أخيرًا، وبعد طول انتظار، بدأ طرح اللقاحات الخاصة بمرض "كوفيد-19"، وأصبح الأمل يحدونا في أن نصل عن قريب إلى مستوى المناعة الجماعية، تلك الحماية من الأمراض المعدية التي نكتسبها عندما تحصل نسبةٌ كافية من السكان على اللقاحات المضادة لتلك الأمراض، أو حين يصاب بها عددٌ كافٍ من الناس، لكن رغم أنَّ أوائل اللقاحات التي حصلت على تصريحٍ بالاستخدام الطارئ من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تتسم بمستوًى استثنائي من الفاعلية في الوقاية من مرض "كوفيد-19"، فإنَّ البيانات لا يمكنها أن تخبرنا بعدُ عما إذا كانت تلك اللقاحات تمنع انتشار فيروس "سارس-كوف-2" المسبب للمرض أم لا.

هذا السؤال حول مدى قدرة اللقاحات على وقاية مَن يتلقونها من المرض ومنعهم من نقل العدوى إلى الآخرين لا يتعلق فقط بالجائحة الحالية؛ فوفقًا لدون بوديش، أستاذة الباثولوجيا والطب الجزيئي بجامعة ماكماستر الكندية، فإنَّ هذا الشكل من المناعة، والذي يُعرف بالمناعة المُعقِّمة، كان عاملًا رئيسيًّا في القضاء على مرض الجدري.

لآلاف السنين، اجتاح فيروس "الفاريولا" variola المسبب لمرض الجدري المجتمعات البشرية، وهو ما يتضح من آثار البثور التي عُثِر عليها في مومياء الفرعون المصري رمسيس الخامس، التي يبلغ عمرها ثلاثة آلاف عام، وتشير التقارير إلى أنَّ الفيروس كان منتشرًا على مستوى العالم بحلول القرن الأول الميلادي، وفي النهاية تحول إلى جائحةٍ دامت قرونًا، ويعتقد المؤرخون أنَّ المرض فتك بأكثر من 300 مليون شخص في الفترة من عام 1900 إلى عام 1980، الذي أُعلِن فيه القضاء عليه رسميًّا، وتقول عنه ناتاشا كروكروفت، كبيرة المستشارين الفنيين المعنيين بمرضي الحصبة والحصبة الألمانية في منظمة الصحة العالمية: "لقد غيَّر الجدري تاريخ العالم؛ إذ تسبَّب في تغيير ورثة العروش في عددٍ من الممالك، كما غيَّر نتائج حروبٍ أثَّرت على مصائر بلدان بأكملها".

وقد أسفرت المعركة التي خاضتها البشرية لمكافحة الجدري عن أولى جهود التطعيم في التاريخ، وأدت إلى تطوير لقاح جدري البقر، الذي ابتكره الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر لمكافحة الجدري في عام 1796، وتقول بوديش عن ذلك اللقاح: "كان لقاح الجدري يُكسبنا مناعةً مُعقِّمة، تجعل أجسامنا خاليةً من الفيروس؛ فالأجسام المضادة التي ننتجها، والاستجابات التي نشنها، تقضي على الفيروس تمامًا من أجسامنا".

ورغم أنَّ العديد من اللقاحات المستخدمة على نطاقٍ واسع في يومنا الحاضر تُكسبنا مناعةً مُعقِّمةً فعالةً للغاية، كاللقاح المضاد لمرض الحصبة على سبيل المثال، فإنَّ هناك لقاحاتٍ أخرى لا تُكسبنا ذلك النوع من المناعة، مثل لقاح التهاب الكبد الوبائي من النوع "ب"، وهذه اللقاحات تدرِّب الجهاز المناعي للإنسان على وقايته من المرض، لكن مع ذلك يمكن للعامل المُمْرِض أن يظل موجودًا في الجسم، وبالتالي تصبح هناك فرصةٌ لانتقال العدوى إلى غيره من الناس، وتوضح بوديش أنَّ غياب المناعة المُعقِّمة يعني أنَّ العامل المُمْرِض يمكن أن يستمر في الانتشار بين السكان، وحينها قد يصيب المرض الفئات المعرضة للخطر ومَن لم يحصلوا على اللقاحات، أو ربما يتطور العامل المُمْرِض ليتفادى استجاباتنا المناعية.

وربما كان الوصول إلى مستوى المناعة المُعقِّمة هدفًا طموحًا بالنسبة لمُصنِّعي اللقاحات الخاصة بمرض "كوفيد-19"، بيد أنَّ تلك المناعة ليست ضروريةً لكبح انتشار المرض؛ فوفق كروكروفت، فإنَّ مفهوم هذا النوع من المناعة يُعدُّ معقدًا ودقيقًا، وتوضح: "في الواقع، قد يكون من الأفضل تعريف نطاق حماية اللقاحات على أنَّه مدى قدرتها على منع انتقال السلالات الطبيعية غير المتحورة من الفيروسات والبكتيريا".

