على مدار أغلب تاريخ عصر الفضاء، كان يُعتقد أن سطح القمر يخلو تمامًا من الماء، ولكن في السنوات الأخيرة، أظهرت اكتشافاتٌ تدريجيةٌ متواترة أن بعض أجزاء القمر على أدنى تقدير -مثل الفوهات الكبيرة المعتمة دائمًا في أقطاب القمر- تحتوي على رواسب كبيرة من الماء. وفي هذا الأسبوع، سلَّطت دراستان جديدتان نُشرتا في دورية «نيشتر أسترونومي» Nature Astronomy مزيدًا من الضوء على احتمالات وجود ماءٍ على سطح القمر.

ويُعد هذا التوقيت مواتيًا لوكالة ناسا وغيرها من وكالات الفضاء التي تُخطط في الوقت الحالي لإرسال بعثات بشرية طموحة لاستكشاف القمر بل استيطانه. فبرغم كل شيء، أينما وُجدت المياه، وُجدت الحياة، حتى لو تطلَّبت تلك الحياة ارتداء بدلات فضائية وموائل مصلَّدة ضد الإشعاع.

إشارة محتملة قوية إلى وجود ماء دافئ بفعل أشعة الشمس

استُخلص أول أدلة وجود ماءٍ على سطح القمر من البيانات التي جمعها مرصد الستراتوسفير الفلكي بالأشعة تحت الحمراء «صوفيا» SOFIA التابع لوكالة ناسا، وهو على هيئة طائرة مُعدَّلة من طراز بوينج 747SP تحمل على متنها تليسكوبًا يبلغ قطر مرآته 2.7 متر وتُحلِّق على مستوىً يتجاوز 99٪ من بخار الماء الحاجب للرؤية في الغلاف الجوي، وبفضل هذه الإمكانية الفريدة، يتسنَّى للتليسكوب إجراء عمليات رصدٍ بسرعة ومرونة في نطاق الأشعة تحت الحمراء، دون الحاجة إلى استخدام مرافق تُنصَب في الفضاء.

في أواخر أغسطس 2018، استخدم فريق بحثي بقيادة كيسي هونيبال -الحاصلة على زمالة برنامج ما بعد الدكتوراة في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا والباحثة بجامعة هاواي في مانوا- أجهزة الأشعة تحت الحمراء على متن مرصد «صوفيا» في دراسة مناطق سطح القمر المُضاءة بأشعة الشمس، وكان محور تركيز عمليات الرصد التي امتدت 10 دقائق فقط هو المنطقة الواقعة عند دوائر العرض الجنوبية المرتفعة بالقرب من فوهة «كلافيوس»، وكشفت عمليات الرصد هذه عن وجود انبعاث قوي للأشعة تحت الحمراء عند طول موجي يبلغ ستة ميكرونات (ميكرومترات) من الفوهة والمنطقة المحيطة بها. وبعد التعرُّض لحرارة الشمس، أعاد شيءٌ ما على سطح القمر إرسال الإشعاع الممتص، تمامًا مثلما يحدث مع الماء الجزيئي -الماء العادي.

مرصد الستراتوسفير الفلكي بالأشعة تحت الحمراء «صوفيا» SOFIA التابع لوكالة ناسا يظهر محمولًا جوًّا في أثناء فتح الباب المُنزلق أعلى تليسكوب الأشعة تحت الحمراء الذي يبلغ وزنه 17 طنًّا متريًّا.Credit: NASA and Jim Ross

ذكرت هونيبال وزملاؤها من الباحثين في دراستهم الجديدة قائلين: "لا نعلم أي مادة أخرى على القمر تُظهر سمةً طيفيةً واحدةً عند ستة ميكرومترات بخلاف الماء". ويرى المشاركون في هذه الدراسة أن الماء الذي يُفترض وجوده يخُزَّن على الأرجح في الحُبيبات الزجاجية البركانية طبيعية المنشأ أو ينحصر بين حبيبات مجهرية من الغبار الصخري. يمكن لكلا السيناريوهين أن يوفر حمايةً للماء من درجات الحرارة شديدة الارتفاع والظروف شبه الفراغية على سطح القمر، ما يسمح للماء بالصمود. وفيما يتعلق بكيفية وصول الماء إلى هناك من الأساس، ليس ثمة معلومةٌ مؤكدة، لكن أبرز التفسيرات المطروحة مفاده أن الماء ربما يكون قد تشكَّل من الأكسجين والهيدروجين المُتحررين من الصخور القمرية بفعل اصطدامات نيازك دقيقة بسطح القمر.

وتقول هونيبال إن استخدام مرصد «صوفيا» يُعد نهجًا جديدًا وفريدًا في دراسة القمر، ولكن هذه ليست المرة الأولى التي ترصد فيها المراصد الأرضية انبعاثًا من القمر بطول موجي قدره ستة ميكرونات؛ فقد أظهرت عمليات الرصد التي أجراها عالِما الفلك جي آر هانت وجيه دبليو سولزبيري من على متن منطاد الخاصية الطيفية ذاتها، غير أنهما لم يشيرا إلى هذا الاكتشاف في دراستهما التي نُشرت عام 1969، وانصب تركيزهما -عوضًا عن ذلك- على توصيف المعادن على سطح القمر. تتكهن هونيبال قائلةً: "لعلهما لم يدركا أنهما توصلا إلى اكتشاف كبير".

