التهاب المهبل البكتيري يمكن أن يكون مؤذيًا بشدة. هذه الحالة المرضية، التي يتسبب فيها النمو الزائد للبكتيريا داخل المهبل، ينتج عنها شعور بحرقة ووجود إفرازات مصحوبة برائحة كريهة. ويُعد هذا الالتهاب أحد أكثر الالتهابات المهبلية شيوعًا في النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و44 عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يصيب 21.2 مليون امرأة منهن. ومع أن هذه العدوى لا تهدد الحياة، إلا أنها قد تسبب العقم والولادة المبكرة، وتزيد من قابلية الإصابة بالأمراض التي تنتقل عبر الاتصال الجنسي. ونتيجةً لذلك، قد يؤدي المرض إلى اضطرابات طويلة الأمد في العلاقات الجنسية وانخفاض جودة الحياة. فضلًا عن أن العلاج التقليدي الحالي -الذي يتمثل في دورة علاجية بالمضادات الحيوية- ليس فعالًا مع جميع النساء. وبصرف النظر عن بعض المعينات الحيوية (probiotics) التي تُصرف دون وصفة طبية ويعتبرها الكثير من الخبراء غير فعالة، لم تظهر علاجات جديدة منذ عقود.

ترى كارولاين ميتشل -الأستاذ المساعد، المتخصصة في أمراض النساء والتوليد بمستشفى ماساتشوستس العام- أن عدم وجود علاجات جديدة يُعد مثالًا صارخًا على عدم المساواة في الرعاية الصحية. تقول ميتشل: "إن المشكلة أكبر بكثير مما يعتقد الناس، علينا أن نقدم للنساء ما هو أفضل من ذلك".

وفي الآونة الأخيرة، شرع الباحثون في استكشاف نهج جديد لعلاج التهاب المهبل البكتيري، يتضمن نقل السوائل المهبلية من امرأة سليمة وزرعها في مهبل امرأة مصابة بالالتهاب. نُشِرَت كذلك ورقة بحثية جديدة بشأن استخدام زرع النبيت البكتيري المهبلي في الأسبوع الماضي في دورية "نيتشر ميديسن". وقد شعرت أربع نساء من خمس في هذه الدراسة الصغيرة بتحسُّن طويل الأمد في التهاب المهبل البكتيري متكرر الحدوث بعد الخضوع لهذا الإجراء، ما بعث الأمل في الوصول إلى علاج جديد. غير أن الخبراء يحذرون من أن العديد من المخاطر والعوامل المجهولة ما زالت قائمة.

في هذا الصدد، يقول جاك رافل، الباحث المتخصص في الجينوميات الجرثومية في معهد علوم الجينوم في كلية الطب بجامعة ميريلاند، والمؤسس المساهم لشركة التكنولوجيا الحيوية "لوكا بايولوجيكس" المتخصصة في تطوير العلاجات الحيوية من أجل صحة النساء: "أعتقد أن هذا الإجراء ما زال في المراحل التجريبية الأولى في الوقت الراهن". جدير بالذكر أن رافل لم يشارك في الدراسة.

توازن دقيق

يؤوي المهبل نظامًا بيئيًّا ميكروبيًّا معقدًا، تسوده –لدى أغلب النساء- البكتيريا من جنس البكتيريا المُلبِّنَة Lactobacillus. تحيل هذه الميكروبات السكريات الصادرة من جدار المهبل إلى حمض اللاكتيك، الذي يمثل خط الدفاع الأول والمهم ضد المُمْرضات. يحدث التهاب المهبل البكتيري عندما يختل هذا النظام البيئي، وتسيطر عليه البكتيريا اللاهوائية. تتسبب هذه البكتيريا الغازية الكريهة في انبعاث منتجات ثانوية كريهة الرائحة، وترفع درجة الحموضة في المهبل، وتجعله عرضةً للإصابة بالفيروسات التي من ضمنها فيروس العوز المناعي البشري HIV. وقد تبلغ نسبة الانتكاس بعد العلاج بالمضادات الحيوية 70%، لذا فإن المرض يصبح مزمنًا عند الكثير من النساء.