من الأمثلة الواضحة على ذلك فيروس "الروتا" rotavirus، الذي يؤدي إلى الإصابة بحالةٍ حادة من القيء والإسهال المائي، ويُعد خطيرًا بالأخص على الرضع والأطفال الصغار؛ إذ يحد اللقاح المضاد لهذا الفيروس من تكاثره في الجسم، لكنَّه لا يمنع تكاثره تمامًا، وبهذا فإنَّه لا يحمي من الإصابة بحالات المرض الطفيفة، ومع ذلك، فمن خلال تقليل الحمل الفيروسي لدى الشخص المصاب، يقلل اللقاح من انتقال العدوى، موفرًا بهذا لغيره من الناس قدرًا كبيرًا من الحماية غير المباشرة، ووفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فبعد طرح لقاحٍ لفيروس الروتا عام 2006 في الولايات المتحدة بفترةٍ تتراوح بين 4 و10 سنوات، انخفض عدد حالات الإصابة المؤكدة بالمرض بنسبةٍ تتراوح بين 74% و90%.

لكنَّ احتواء الأمراض المُعدية باستخدام اللقاحات لا يتحقق دائمًا دون عوائق بهذا الشكل، فمدى قدرة اللقاحات على منع انتقال العدوى يعتمد بالأساس على العامل المُمْرِض نفسه، وعلى حامله، وكذلك على التفاعل بينهما، حسبما أوضحت بوديش.

فعلى سبيل المثال، فإنَّ اللقاحات المضادة لبكتيريا Bordetella pertussis، المُسبب الرئيسي لمرض السعال الديكي pertussis، تقوم بعملٍ رائع في الوقاية من المرض، لكنَّها لا تقضي على العامل المُمْرِض تمامًا، بدلًا من ذلك، عندما تتكاثر البكتيريا في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، فإنَّ الأجسام المضادة التي يحفزها اللقاح تستخدم الانتخاب الطبيعي للتخلص من البكتيريا التي تَنشَط جيناتها المُسبِّبة للمرض. ونظرًا إلى أنَّ تلك الجينات مسؤولةٌ كذلك عن أجزاء البكتيريا التي تستهدفها الأجسام المضادة، فإنَّ البكتيريا التي تُبقي تلك الجينات مُعطَّلةً تراوغ الاستجابة المناعية، وتبقى في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي دون أن تُرصَد، حسبما أوضحت بوديش، ويصبح هذا الأمر معضلةً عندما تنتقل البكتيريا إلى شخصٍ لديه جهازٌ مناعي لم يتعرض لها من قبل، مثل الأطفال الرضع؛ ففي غياب الأجسام المضادة، تنشط الجينات المُسبِّبة للمرض في البكتيريا من جديد، فتصيب الجسم بالعدوى، ومع ذلك، فإنَّ طرح لقاحات السعال الديكي في أربعينيات القرن الماضي أسهَم في خفض العدد السنوي لحالات الإصابة بالمرض في الولايات المتحدة من أكثر من 100 ألف حالة إلى أقل من عشرة آلاف بحلول عام 1965، لكن في الثمانينيات، بدأت أعداد الحالات ترتفع ببطء مرةً أخرى مع رفض أعدادٍ متزايدة من الآباء والأمهات لتطعيم أطفالهم، وفي الوقت الحالي، عدنا إلى التركيز من جديد وبصورةٍ أكبر على تقليل فرص التعرُّض للبكتيريا المسببة للمرض، وعلى حصول الرضع على الأجسام المضادة عن طريق تطعيم الحوامل والأمهات الجدد.

وهناك مثالٌ آخر، وهو الجهود المبذولة لوقف انتشار مرض شلل الأطفال؛ فهذه الجهود توفر لنا معلوماتٍ إضافيةً حول مدى تعقيد التدابير اللازمة لمكافحة الأوبئة؛ إذ تُكسبنا الفئتان الرئيسيتان من اللقاحات المضادة لفيروسات شلل الأطفال أنواعًا مختلفة من المناعة، فمثلًا، يحمينا لقاح شلل الأطفال المعطل (IPV) من الإصابة بالعدوى الجهازية، والشلل الناتج عنها، لكنَّه لا يوقف تكاثر الفيروس في الأمعاء، لذلك فهو لا يوفر حمايةً غير مباشرة لمَن لم يتلقوا التطعيم، أمَّا لقاح شلل الأطفال الفموي (OPV) فيُكسبنا مناعةً معوية موضعية، تقينا من العدوى، وتحمينا من المرض، وتمنع انتقاله، ومع ذلك، فبالنظر إلى أنَّ اللقاح الفموي يستخدم فيروسًا حيًّا مُوهنًا، يمكن لهذا الفيروس أن يتحور وينتشر في بعض الحالات النادرة، وسط المجتمعات التي لم تُطعَّم نسبةٌ كافية من أفرادها، وبالتالي قد يصيب هذا الفيروس الناس بالمرض مرةً أخرى، ولهذا توصي المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال ومعها منظمة الصحة العالمية بتطبيق إستراتيجيات تطعيم مختلفة اعتمادًا على السياق المحلي في كل منطقة؛ ففي الأماكن التي فيها السلالة الطبيعية غير المتحورة من الفيروس ما زالت تنتشر، يُعَدُّ اللقاح الفموي ضروريًّا لتقليل معدل انتشار العدوى، أمَّا في المناطق التي قُضِيَ فيها على هذه السلالة، فإنَّ اللقاح ذا الفيروس المعطل يضمن الحماية للسكان، وجديرٌ بالذكر أنَّه بفضل التطبيق واسع النطاق لبرامج التطعيم، أصبحت الولايات المتحدة خاليةً من حالات مرض شلل الأطفال منذ عام 1979، كما أنَّنا أوشكنا على القضاء على المرض تمامًا من العالم بأسره.

