في مرحلةٍ ما مِن حياتِك، سيخالجك على الأرجح شعورٌ بالقلق في أثناء الجلوس في إحدى غرف المستشفيات في انتظار تشخيص طبي خطير. وحتى الذين سيحالفهم الحظ بما يكفي لتفادي ذاك الموقف من الأرجح أن يكون برفقتهم حبيب –والد أو جد أو ابن أو ابنة– يتلقى عنهم الخبر. ولعلك تتذكر صلابة الكرسي وقسوته، والنمط المرسوم على رداء المستشفى، أو اليدين المطويتيْن للطبيب. وأيًّا كان التشخيص –سواء سرطان أو ألزهايمر أو السكري أو حتى فيروس كورونا الجديد– فلن يكون من السهل عليك نسيان الواقعة.

يمكن لهذه التجارب العاطفية العنيفة، كتلك التجربة، أن تتحول إلى ذكريات متوهجة لا تُمحى، واستدعاءات عقلية واضحة وضوح الشمس وجلية جلاء اللقطة الخاطفة. والسواد الأعظم مِنا ممن شهد واقعة اغتيال الرئيس جون كينيدي أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر واثقون بأن بوسعنا تحديد المكان الذي كُنا فيه عندما علِمنا بالحدث بمنتهى الدقة. وهذه الذكريات ليست مثالية، بل مشوهة شأنها شأن أي ذكرى أخرى. ومع ذلك، عندما يروي الناس تجاربهم، فإنهم يصفونها وكأنها وقعت البارحة. وتؤثر هذه الذكريات على هويتنا الشخصية وروابطنا الاجتماعية وصناعة قراراتنا وسلوكنا بمرور الوقت. فبعد واقعة تفجير ماراثون بوسطن عام 2013 مثلًا، وُجِدَ أن أولئك الذين شهدوا أعمالًا بطولية واسترجعتها ذاكرتهم بالتفصيل سيتبنون على الأرجح سلوكيات داعمة كالتبرع بالدم أو دعم المؤسسات الخيرية المرتبطة ببوسطن، وذلك لأشهرٍ حتى بعد الهجوم.

وفي دراسة حديثة، أثبتنا أن التشخيص الطبي بالنسبة للبعض هو حَدَثٌ يخلق ذكرى متوهجة تبقى لسنين مديدة بعد انقضاء الحدث. ولكنّ النتائج التي توصلنا إليها أثبتت أيضًا أن قوة هذه الذكريات والمشاعر المرتبطة بها تعتمد على أسلوب نقل الطبيب للخبر، الذي إما أن يخفف من وقع الصدمة وإما أن يطيل أمد الألم. ومن الحكمة أن ينظر العاملون في الميدان الطبي بعناية إلى الطريقة التي ينقلون بها مثل هذه الأنباء لمرضاهم.

وبالنسبة لدراستنا، فقد طلبنا إفادة بالرأي من أكثر من 300 أُم، استعنّا بهن عبر فِرَق الدعم على مواقع التواصل الاجتماعي ممَّن تلقوا تشخيصًا لمرض أطفالهن بمتلازمة داون. وتراوحت أعمار الأمهات بين 21 و79 عامًا، وتلقَّين التشخيص منذ فترة تراوحت بين 52 سنة وشهرٍ واحدٍ فقط.

وفي الدراسة، كتبن سردًا وصفن فيه بالتفصيل الطريقة التي أُخطرن بها بأن أطفالهن يعانون من متلازمة داون، وأضفن أكبر عدد ممكن من التفاصيل المتعلقة باليوم والموقع وحالة الطقس والتوقيت وغير ذلك من خصائص. وتم ترميز تلك السرديات وتصنيفها باستخدام قائمة تدقيق الذكريات المتوهجة (FBMC) لأغراض التخصص. واستجابت الأمهات أيضًا لسلسلة من البيانات من استبانة ذاكرة السيرة الذاتية (AMQ) وذلك لإيضاح الحِدَّة الملحوظة لذكرى تشخيصهن ووضوحها وتكرارها ومستوى ثقتها وتَكافُئها. وأخيرًا، أجابت الأمهات عن سلسلة من الأسئلة حول تفاعلاتهن مع الطاقم الطبي في أثناء تلقِّي التشخيص لتحديد الطريقة التي أثَّرَت بها تلك المحادثات على استدعائهن للحدث.