ويُعتبر زرع النبيت البكتيري المهبلي أحد نهجين جديدين يعتمدان على الميكروبات لإعادة التوازن إلى النظام البيئي الميكروبي للمهبل. أما النهج الآخر فيستخدم الأدوية الحيوية المستهدفة، التي تتضمن وضع بكتيريا زُرعَت في المختبر داخل المهبل. وقد بلغ أحد هذه الأدوية، الدواء "لاكتين v" -وهو أحد أنواع البكتيريا المُلبِّنَة Lactobasillus crispatus الذي أُنتِج في المختبر وطورته شركة أوسل للتكنولوجيا الحيوية الواقعة في كاليفورنيا- أكثر المراحل تقدمًا في التجارب الإكلينيكية. إذ أتم الدواء LACTIN -V الجزء الثاني من المرحلة الثانية من التجارب الإكلينيكية مؤخرًا، ومن المتوقع أن تصدر النتائج في شهر يناير عام 2020. كذلك اعتمدت إدارة الأغذية والأدوية اثنتين من التجارب الإكلينيكية لزرع النبيت البكتيري المهبلي مؤخرًا. رغم ذلك، يختلف الخبراء حول أي النهجين أفضل، وكلاهما مثير للجدل.

يصف ناقدو زرع النبيت البكتيري المهبلي التقنية بأنها أداة بدائية، ويشيرون إلى أن شاغلهم الرئيس هو السلامة. يقول رافل: "بصراحة لا أعتبر هذه التقنية إجراءً علاجيًّا، لكنها في الحقيقة أداةٌ للبحث والاكتشاف. قد تعطي نتيجة، إلا أن عامل السلامة لا بد أن يحظى بالأهمية القصوى". يحذر رافل من انتقال مجموعة من الكائنات غير المرغوب فيها -قد تتضمن فيروسات مثل فيروس الورم الحليمي البشري- مع البكتيريا النافعة. الطريقة الوحيدة لتجنُّب هذا الخطر تتمثل في اختبار كل عينة زرع، غير أن هذا الأمر غير عملي؛ بسبب التكلفة وحجم العينة المطلوبة. عادةً ما تنتج عينة التبرع بالميكروبات المهبلية نحو 300 ميكرو لتر من السائل، ووفقًا لرافل فإن ذلك يعادل بضع قطرات، وأخذ بعض منها للاختبار سيترك كميةً ضئيلةً جدًّا للمريضة المتلقية للعينة.

وعوضًا عن ذلك ينبغي أن تُستخلص زرعات النبيت البكتيري المهبلي على الأرجح من متبرعات جرى التأكد من خلوهن من الأمراض، ويخضعن للاختبار بصفة دورية فقط بين التبرع والآخر. لكن المتبرعات الملائمات يصعب العثور عليهن. ففي دراسة حديثة أوجزت طريقةً لاختبار متبرعات محتملات، وجد الباحثون أن امرأةً واحدةً فقط من كل 20 امرأة جاءت نتيجة اختبارها سلبيةً لفيروس الورم الحليمي البشري. يشير رافل إلى أنه من السهل عدم تشخيص عدوى فيروسية مثل فيروس الورم الحليمي البشري؛ لأن المواد الوراثية الخاصة به تصدر عنه بصورة متقطعة مثلما أثبت في ورقة بحثية كتبها عام 2014. ويضيف أن نتيجة اختبار المتبرعة قد تكون سلبيةً في يوم وموجبةً في يوم آخر. في حال كان الفيروس يصدر مواده الوراثية في أثناء أخذ عينة التبرع، فإنها قد تكون غير آمنة.

حتى النبيت البكتيري لمتبرعة خالية من المُمْرضات قد يختلف من يوم إلى آخر بناء على عوامل مثل نظامها الغذائي، ومستوى الضغط النفسي الذي تمر به والدورة الشهرية. ويقول رافل إن اختلافات كتلك في البكتيريا الموجودة في الزرعة يمكن أن تؤثر على فاعليتها.

وفي الإطار نفسه، يعلق كريج كوهين -الأستاذ بقسم النساء والتوليد والعلوم الإنجابية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، الذي لم يشارك أيضًا في دراسة نيتشر ميديسن- بقوله: "الحقيقة أننا نلج إلى عالم جديد كليًّا عندما يتعلق الأمر بفهم الميكروبيوم البشري".