وفي ورقةٍ بحثية نُشِرَت في عدد شهر أكتوبر 2020 من الدورية الأمريكية للطب الوقائي American Journal of Preventive Medicine، نمذج الباحثون النتائج المحتملة لدرجات الحماية المختلفة التي قد توفرها لقاحات "كوفيد-19"، ووجدوا أنَّه إذا طُرِحَ لقاحٌ يحمي 80% ممن يحصلون عليه، وتلقَّاه 75% من السكان، فإنَّ ذلك اللقاح يمكن إلى حدٍّ كبير أن يقضي على الوباء، دون اللجوء إلى تدابير أخرى مثل التباعد الاجتماعي، وحسبما أوضح بروس واي. لي، الأستاذ بكلية الدراسات العليا للصحة العامة والسياسات الصحية في جامعة مدينة نيويورك، والذي شارك في تأليف الورقة البحثية، فـ"في أي حالةٍ غير ذلك، لن يمكننا الاعتماد على اللقاحات للعودة إلى الحياة الطبيعية"، أي أنَّه إذا كان اللقاح يقي من المرض فحسب، أو يقلل فقط من تكاثر الفيروس وانتشاره بدلًا من القضاء عليه تمامًا، فربما يكون من الضروري حينها أن نستمر في تطبيق مزيدٍ من تدابير الصحة العامة، ورغم ذلك، أكد الباحث أنَّ تطعيم الناس على نطاقٍ واسع بلقاحٍ لا يُكسبهم مناعةً معقمة يمكن مع ذلك أن يقلل العبء على منظومة الرعاية الصحية، وأن ينقذ أرواح الناس.

وربما توفر لنا الإنفلونزا أفضل نموذجٍ لما يمكن أن نتوقعه في الفترة القادمة، توضح كروكروفت أنَّ لقاح الإنفلونزا الأكثر شيوعًا، الذي يحتوي على فيروسٍ مُعطَّل، في الواقع "لا يُكسبنا مناعةً مُعقِّمة، لأنَّه لا يولِّد استجابةً مناعيةً موضعيةً في الجهاز التنفسي"، وهذه المسألة، إلى جانب انخفاض معدلات التطعيم بهذا اللقاح (غالبًا ما تقل بدرجةٍ بسيطة عن 50% بين البالغين)، وقدرة فيروس الإنفلونزا على إصابة أنواعٍ متعددة من الكائنات والتنقل بينها، كل هذا يُمكِّن الفيروس من التحور باستمرار، بطرقٍ تجعل من الصعب على جهاز المناعة أن يتعرف عليه، ومع ذلك، ثبت أنَّ لقاحات الإنفلونزا تقلل معدلات دخول المستشفيات في حالة كبار السن بنسبةٍ تُقدَّر بحوالي 40%، وكذلك تخفض معدلات دخول العناية المركزة لجميع البالغين بنسبةٍ تصل إلى 82% (تتغير تلك النسب بتغيُّر الظروف كل عام).

وتشير الأبحاث الجارية على فيروسات كورونا الموسمية إلى أنَّ فيروس "سارس-كوف-2" من الممكن بالمثل أن يتطور لكي يراوغ أجهزتنا المناعية وجهود التطعيم، وإن كان هذا سيحدث بوتيرةٍ أبطأ على الأرجح، كما أنَّ البيانات لا تزال متناقضةً فيما يتعلق بالعلاقة بين الأعراض والحِمل الفيروسي وإمكانية نقل العدوى، لكن هناك سوابق كثيرة ساعدتنا فيها اللقاحات على احتواء الأمراض المعدية بنجاح حتى وإن كانت لا تُكسبنا مناعةً معقمة تقضي على الفيروس تمامًا، وتقول كروكروفت في هذا الصدد: "الحصبة، والدفتيريا (الخُناق)، والسعال الديكي، وشلل الأطفال، والتهاب الكبد الوبائي من النوع "ب"، كل هذه أمراضٌ وبائية، وجميعها تُبيِّن لنا أنَّ هزيمة الأمراض المعدية لا تتطلب لقاحاتٍ فعالةً بنسبة 100% في خفض معدلات انتقال العدوى، ولا تتطلب تطعيم 100% من السكان، ولا تحتاج إلى أن تكون اللقاحات فعالةً بنسبة 100% في الوقاية من المرض".