"لا تبدين مصابةً بالتوحد".

هكذا يعلق الآخرون عندما أخبرهم لأول مرة بأنني مصابة باضطراب طيف التوحد، لكنني أبدو بالفعل مصابة بالتوحد! وتكمن المشكلة في أن معظم الناس -لا سيما العاملين في المهن الطبية- لا يعرفون الأعراض التي ينبغي البحث عنها للتعرّف على التوحُّد وتشخيصه لدى النساء والفتيات.

أنا أستاذة جامعية، وكاتبة سيناريو، ومنتجة، وأم، وامرأة مصابة بالتوحد، والتحديات التي واجهتني في سبيل الوصول إلى هذا التشخيص جعلتني أؤمن بأنه يتعين علينا تطوير اختبار قياسي أكثر دقةً للكشف عن التوحد، إلى جانب معايير تشخيصية أفضل من أجل النساء والفتيات على وجه الخصوص، ولا بد أن يشترك في وضع هذا الاختبار وهذه المعايير النساءُ المصابات بالتوحد مع المختصين النفسيين الذين يستوعبون كيف تظهر أعراض التوحد بشكل مختلف لدى النساء والفتيات.

ويُعتبر الاختبار التقييمي الحالي خير مثال على التحيز القائم على النوع في الطب، فضلًا عن كونه نموذجًا يوضح كيف تحفل أدوات التشخيص بالتحيُّزات القائمة على أساس النوع والعرق، تُورد طبعة عام 2013 من «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية -الإصدار الخامس» Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5) أحدث المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد، ويحدد هذا الإصدار شروطًا بالغة التقييد للتشخيص بالتوحد، من بينها وجود أوجه قصور في التواصل غير الشفهي، وإبداء مشكلات اجتماعية، وتكرار الكلام، وصعوبة في الحفاظ على العلاقات.

أضحت تلك الشروط التشخيصية متقادمة، وتنطبق أكثر على شكل التوحد كما يظهر في حالات الذكور البيض، وحتى وقتٍ قريب، كانت معظم الاختبارات النفسية المخصصة لتشخيص التوحد قد وُضعت استنادًا إلى التجارب والأعراض لدى الذكور البيض متوافقي الجنس، لا يميز «الدليل التشخيصي» بين الأنواع الفرعية من التوحد، على غرار «متلازمة أسبرجر»، لذا، عندما تزور النساء والفتيات أطباءهن ويصفن أعراضًا جعلتهن يشككن في إصابتهن بالتوحد، لا تنطبق عليهن المعايير التشخيصية، مما يفضي إلى تشخيصهن تشخيصًا خطأً أو عدم تشخيصهن من الأساس.

إن إعداد اختبار تشخيصي أكثر دقةً قضيةٌ تتعلق بسلامة وجودة حياة الكثيرات من النساء اللاتي يعانين في صمت كي يفهمن لمَ هن مختلفات، وأنا واحدة منهن.

لقد نشأت في تسعينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من اختلافي عن بقية الفتيات، لم أعتقد قَط أنني مصابة بالتوحد، بالتأكيد كنت أحيا في عالم متفرد خاص بي؛ إذ كان لديَّ ميلٌ نحو الفلسفة والكتب التي تبحث في معنى الحياة، كنت أفهم الكلام بمعناه الحرفي إلى أبعد الحدود، وكان لديَّ ولعٌ بالرياضيات والأرقام، وتلك سماتٌ تشيع ملاحظتها لدى المصابين بالتوحد.

من ناحية أخرى، كان لديَّ كذلك بعض السمات الأقل شيوعًا؛ فلم أكن أحب أن يلمسني أحد، وكنت أضحك في مواقف لا يلائمها الضحك، وأتناول أنواع الطعام نفسها يوميًّا، وكنت كثيرًا ما أشعر بفرط الانتباه بفعل روائح بعض الأشياء أو أصواتها أو ملمسها، وقد بدأ يتضح لنا أن تلك السمات يحتمل وجودها أكثر لدى النساء والفتيات المصابات بالتوحد.

كنت مختلفةً بلا شك، لكن بما أن سمات التوحد لديَّ كانت أخف وأقل وضوحًا من السمات التي اعتدنا ملاحظتها لدى المصابين بالتوحد، ولأني صرت معتادةً على إخفاء تلك السمات الغريبة (تَبْرع الفتيات المصابات بالتوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في فعل ذلك)، لم يشك أحدٌ في أنني مصابة باضطراب طيف التوحد.

لم أبدأ الشك في أني مصابةٌ بهذا الاضطراب إلا في عام 2020 وأنا في العقد الرابع من عمري، عندما كنت أبحث عن معلومات حول التوحد لأجل ابني، ومن هنا بدأت متاعبي؛ إذ استغرقتُ عامًا حتى توصلتُ إلى مختص نفسي يوفر اختبارات الكشف عن الاضطراب لدى البالغين، ويتفهم حالات النساء المصابات بالتوحد، ولن يتقاضى مني خمسة آلاف دولار أو أكثر مقابل إجراء هذا الاختبار التقييمي؛ لأن تأميني الصحي ما كان ليغطي تكلفة إجراء الاختبار.

