يُسَبِّب فيروس مرض بورنا 1 (BoDV-1) عدوى عصبيّة غريبة ومميتة لدى الخيول والخراف والثدييات المُستأنسة الأخرى في مناطق من ألمانيا وسويسرا وليختنشتاين والنمسا. وقد أُطلق على مرض بورنا هذا الاسم نسبةً إلى مدينة بورنا الواقعة في ألمانيا الشرقيّة، التي قَتَل فيها المرضُ الكثير من الخيول في أواخر القرن التاسع عشر. وقد عُرف عن الحيوانات المصابة بالعدوى أنها تنخرط في سلوكيات غريبة، مثل خبط رؤوسها في الأشياء، إضافة إلى سُلوكٍ آخر أُطلق عليه اسم «تدخين الغليون»، وهو مصطلح عاميّ يصف سلوك أكل الحيوانات القشَّ ثم توقُّفها فجأةً عن المضغ بينما الطعام في فمها بحيث يبرز الجزء غير المأكول من أفواهها كالغليون. إلا أنه لا يبدو أن المرض ينتشر فيما بين الخيول؛ إذ يُعْتَقدُ أنها تكتسبه من الزَّبَّابات التي تعيشُ في القش وتُفْرِزُ أو تُخْرِج سوائل تحتوي على الفيروس.

اكتشف باحثون، منذ نحو 14 عامًا، أن حيوان الزَّبَّاب ثنائي الألوان أبيض الأسنان هو العائل المُستودَع -أيْ الكائن الذي يتكاثر بداخله الفيروس من غير أن يُصاب بالمرض عادةً- لفيروس مرض بورنا 1. وتُعتبر الخيول والخراف «عوائل نهائيَّة» لا يمكنها نشر العامل المُمرِض. تَجادَلَ العلماء لعقود حول ما إذا كان الفيروس حيوانيّ المنشأ والعدوى أم أنه قادر على الانتقال من الحيوانات إلى البشر. بل إن عدة دراسات أشارت إلى أن الفيروس قد يكون موجودًا في أجسام أشخاصٍ مصابين باضطرابات نفسيَّة، مثل الاكتئاب والفصام والاضطراب ثنائيّ القطب. إلا أنه اتضح لاحقًا أن تسلسلات الحمض الريبيّ النوويّ الفيروسيّ التي كشفت عنها هذه الدراسات نتجت على الأرجح من تلوثٍ مُختبري، ومن ثَمَّ تراجعت وتيرة الأبحاث التي تتناول إصابة البشر بالعدوى.

غير أنه اكتُشف في عام 2015 أن نوعًا مشابهًا من فيروس بورنا يوجد في أجسام السناجب النادرة قد تَسبَّب في وقوع أربع حالات وفاة بشريَّة على الأقل. ثم اكتشف العلماء -بين عامي 2018 و2019- فيروس كورونا التقليديّ BoDV-1 لدى خمسة أشخاص في ألمانيا، كانوا مصابين بالتهابات دماغيّة خطيرة أو مميتة (وهو التهاب في الدماغ تُسبِّبه العدوى)، وكان ثلاثةٌ من المتوفين قد سبق لهم أن أُخضعوا لعمليات زرع أعضاء، وكانوا يتناولون عقاقير مثبِّطة لجهازهم المناعي. حاليًّا، كشف باحثون في دراسة نُشِرت يوم الثلاثاء في دورية «لانْسِت إنفكشاس ديزيزيز» Lancet Infectious Diseases عن ثماني حالات إضافيّة من البشر أُصيبت بعدوى فيروس مرض بورنا 1، وقد تُوفيت تلك الحالات بسبب التهاب الدماغ. ويبدو أن العامل المُمْرِض لم يلفت الانتباه إليه على مدار عقود، إلا أن الباحثين يقولون إنه يتعين على الأطباء اعتباره سببًا مُحتملًا وراء حالات الوفاة المذكورة.

يقول مارتن بير، رئيس معهد علم الفيروسات التشخيصيّ بمعهد فريدريش لوفلر بألمانيا، والذي كان باحثًا رئيسيًّا مشاركًا في الدراسة الجديدة، كما كان أحد أفراد الفريق الذي أبلغ بإصابة السناجب بعدوى فيروس بورنا: "لدينا الآن ثماني حالات أخرى، وتُتيح هذه الحالات المزيد من المعلومات التي تُساعد في تحسين فهمنا للمرض". وتُؤكد النتائج أن الفيروس قادرٌ على أن يُصيب البشر بالعدوى، كما يمكن أن يتسبَّب في إصابتهم بالتهاب الدماغ القاتل. إلا أن بير يستدرك قائلًا: "لكننا نعتقد أن احتمال حدوث هذا منخفضٌ نوعًا ما".

أجرى بير وزملاؤه تحليلًا لعينات أنسجة دماغية أُخذت من أجسام 56 مريضًا عقب الوفاة، وذلك في ولاية بافاريا الألمانية في الفترة ما بين عامي 1999 و2019. وجرى اختبار العينات بحثًا عن مواد جينيّة من فيروس مرض بورنا 1، الذي تحقَّق منه الباحثون بإجراء المزيد من الاختبارات للعثور على أجسامٍ مضادة له. كان سبعة من المرضى التسعة الذين أودى بحياتهم التهابٌ دماغي مجهول الأسباب في أحد المراكز التشخيصيّة قد اتضح أن نتيجة اختباراتهم كانت موجبةً فيما يتعلق بإصابتهم بالفيروس (كانت إحدى هذه الحالات قد سبق الإبلاغ عنها قبل ذلك). كذلك فقد أُضيفت إلى التحليل حالتان أُخريان كانت نتيجة اختباراتهم موجبة.