 قاد كوهين الجزء الثاني من المرحلة الثانية من التجربة الإكلينيكية للدواء LACTIN-V. ويعتقد أنه من الصعب ضمان سلامة زرعات النبيت البكتيري المهبلي في مجموعة أكبر؛ بسبب كمية اختبارات السلامة التي ستكون مطلوبة، ولأنه سيكون من الأسهل ضمان سلامة علاج مطوَّر في المختبر، فيقول: "نستطيع بالفعل طرح منتج مفيد لصحة المرأة في السوق، بناءً على نتائج التجربة الإكلينيكية".

تتفق لورا إنساين -الأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة جون هوبكينز- مع هذا الرأي. فتقول: "الهدف هو أن يكون لدينا منتج قابل للتصنيع، مثل علاج حيوي"، لأنه يتميز بإمكانية إنتاجه بكمية كبيرة. تعتقد إنساين -التي لم تشارك في دراسة نيتشر ميديسن، ولكنها شاركت في تأليف الدراسة الخاصة بالعثور على متبرعة لزراعة النبيت البكتيري المهبلي- أن هذا الإجراء أيضًا قد يكون ذا قيمة، لا سيما في الفترة المؤقتة التي تخضع فيها العلاجات الحيوية للتجارب الإكلينيكية. وحصلت مؤخرًا على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لبدء تجربة على تقنية زراعة النبيت البكتيري المهبلي.

ما زال الوقت مبكرًا

تؤمن إنساين بضرورة إجراء المزيد من الأبحاث لمعرفة أي النهجين سينجح على وجه التحديد، كما تؤمن بأن تقنية زرع النبيت البكتيري المهبلي قد تساعد العلم على معرفة ذلك؛ لأنها توضح ما يحدث عندما يجري زرع مجتمع كامل من الميكروبات معًا. ويساورها القلق من أن سلالةً واحدةً من الميكروبات لن تكون فعالةً بالقدر الكافي مثل مجتمع كامل من الميكروبات، وتشير إلى تجارب سابقة أثبتت أن سلالةً واحدةً من البكتيريا لم تتمكن من إنشاء مستعمرة داخل مهبل الأنثى. تفترض إنساين احتمالية وجود ميكروبات "مساعِدة"، تمكِّن السلالة السائدة من إثبات وجودها، بيد أنها تقر بأن الباحثين ما زال عليهم تعلُّم الكثير. وتختم حديثها قائلةً: "نحتاج حقًّا إلى معرفة النهج الذي قد يثبت فاعليته قبل البدء في تضييق نطاق الأشكال المحتملة للمنتج المصنَّع". وحتى يلحق العلم بما تهدف إليه، تأمل إنساين أن يكون زرع النبيت البكتيري المهبلي أداةً طبيةً لمساعدة النساء اللاتي لا تحقق المضادات الحيوية فاعليةً لديهن.

أعربت ميتشيل -التي تلقت أيضًا موافقةً على تجربة إكلينيكية باستخدام زرع النبيت البكتيري المهبلي لعلاج التهاب المهبل البكتيري، ولم تشارك في الدراسة الجديدة- عن آراء مماثلة. وتهدف تجارب إنساين وميتشيل إجمالًا إلى إشراك 170 مريضة، وهو عدد أكبر بكثير من المريضات الخمس اللاتي خضعن للعلاج في ورقة نيتشر ميديسين البحثية.

وفي هذا الصدد، يتحدث ديفيد فريدريكس -الخبير البارز في المجتمعات الميكروبية المهبلية، والباحث بقسم اللقاح والأمراض المعدية بمركز فريد هتشينسون لأبحاث السرطان، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة- قائلًا: "إن قيمة تقنية زرع النبيت البكتيري المهبلي مقابل زرع نوع واحد من البكتيريا أو مجموعة بكتيرية صغيرة تكمُن في القدرة على زرع مجتمعات مركبة من الميكروبات الموجودة طبيعيًّا في جسم بشري معين". ويشير إلى أن إعادة إنشاء بيئة مهبلية صحية قد يمثل تحديًا؛ بسبب التفاعلات المركبة بين الميكروبات.

ويختتم حديثه قائلًا: "إن إعادة هندسة المجهريات الميكروبية البشرية أكثر صعوبةً على الأرجح من مجرد وضع مزيج من السلالات البكتيرية فوق سطح مخاطي، بغض النظر عما إذا كان مصدر تلك السلالات مزرعة في المختبر، أو أنسجة بشرية، أو سائلًا من سوائل الجسم".