معظم المرافق التي تواصلتُ معها لم يكن لديها أدنى فكرة عن كيفية تشخيص امرأة بالغة، وكانت خبرة المختصين النفسيين العاملين بها في تشخيص الفتيات ضئيلةً أيضًا، وبعد عام من البحث عن مختص نفسي كفء ومتاح وميسور الأتعاب، عثرتُ أخيرًا على المختص المناسب وشُخصت بالإصابة بالتوحد عام 2021، قيل لي وقتها إنني مصابةٌ بمتلازمة أسبرجر، لكن هذا المصطلح المحدد قد دُمج في تعريف "اضطراب طيف التوحد" العام، منذ صدور الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي.

وبسبب تلك المعايير التشخيصية الضيقة والتمييزية على أساس النوع، كثيرًا ما يخبر الأطباء النساء والفتيات المصابات بالتوحد بأنهن يعانين من اضطراب في المزاج مرتبط بالدورة الشهرية أو من القلق، مثلما قيل لي، أو يُلقى بوجوههن أي تشخيص آخر يفتقر إلى الدقة كليًّا؛ فعلى مر التاريخ، طالما شُخصت النساء على سبيل الخطأ بأنهن "هستيريات"، وأعتقد أن الكثيرات منهن كنَّ على الأرجح مختلفات عصبيًّا ليس إلا، ويحاولن التوافق مع عالم نمطي عصبيًّا.

بسبب تلك التصنيفات الخطأ وغياب الاختبارات الملائمة، عانينا على مر التاريخ من التجاهُل أو شُخصنا على نحوٍ خطأ أو لم نُشخص على الإطلاق، وآل الحال بالكثيرات منَّا إلى تشخيص أنفسهن في مراحل لاحقة من حياتهن، عقب سنوات من التساؤل لمَ نشعر بأننا نحيا في عالم لا يلائمنا وداخل أجساد لا ننتمي إليها.

يشيع القلق والاكتئاب كثيرًا لدى النساء المختلفات عصبيًّا، لا سيما أولئك اللاتي لم يُشخصن بعد، وتحاول النساء المصابات بالتوحد الانتحار بمعدل يزيد بثلاث مرات أو أربع على مثيله لدى النساء النمطيات عصبيًّا، وتنتشر الاعتلالات المصاحبة لاضطراب طيف التوحد بمعدل كبير بين النساء المتوحدات، وقد تزيد إلى حدٍّ بعيد من خطر محاولات الانتحار، وتشير الأبحاث إلى أن النساء المصابات بالتوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أكثر تعرُّضًا بكثير لمحاولات الانتحار.

قد نبدو "أمهات عاديات"، لكن عالمنا الداخلي يقص قصةً أبعد ما تكون عن العادي؛ فإذا حدث تغيرٌ ما في خططنا، أو سمعنا صوتًا حادًّا، أو شممنا نفحةً من عطر نفَّاذ، أو رأينا بطاقةً ملصقةً في غير مكانها على كنزة، يصبح همنا الأوحد فجأةً هو تجنُّب الانهيار. 

إنه وضعٌ منهِكٌ للقوى، وإذا لم تكوني ممن حالفهن الحظ وفهمن لمَ يشعرن بهذه الطريقة، فقد يفضي بكِ هذا الحال إلى الجنون، في حين أن معرفة أنكِ مصابة بالتوحد (وما يصاحبه من اختلافات عصبية أخرى) وأنكِ معرضة للإصابة بالقلق، والاكتئاب، والاستنزاف النفسي قد يساعدكِ في الحصول على العلاج والدعم اللذَين تحتاجين إليهما.

لكن تحسين معايير التشخيص ليس سوى البداية؛ فنحن بحاجة كذلك إلى مزيد من البرامج، على غرار العلاج الجماعي ومجموعات الدعم، المخصصة للنساء اللاتي شُخصن بالتوحد في مرحلة الرشد، وعلاوةً على ذلك، فإن تدريب المدرسين، والأطباء، والمختصين النفسيين على التعرّف على أعراض الإصابة بالتوحُّد لدى الفتيات والنساء وكيفية تلبية احتياجاتهن ينبغي أن يصبح المعيار الجديد المتَّبع.

زد على ذلك أن فهم التوحُّد لدى الفتيات قضية تتعلق بالسلامة أيضًا، إذ تبلغ احتمالية تعرُّضهن للاستغلال الجنسي ثلاثة أمثال المعدل المعهود، فنحن نميل إلى التمتُّع بالسذاجة وإيلاء الآخرين ثقةً أكبر، ويرجع هذا إلى أننا أكثر صراحةً ووضوحًا في معظم الأحيان، ونتوقع من الآخرين أن يكونوا على الشاكلة نفسها، ومن ثم، قد نجد صعوبةً في إدراك سوء النوايا والدوافع الخفية لدى الآخرين، وهذا ما يجعلنا أكثر تعرضًا لخطر الاستغلال وأكثر قابليةً للتأثر به.

الكل يستحق فرصةً لتحقيق النجاح والارتقاء إلى أعلى درجات سلم المجد، بما فيهم النساء المصابات بالتوحد، ومع إدراك المزيد من الفتيات والنساء أنهن مختلفات عصبيًّا، فإن توافر أساليب اختبار دقيقة وبرامج دعم تلبي احتياجاتهن يحسِّن من فرصنا لتقديم أفضل ما لدينا.