بعد أن احتَجَزَنا فيروس واحد كرهائن لسبعة أشهر مرّت علينا وكأنها سبعة أعوام، أصبح من الممكن للكثيرين منّا استخدام طريقة انتقام قديمة الطراز، وإن كانت فعّالة. فقد اكتشف العلماء مكانًا تضطر فيه الفيروسات إلى أخذ احتياطات التباعد الاجتماعي، إنه المحيط.

عدد الفيروسات في مياه البحار يفوق بمراحل عدد أشكال الحياة الخلوية؛ إذ تحوي مياه البحار ما يقدَّر بـ1030 فيريونًا. وضحاياها عادةً ما تكون من البكتيريا أو الميكروبات الأخرى. ويصيب هذا الحشد الفيروسي 1023 من هذه المخلوقات في الثانية الواحدة، ويقتل كل يوم 20% من الكتلة الحيوية الميكروبية في المحيطات (تتكاثر ميكروبات المحيطات بسرعة كبيرة، ومع ذلك فهي غالبًا تحافظ على التوازن البيئي). من الصعب تخيُّل ألا تلفت هذه الجحافل ذات العدد الهائل انتباه الجائعين الذين يتناولون كل شيء تضمه جنبات البحار.

تتسم الفيروسات أيضًا ببعض الخصائص التي تجعلها مُقبّلات جذابة. فعند مقارنة الفيروسات بأشكال الحياة الخلوية، نجد أن الفيروسات مصدر غني للفوسفور والنيتروجين، فضلًا عن كمياتها الوفيرة، مما يجعلها مقبِّلات صغيرة مغذية.

ومع ذلك، فقد ساد اعتقاد لفترة طويلة بأن الفيروسات البحرية لا تؤدي إلا وظيفةً واحدة، وهي القتل. وكأنها حفرة إعادة التدوير المليئة بالوحل في فيلم "عالم الماء" Waterworld، فقد نظر علماء الإيكولوجيا إلى دور الفيروسات على أنه "تحويلة فيروسية"، وهي طريقة تخيلية للقول بأن الفيروسات تستطيع بسهولة تحويل الكائنات الحية إلى فتات مكوَّن من "مجموعة من المواد العضوية الذائبة"، ولكن تقريرًا حديثًا نُشر في دورية "فرونتيرز إن ميكروبيولوجي" Frontiers in Microbiology أشار إلى أن العكس قد يكون واردًا، أي أن تكون هذه الميكروبات هي التي تتغذى على الفيروسات.

حتى هذه اللحظة، لم أكن أنظر إلى الفيروسات باعتبارها مادةً غذائيةً محتملة، وعلى ما يبدو فإن كثيرًا من العلماء كانوا يتفقون معي في ذلك. فعلى الرغم من أن خمس دراسات على الأقل كانت قد أشارت إلى أن الميكروبات قد تفترس الفيروسات، منها هذا التقرير الأخير، إلا أن أحدًا لم يواصل الدراسة لاكتشاف مدى انتشار هذه العملية في الواقع، أو مدى أهميتها.

لكن فريقًا من العلماء الأمريكيين والإسبان قرر مؤخرًا فحص ما إذا كان هذا السيناريو يقتصر بالفعل على الفيروسات فحسب، وإلى أي مدى يتوافر بديل له، وذلك عن طريق فحص خلايا الميكروبات البحرية بحثًا عن الجينات الفيروسية ذات الصلة.

لم تكن الميكروبات المعنية عبارة عن بكتيريا أو عتائق (وهي أبسط أشكال الخلايا). بل كانت هي الطلائعيات، وهي أشكال حية بالغة الصغر –تشبه أبناء عمومتها الأكبر حجمًا المعروفة بالنباتات والحيوانات– وتحتوي على تركيبات خلوية معقدة تسمى العضيات، تحتوي بدورها على الحمض النووي، وتنتج الطاقة وتؤدي جميع أنواع الوظائف الأخرى. حلَّل هذا الفريق مجموعةً متنوعةً من الطلائعيات المأخوذة من عينات من مياه خليج ماين والبحر المتوسط. وأمكن الكشف عن الجينات الفيروسية في 51% من خلايا الطلائعيات المأخوذة من الخليج و35% من خلايا الطلائعيات التي استخلصها العلماء من البحر.