وقد شهد السواد الأعظم من المشاركات في الدراسة –نحو 80% منهن– ذكرى متوهجة بعد أن عَلِمنَ بإصابة أطفالهن بمتلازمة داون. وحقيقة الأمر أن المشاركات في دراستنا وصفن ذكرى التشخيص بأنها أوضح وأكثر حدةً وتفصيلًا من التصنيفات التي أوردها مشاركون آخرون لذكرياتهم المتعلقة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي وردت في دراسة أخرى عن الذكرى المتوهجة اللحظيّة. وبقيت الطبيعة المتوهجة لذكريات التشخيص الطبي هذه لعدة سنوات. ورغم أننا لم ندرس الطريقة التي تغيرت بها الذكريات المنفردة بمرور الوقت، كسائر الدراسات الطوليّة، فقد استطعنا أن نُقارن بين ذكريات ترجع إلى عقود مَضَت وأخرى ترجع إلى بضعة أشهر. ولم تكن ذكريات التشخيص المنتمية إلى فترة أبعد في الماضي أقلَّ تفصيلًا من الذكريات الأحدث، وكان من الأرجح بالقدر ذاته أن يكون لها أثر ومْضيّ. وبدا أنّ الوقت يخفف من حدة الذكريات، ولكن حتى التشخيصات التي ترجع إلى عقود ماضية كانت لا تزال تُصنَّف باعتبارها أكثر إثارةً للمشاعر ووضوحًا وجلاءً من الذكريات اليومية التقليدية.

وقد حدّدَ الدعم الذي تلقته الأمهات المشاركات أيضًا من طاقم العمل الطبي المضمون العاطفيّ لذكرياتهن ودَوَامِه بمرور الوقت. وكانت المشاركات اللاتي وصفن تفاعلاتهن مع الطاقم الطبي بالإيجابية –كالاطلاع المتوازن على التشخيص والموارد والمعلومات الإضافية لأغراض الدعم– عادةً ما يُظهرن مشاعر غير سلبية عندما يحكين تجاربهن، كما اختبرن تراجُعًا في حدة الذكرى بمرور الوقت.

ولكن في معظم الحالات، حكت الأمهات تجارب سلبية مع الطاقم الطبي، تتضمن انعدام التعاطف، والضغوط عليهن من أجل إجهاض حَمْلِهن، والتوقعات التشاؤمية حيال نتائج أطفالهن وعائلاتهن. وكثيرٌ منهن إما تلقى موارد إضافية أو نُظم دعم محدودة وإما لم يتلقَّ شيئًا على الإطلاق. وبالنسبة لهؤلاء، فقد استمرت ذكرياتهن المتعلقة بالتشخيص مرتبطةً بالمشاعر السلبية، ولم يساعد الوقت الذي مرَّ على التخفيف من أثر الصدمة. والأمهات اللائي لم يتلقين استجابةً إيجابية كان بوسعهن استرجاع ذكرى تجربة التشخيص بتفاصيل دقيقة، غالبًا ما تكون مؤرِّقَة، حتى بعد مرور 20 عامًا.

من المعايير الأخلاقية الأساسية لقَسَم أبو قراط ألّا يلحق الطبيب ضررًا. وتوحي النتائج التي توصلنا إليها بأنه بالالتزام بهذا المبدأ، ينبغي على العاملين في القطاع الصحي ألّا يركزوا فقط على الإجراءات والعلاجات الطبية المُقدمة للناس، بل أيضًا على الطريقة التي يجري بها إطْلاعهم على حالتهم الصحية وما يخبئه لهم المستقبل.