نصف الكوب المُمتلئ

حظيت هونيبال وزملاؤها بفرصة استخدام مرصد «صوفيا» لمزيدٍ من الوقت من أجل إجراء عمليات رصدٍ إضافية بهدف المتابعة، وفي هذا الصدد تقول هونيبال: "نأمل أن نرصد أغلب مناطق القمر لتوصيف سلوك الماء. هل يختلف عبر سطح القمر مع اختلاف عدد ساعات النهار القمرية ودائرة العرض؟ هذا من شأنه أن يساعدنا على فهم مصادر الماء ومعرفة مكمنه".

وهذا بدوره قد يُنبئ العالم بمدى فائدة هذا الماء المُكتشَف حديثًا التي قد تثبُت في يوم من الأيام. وسيكون استخراج هذا الماء مباشرًا ويسيرًا إذا كان موجودًا بشكلٍ أساسي على أسطح الحبيبات الصخرية؛ فلن نحتاج حينئذٍ سوى إلى جرف تربة القمر وتعريضها لحرارةٍ معتدلة. أما إذا كان الماء مُحتجزًا في حبيباتٍ زجاجية، فسوف يتعين إذابة هذه المادة الزجاجية لتحرير الماء من أجل تجميعه -وهذه العملية تتطلب جهدًا كبيرًا للغاية.

واستطردت هونيبال قائلةً: "ليس لدينا في الوقت الحالي تصورٌ جيدٌ عما إذا كانت كميات الماء التي رصدها مرصد «صوفيا» تستحق عناء إذابة الزجاج أم لا، وعلى كلٍّ، إذا وجدنا أن هذه الكميات كبيرةٌ بالقدر الكافي، فربما يكون هذا الخيار أكثر جدوى من التنقيب عن الجليد المائي في المناطق المُعتمة دومًا التي تُمثِّل بيئاتٍ متطرفةً يصعب العمل فيها".

يرى جاك شميت، الجيولوجي الذي -بوصفه أحد أعضاء طاقم بعثة «أبولو 17»- يُعدُّ العالم المختص الوحيد الذي لا يزال باقيًا على قيد الحياة من بين الذين هبطوا على سطح القمر أن ما رصده مرصد «صوفيا» قد لا يشير إلى وجود ماء جزيئي حقيقي، ولكنه مادة أخرى مؤقتة وأكثر هشاشة. ويستطرد شميت قائلًا: "أود أن أطرح سؤالًا: هل يمكن أن تكون بيانات مرصد «صوفيا» مُستندةً إلى الارتباط الضعيف المحتمل بين هيدروجين الرياح الشمسية والأكسجين على سطح حُبيبات زجاج السيليكات والمعادن في الحطام الصخري وليست مُستندةً إلى وجود ماء جزيئي فعلي؟".

وربما يكون الهيدروكسيل من نواتج هذه التفاعلات، وهو جزيء ينقصه عن الماء ذرة هيدروجين. ومع ذلك، ترى هونيبال أن الانبعاث الطيفي الذي رصده مرصد «صوفيا»، والذي يبلغ طوله الموجي ستة ميكرونات لا يتوافق مع الهيدروكسيل.

وبصرف النظر عن المادة التي رصدها مرصد «صوفيا»، يشير شميت إلى أن استخدام أساسيات الكيمياء يتيح استخلاص الماء حتى من المواد القمرية شديدة الجفاف. ويوضح ذلك بقوله: "إن تسخين الحُطام الصخري الحامل للهيدروجين إلى بضع مئات الدرجات ربما يؤدي إلى تفاعل بعض ذرات الهيدروجين مع الأكسجين في صخور السيليكات لينتج الماء في أي مكان على سطح القمر تقريبًا".

ظلالٌ صغيرة وإمكانيات هائلة

تُسلِّط دراسةُ بحثيةٌ أخرى نُشرت بالتزامن مع دراسة «صوفيا» في مجلة «نيتشر أسترونومي» الضوء على ازدياد عدد المناطق المظلمة دومًا على سطح القمر، وهي أماكن تفتقر إلى ضوء الشمس وتُعرف باسم المصائد الباردة. في تلك المناطق، يمكن أن يؤدي الانخفاض الحاد في درجات الحرارة إلى تجمُّد الماء واحتجازه بداخلها إلى أجل غير مسمى، ومن ثم تتراكم كمياتٌ كبيرةٌ منه عبر الزمن الجيولوجي.