تؤكد النتائج أن الفيروس قد تسبَّب في إصابة ثماني حالات جديدة بالتهاب الدماغ: اثنتان منها كانتا لفردين منقوصَي المناعة كان قد أُخضعا في السابق لعمليات زرع أعضاء، وستٌّ منها لم يسبق إخضاعها لتلك العمليات. ونظرًا إلى أن الأفراد الآخرين الذين أَخضعوا لعمليات زرع أعضاء من المتبرع نفسه لم تثبُت إصابتهم بالفيروس، يعتقد الباحثون أن الأشخاص الذين أُخضعوا لعمليات زرع أعضاء وماتوا بسبب الفيروس ربما اكتسبوا الفيروس بسبب نقص مناعتهم، لا من المتبرع. عانى المرضى أعراضًا منها الصداع والحمى والارتباك، وقد تطوَّرت الأعراض لاحقًا؛ إذ دخل المرضى في حالة غيبوبة، ثم ماتوا في نهاية الأمر.

كان المرضى جميعهم يعيشون في مناطق ريفيَّة، وكانوا يعملون أو يقضون الكثير من الوقت خارج المنازل. كذلك فقد كان أغلبهم محاطًا بالقطط، المعروف أنها تصطاد الزَّبَّابات وتُقدِّمها أحيانًا لأصحابها. افترض بير وفريقه أن المرضى قد تعرَّضوا لفيروس مرض بورنا 1 بهذه الطريقة، أو ربما باستنشاق الغبار الذي يحتوي على بول الزَّبَّابات الجاف. يقول بير إن إجراء مزيد من الدراسات سيكون ضروريًّا من أجل تحديد المسار الحقيقي للعدوى.

يُعْتَقَدُ أنه بمجرَّد دخول الفيروس جسم العائل من البشر أو الخيول، فإنه يعبر الحاجز الدمويّ الدماغيّ إلى الجهاز العصبيّ المركزيّ، حيث يستثير الجهاز المناعيّ لدى العائل ليُهاجم أنسجة الدماغ. يوضح بير قائلًا: "ليس الفيروس هو ما يتسبَّب في قتل خلايا الدماغ أو الأنسجة العصبيّة، وإنما المسؤول عن ذلك الجهاز المناعيّ لدى العائل نفسه، الذي يكتشف العدوى ويبدأ بقتل أجزاء من الدماغ".

ليس ثمة علاج معروف للمرض، لكنَّ الباحثين يستكشفون إلى أي مدى يمكن أن تكون المضادات الفيروسيّة مثل «ريبافيرين» Ribavirin -الذي تبيَّن أنه قادرٌ على قتل مجموعة من فيروسات بورنا في الخلايا النامية في أطباق المختبرات وفي الدراسات على الحيوانات- فعَّالةً في علاج العدوى بفيروس مرض بورنا 1 لدى البشر. ويخطط بير وزملاؤه لاختبار مدى فاعلية المضادات الفيروسيّة الأحدث في مقاومة الفيروس، وذلك في دراساتٍ تُجرى على الحيوانات.

يقول نوربرت نوفوتني، أستاذ علم الفيروسات بجامعة الطب البيطريّ بفيينا، الذي لم يُشارك في الدراسة الجديدة وإنما كان عضوًا في الفريق الذي اكتشف أن الزَّبَّابات عائل مستودع للفيروس: "أعتقد أنها دراسة ممتازة. إن مرض بورنا هذا مرضٌ غريبٌ حقًّا؛ فهو ليس مثل الإنفلونزا". ويُضيف نوفوتني مُلاحظًا أنه لا يُسبِّب أوبئة: "إنه مرض يُصيب الحيوان المنفرد فقط، ويبدو أنه كذلك أيضًا في البشر".

الفيروس نفسه غير عادي نوعًا ما، من حيث إنه يملك جينومًا قصيرًا جدًّا، ولا يصنع سوى عدد قليل من البروتينات. لا يبدو أن الفيروس يُصيب أفرادًا كثيرين بالعدوى، لكنه حينما يفعل ذلك، فإنه يقتلهم بكفاءة تامة. هنالك الكثير من الفيروسات الأخرى حيوانية المنشأ التي تُصيب الكثير من البشر بالعدوى، إلا أنها نادرًا ما تكون مُميتة. لقد كشفت دراسات سابقة أن البشر وأغلب الثدييات يحملون بالفعل تسلسلات لفيروس بورنا في جينوماتهم، وهو ما قد يُساعد الكائنات الحية على حماية نفسها من العدوى، كما يفترض البعض.

لحسن الحظ، لا يبدو أن الفيروس ينتقل فيما بين البشر. يقول بير: "أعتقد أنه يُسعدنا جميعًا أن نعلم أن هذا الفيروس ليس بمقدوره الانتشار بسهولة". غير أنه في ضوء هذه النتائج الجديدة، يجب على الأطباء اعتبار فيروس كورونا 1 واحدًا من الأسباب المحتملة للإصابة بالتهاب الدماغ في المناطق التي يُعرَف فيها انتقال العدوى بالفيروس إلى البشر والخيول.