -عبر سلسلة متتابعة من انتقال العدوى من شخص إلى آخر- إلى هيئةٍ أكثر عنفًا وقابليةً للانتشار، ثم يشرع في التنقل كفيروس شلل الأطفال البري بين الأطفال غير المحصنين. ووفقًا للمبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، فقد تسبب تفشي فيروس شلل الأطفال الناجم عن اللقاح في حدوث مئة وخمس حالات شلل بين الأطفال في العام السابق.

ويقول أورنيشتيين إنه برغم ذلك، لم توجد أية وسيلة سوى الاعتماد على المصل الفموي في الجهود المبذولة للقضاء على شلل الأطفال. فبينما يُعد اللقاح المُعَطِّل -الذي يعطى عن طريق الحقن- أكثر فاعليةً في حماية الأفراد عبر الحث على تكوين مناعة خِلْطِيَّة (في الدم وسوائل الجسد الأخرى)، كما يقول، إلا أنه غير مفيد في إحداث مناعة معوية. يجعله ذلك ذا فائدة أقل في المناطق ذات الصرف الصحي الرديء، حيث يشكل التناوُل العرَضي للمياه الملوثة بالبراز خطرًا داهمًا. ولذلك، لا يُعَد المصل الفموي فقط هو الأكثر سهولةً والأقل تكلفةً للاستخدام في الحملات المنزلية واسعة المدى، بل يمنح أيضًا مناعةً معويةً أقوى، كما يساعد في حماية المجتمع في الغالبية العظمى من الحالات، عبر الحد من كمية الفيروس المتدفقة في الفضلات البشرية.

وقد حدد الباحثون النقاط الرئيسية الموجودة في الجينوم الخاص باللقاح الفموي، التي يؤدي ظهور الطفرات فيها إلى عودة الفيروس في شكل أكثر ضراوة. يقول جاي وانغر، المسؤول بمؤسسة بيل وميليندا غيتس التي مولت هذا الجهد البحثي: إن هذا الإنجاز جعل فكرة إدخال تعديلات جينية على تلك النقاط بهدف منع عودة المرض، أمرًا ممكنًا. وصل لقاحان جديدان مرشحان، ومزودان بتلك التعديلات، إلى مرحلة اختبارات الحصول على الموافقة التنظيمية، من قِبَل منظمة الصحة العالمية والبلدان المصابة بالمرض، من أجل الاستخدام في حالات الطوارئ، وقد يصبحان متاحَين في يونيو المقبل. ومع ذلك، فإن هذا الجدول الزمني يتركنا أمام نافذة ضيقة من الوقت تدوم ثمانية أشهر، يمكن أن يحدث خلالها انتشارٌ للمرض ناجمٌ عن أخذ اللقاح.

إحدى العقبات الأخرى المحتملة في طريق القضاء على شلل الأطفال هي الملل الذي يَعُم على صعيد المتبرعين الدوليين. يقول ميشيل زفران، مدير إدارة استئصال شلل الأطفال في منظمة الصحة العالمية: "نعلم أن بلوغ الميل الأخير هو أصعب مرحلة من مراحل القضاء على المرض. إذ يميل الناس إلى التساهل دومًا؛ إذ يجعلهم نجاح اللقاح ينسون مدى الخطورة التي يمكن أن يصبح عليها المرض. وتسعى المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال للحصول على تمويل يقدر بـ3.27 مليارات دولار لتغطية تكاليف عملها خلال السنوات الأربع المقبلة، مع تدشين "لحظة إعلان التبرعات" للمتبرعين، التي عُقدت في 19 نوفمبر 2019، في مدينة أبو ظبي.

يقول زفران: "من الصعب دائمًا طلب المزيد من المال، خاصةً لمواجهة مرض لم يعد موجودًا بالنسبة للعديد من الناس. يتساءل البعض: لماذا يكلف القضاء على شلل الأطفال أموالًا طائلة في حين أن حالات الإصابة به المتبقية قليلة؟"، ويستطرد قائلًا: "لكن ما يجهلونه أن القضاء على شلل الأطفال ومنع تفشِّيه يقتضي ضرورة تطعيم 400 مليون طفل كل عام، ثم مواصلة تطعيم الأطفال لعشر سنوات على الأقل؛ لضمان ألا يعاود المرض الظهور". كما يلزم وجود شبكة متطورة لفحص عينات المرضى، وفحص أنظمة الصرف الصحي والمسطحات المائية المفتوحة؛ بحثًا عن أي أثر للفيروس.

كذلك الملل على صعيد المجتمع والآباء قد يشكل تحديًا أكبر. إذ يحتاج الأطفال في بعض الأحيان إلى تلقِّي ما بين ثماني جرعات إلى عَشر من اللقاح لاكتساب المناعة، وذلك في المناطق التي تعاني سوء خدمات الصرف الصحي. وقد واصل القائمون على حملات التطعيم عملهم للوصول إلى هؤلاء الأطفال بالرغم من حملات الاغتيالات الأخيرة في باكستان. لكن يتساءل الآباء بطبيعة الحال عن سبب عودة العاملين في مجال الصحة العامة لزيارتهم بلقاح شلل الأطفال بصفة مستمرة، في حين أن العائلات لا تزال تفتقد المياه النظيفة أوالمرافق الصحية الأساسية أو حتى إمكانية الحصول على الرعاية الصحية العامة. الوضع الذي تطلَّب توسيع جهود القضاء على شلل الأطفال لتشمل الاحتياجات المجتمعية الأخرى، وكذلك إقناع الشخصيات السياسية والدينية المحلية بتولِّي قيادة الحملة. 

هل سيكون أمرًا عمليًّا أن نقرر التراجُع عن هدف صعب مثل القضاء على المرض، وأن نركز الجهود بدلًا من ذلك على مجرد محاولة احتواء انتشاره؟ يستشهد زفران بدراسة أُجريت عام 2007 لحساب تكلفة تحويل التوجه من القضاء على المرض إلى مكافحته بما قد يصل إلى 3.5  مليارات دولار سنويًّا، وسيُخلف ذلك ظهور 200 ألف حالة إصابة بشلل الأطفال كل عام. في ضوء ذلك يوضح زفران: "إذا توقفنا، فسوف يعود المرض. سينتشر بسرعة في الشرق الأوسط، وفي أفريقيا، وربما في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، تمامًا مثلما حدث مع مرض الحصبة. أظن أن الوقت قد حان حقًّا لإتمام مهمتنا، ولدينا جميع الأدوات اللازمة لفعل ذلك".