كانت المجموعتان اللتان وجدهما الفريق، البيكوزوا والقمعيات، مرتبطتين دائمًا بالفيروسات، وكانتا تحتويان على عدد من التسلسلات الفيروسية لكل خلية يفوق العدد الذي تحتويه المجموعات الأخرى.

وعلى الرغم من أن شُعبتي القمعيات والبيكوزوا غامضتان بالنسبة للبشر، إلا أنهما تتسمان بالأهمية وبكونهما توجدان بأعداد وفيرة في المحيط. يماثل حجم البيكوزوا حجم البكتيريا، وهو حجم ضئيل حتى لو قارنَّاه بالطلائعيات. وقد كانت هذه المخلوقات جديدةً تمامًا على العلم الذي بدأ دراستها اعتبارًا من عام 2007، على الرغم من كونها تتوالد بغزارة تكفي لجعلها تشكِّل نصف الكتلة الحيوية في المياه الساحلية، التي تتصف أصلًا بكونها فقيرةً في المغذيات.

تُعد شُعبة القمعيات، ويُطلق عليها أيضًا السوطيات الطوقية، أقرب الكائنات الحية إلى الحيوانات، ولها قبعة أنيقة وذيل يساعدها في الحركة والتقاط الفريسة. وعلى الرغم من أن القمعيات ذات حجم ضئيل أيضًا، تشير التقديرات إلى قيامها بترشيح 10-25% من المياه السطحية الساحلية كل يوم، وهي كمية مذهلة.

في هذه الدراسة، بلغ متوسط عدد التسلسلات الفيروسية في شُعبة القمعيات 28 تسلسلًا فيروسيًّا لكل خلية، في حين بلغ في البيكوزوا 5.7. ومع ذلك، نظرًا إلى أن هاتين المجموعتين لا تضمان سوى 22 جينومًا فقط من أصل 1698 جينومًا مُكتشَفًا، فإن هذه النتائج تمثل نتائجَ موحيةً بالتأكيد، ولكنها ليست نتائجَ نهائيةً بأي حال من الأحوال.

فما الذي يمكنه تفسير وجود هذه الفيروسات داخل عدد كبير من الطلائعيات التي خضعت للدراسة؟ قد يتوقع المرء أن الفيروسات إذًا دخلت كطفيليات لا كطعام، لكننا وقتها كنا سنلاحظ مجموعةً متنوعةً من التسلسلات لاستهداف العديد من الكائنات المضيفة المحتملة. ومن ناحية أخرى، إذا كانت الفيروسات طعامًا، فقد لا نتوقع سوى عدد قليل من التسلسلات؛ إذ تلتهم آكلات العشب والحيوانات المفترسة بشكل عشوائي أكثر الفيروسات وفرة.

في هذه الدراسة، كانت معظم الفيروسات التي تم اكتشافها متطابقةً تقريبًا، وكان القليل منها خاصًّا بطلائعيات معينة، والعديد منها يصيب البكتيريا فقط: العاثيات وفيروسات gokushoviruses. كذلك تم الكشف عن مجموعة جديدة وغامضة إلى حدٍّ ما تسمى فيروسات CRESS DNA، التي تتنوع الكائنات المضيفة لها. وهذه أيضًا تحتوي على تسلسلات متطابقة تقريبًا.

يقول المؤلفون إن الافتراض الذي يقول إن فيروسات شبه متطابقة كانت تصيب جميع الخلايا التي دُرست في هذا التقرير بالعدوى، ربما يعني أن بعض الفيروسات قادرة بالفعل على إصابة كائنات حية من شُعب مختلفة، تقع في مرتبة تصنيفية أسفل المملكة مباشرة. ولا يوجد فيروس معروف يمكنه فعل ذلك.