صورة مائلة لحافة فوهة «شاكلتون» المُضاءة بنور الشمس، وهي فوهة كبيرة وعميقة تقع بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، وجوفها مُظلم دائمًا ويحتوي على كميات كبيرة من الجليد المائي. Credit: NASA, GSFC and Arizona State University

عكف العلماء على دراسة مثل هذه المناطق من القمر على مدار عقودٍ لبحث احتمالات وجود الماء فيها، إلا أن الدراسات السابقة كانت تركز على المصائد الباردة الكبيرة داخل الفوهات الضخمة على قطبي القمر. في المقابل، وسَّعت النتائج الأخيرة نطاق أحجام المصائد الباردة محل الدراسة، حتى شملت المصائد التي يبلغ قطرها سنتيمترًا واحدًا. وقد توصَّل فريقٌ تحت قيادة بول هاين، عالِم الكواكب بجامعة كولورادو بولدر بعد تحليلهم الصور عالية الدقة التي التقطتها مركبة الاستطلاع القمرية التابعة لوكالة ناسا، إلى أن مثل هذه المصائد الباردة "الدقيقة" أكثر انتشارًا من المصائد الكبيرة بالقرب من قطبي القمر والتي حظيت بقدرٍ لا بأس به من الدراسة. وترفع الدراسة الحديثة إجمالي مساحة سطح القمر التي لها القدرة على احتجاز الماء إلى ما يقرب من 40 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعدل في مجمله ضعف مساحة ويلز.

وفي هذا الصدد، يقول هاين: "إن المصائد الباردة الدقيقة المُكتشَفة حديثًا هي الأكثر عددًا على سطح القمر، وهي أكثر وفرةً آلاف المرات من المصائد الباردة المعلومة المرصودة من قبل، ولو كانت جميع تلك المصائد مليئةً بالجليد، فإن هذا قد يعني كميةً كبيرةً من الماء ربما تزيد على مليار كيلوجرام".

ويضيف هاين أنه لا بد من أخذ عينات من هذه المواقع باستخدام الروبوتات أو رواد الفضاء لتقييم محتواها الفعلي من الجليد تقييمًا صحيحًا؛ إذ يقول في هذا الصدد: "الأمر المثير حقًّا بشأن هذه المصائد الباردة الدقيقة هو إمكانية الوصول إليها بسهولة أكبر بكثير، وهو ما يمكن أن يزيد من كفاءة عمليتي الاستخراج واستخدام الماء للأغراض العلمية والاستكشافية". ويرى هاين أن هذا الانتشار الكبير لمستودعات الجليد الصغيرة المحتملة قد يُسهِّل على البعثات المستقبلية أمر الوصول إليها؛ لأنها موجودة في مناطق يستطيع رائد الفضاء الذي يحيط به ضوء الشمس أن يصل إليها وصولًا آمنًا ومريحًا باستخدام أداة تُمكِّنه من الوصول إلى الأماكن الباردة الخطيرة لاستخراج الجليد.

ويستخدم هاين وزملاؤه في الوقت الحالي كاميرا عالية الدقة يُطلَق عليها نظام التصوير القمري المُدمج بالأشعة تحت الحمراء لتقدير قيمة المصائد الباردة الدقيقة، وستُرسل تلك الآلة إلى القمر قريبًا في عام 2022 في أول مهمة هبوط على القطب الجنوبي من القمر يُرسلها برنامج «الخدمات التجارية للحمولة القمرية» (CLPS) التابع لوكالة ناسا. وستلتقط الكاميرا صورًا عن قربٍ للمصائد الباردة الدقيقة للمرة الأولى، وستقيس درجات حرارتها.

التحقق من صحة البيانات على أرض الواقع

في حين تُمثِّل دراسات مرصد «صوفيا» والمصائد الباردة الدقيقة أخبارًا جيدة، يرى البروفيسور إيان كروفورد -الخبير في علوم القمر بكلية بيركبيك التابعة لجامعة لندن- أن الصورة الكلية لا تزال على حالها.

ويعتقد كروفورد أنه كلما تيسَّر الوصول إلى الماء على سطح القمر، ازدادت فرص استخراجه المباشر، واستخدامه على الفور في دعم الجهود الاستكشافية دون شك. وقد يؤدي استخراج الماء من القمر بوصفه موردًا إلى نشوء اقتصاد خارج كوكب الأرض في نهاية المطاف، يصبح فيه الماء مادةً أوليةً مُربحة تُستخدم في وقود الصواريخ وغيرها من المواد الاستهلاكية الثمينة. لكن كروفورد استطرد قائلًا: إننا في الوقت الحالي "بحاجة ماسة إلى قياسات تُجرى على أرض الواقع؛ للتثبُّت من الاستنتاجات المبنية على قياسات الاستشعار عن بُعد".

وعلى المنوال ذاته، يؤكِّد أنجيل عبود مدريد -مدير مركز موارد الفضاء التابع لكلية كولورادو للمناجم في مدينة جولدن بولاية كولورادو- أن القياسات المباشرة على أرض الواقع هي الخطوة القادمة الأهم استنادًا إلى النتائج الجديدة. وأوضح قائلًا: "نحن في الوقت الحالي بحاجة إلى أن تطأ أقدامنا سطح القمر؛ لنجمع حقائق مفصلة عنه على أرض الواقع، ولا يلزمنا التأكُّد فحسب من وجود جليد مائي، ولكن ينبغي أيضًا التأكُّد من بنيته وتركيزه وتوزيعه ووفرته؛ لمواصلة خطط الاستكشاف الحالية واستغلال الموارد".