ما هي البدائل الأخرى إذًا؟ من الممكن أن تكون الفيروسات قد أدخلت نفسها في جينومات الطلائعيات، وهو عمل مُدهش يشتهر به فيروس جدري الماء (إذ يمكنه معاودة الظهور بعد أعوام من الإصابة الأولى، كالقوباء المنطقية، أو الهربس النطاقي). وقد ينتهي الأمر بأن تُقيم العديد من الفيروسات الأخرى بشكل دائم في جينوم الكائن المُضيف، وهو أمر مثالي بالنسبة للفيروس؛ لأنه يمنحه الخلود دون أن يُضطر إلى بذل جهد مستمر في محاولة العثور على كائن مضيف جديد. لكن التسلسلات شبه المتطابقة التي اكتُشفت تقف مرةً أخرى أمام هذا الافتراض؛ لأن الطفرات العشوائية في الفيروسات المعزولة داخل جينومات معينة يجب أن تقودنا إلى تسلسلات متنوعة بدورها.

ربما انتهى المطاف بالفيروسات داخل أجسام الطلائعيات لأن الأخيرة كانت تتغذى على البكتيريا المُصابة بعدوى هذه الفيروسات. لكن العديد من الطلائعيات كانت تحتوي على جينات فيروسية، دون وجود أي جينات بكتيرية. ومن الممكن أيضًا أن يكون وجود الفيروسات مع الطلائعيات في أوعية العينات مجرد وجود عشوائي. لكن مشكلة تلك الفكرة أنها تتعارض مع حقيقة أخرى، هي أن بعض سلالات الطلائعيات تحتوي على فيروسات أكثر بكثير من غيرها.

ربما يكون هناك شيء حول أسطح البيكوزوا والقمعيات يجعلها تلتصق بالفيروسات بشكل خاص. لكن المؤلفين يقولون إن طريقة تناوُل هذه الطلائعيات لطعامها ترجح احتمال أنها تتغذى على الفيروسات. فهي كائنات تتغذى بالترشيح، أي أنها تأكل كل ما يمكنها ابتلاعه، وذلك من سوء حظ أي شيء يوقعه حظه العاثر في الاصطدام بها. ونظرًا إلى أن الدراسات السابقة أظهرت أن شُعبتي القمعيات والبيكوزوا قادرتان بالتأكيد على تناوُل الفيروسات، فإن وجودها العالمي ووفرتها يشيران إلى أن هذا هو بالضبط ما تفعله الطلائعيات.

كما أن العادات الغذائية للقمعيات والبيكوزوا قد لا تكون فريدةً من نوعها. فالعديد من مجموعات الطلائعيات الأخرى في هذه الدراسة كانت تحتوي أيضًا على تسلسلات فيروسية أكثر مما يمكن أن يكون مجرد صدفة، ولكن نظرًا إلى أن هذه الطلائعيات الأخرى تتغذى بطرق متعددة، فقد أحجم المؤلفون عن استخلاص نتائج حول وجود الفيروسات.

وباستعراض ما سبق، فليس من المستغرب تمامًا أن يجرف التيار البروتينات والحمض النووي كأنها قطع صغيرة هائلة العدد ومجردة من وسائل الدفاع، ليبتلعها أي شيء تواجهه في طريقها. وقد عرضت ورقة بحثية نُشرت أيضًا هذا العام في دورية "ساينتفك ريبورتس" Scientific Reports، أن الإسفنج البحري كان فعالًا للغاية في إزالة الفيروسات من مياه البحر، وخلُص أيضًا إلى أنه ربما يأكل الفيروسات.

الطلائعيات... الإسفنج ... كم عدد المخلوقات التي تندرج الفيروسات ضمن هرمها الغذائي؟ ولماذا لا نعرف ذلك؟ وكيف يمكننا المشاركة في الحدث؟

إن فكرة أن الفيروسات تُعتبر طعامًا لأي كائن مربكة للعقل بعض الشيء، لكنها أيضًا فرصة هائلة للاقتصاص من هذه الكائنات المرعبة. يأتي هذا الاكتشاف في لحظة يستطيع فيها البشر فعليًّا الاستفادة منها. فبينما نقع تحت سيطرة فيروس واحد، ربما نجد التعويض في أن هناك جحافل من الفيروسات الأخرى تنتهي في مريء خلية حية تتنفس.