على مدى ما يقرب من عامين خيَّم فيهما مرض «كوفيد» على حياتنا، كان أطفالي معرضين لخطر الإصابة بالعدوى ونشرها، لقد جعلتهم يتلقون اللقاح مؤخرًا، ولن أنسى ما حييت ذلك الشعور بالارتياح الذي انتابني حين ابتعدنا عن موقع التطعيم الجماعي.

أنا أستاذة جامعية، وأكون في قاعات صغيرة على نحو منتظم مع طلاب ثبتت إصابتهم بمرض «كوفيد»، برغم أن جامعتي تفرض على الجميع ارتداء أقنعة الوجه وتلقِّي اللقاح، وعلى الرغم من أن تطعيم بناتي لا يقضي تمامًا على احتمالات إصابتهن بالمرض، فإنه يقلل من مخاطر الإصابة إلى حدٍّ كبير، ومن وجهة نظري، فإن التطعيم ضروري لحماية الأسر والأطفال.

ولكن حتى مع اتساع نطاق توافر اللقاحات لتشمل جميع الأطفال في سن المدرسة تقريبًا، أعتقد أن العديد من الآباء سيقررون عدم تطعيم أبنائهم، يرجع هذا إلى أن رفض اللقاحات يتعلق بالسلطة والأهلية التي يحاول الناس ترسيخها بين الأصدقاء، أو الزملاء، أو الجماعة، أو العملاء ذوي التفكير المتشابه عندما يتخذون موقفًا ضد ما يعتقدون أنه تجاوُز من قِبل الحكومة، ولحماية الفئات الأكثر تعرضًا للخطر بيننا، وللقضاء على هذه الجائحة قبل أن تسيطر طفرة جديدة من فيروس كورونا، نحن بحاجة إلى قرار فيدرالي بفرض تطعيم الأطفال في المدارس الحكومية.

توجد مثل هذه القرارات الإلزامية بالفعل؛ فعلى الأطفال أن يتلقوا تطعيمات متعددة قبل أن يتمكنوا من الالتحاق بالمدرسة، وقد أدت هذه المتطلبات إلى تقليل أعداد الإصابة بالعديد من أمراض الطفولة، وفي حالة البالغين، أدت قرارات فرض تلقِّي اللقاح داخل أماكن العمل إلى زيادة عدد الأشخاص الذين تلقوا التطعيم، وقد أعرب بعض الأشخاص من الذين ترددوا كثيرًا في اتخاذ هذا القرار عن ارتياحهم لعدم الاضطرار إلى المعاناة مع هذا التردد بعد التطعيم، وقد أظهرت مواقع التطعيم «السرية» المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة -وذلك يتضمن مجتمعات محافظة للغاية- أن العديد من الناس يرغبون في تلقي جرعات اللقاح ولكنهم لا يرغبون في أن يراهم أحد.

وإذا كان تلقِّي اللقاحات المضادة لـ«كوفيد-19» ضروري كذلك للذهاب إلى المدارس الحكومية، فإن انتشار الفيروس في المجتمعات سيقل بوجهٍ عام، وعلى الرغم من المقاومة، فإنني أعتقد أنه حتى الأشخاص المترددين في تلقي اللقاح سيدركون قيمته في نهاية المطاف، وآمل أن تتوحد مجتمعات بأكملها على رؤية قرارات فرض التطعيم إلزاميًّا باعتبارها جزءًا من العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه وحدتنا الجماعية.

وتكتسب قرارات فرض تلقِّي التطعيم أهميةً خاصةً للمجتمعات التي تتنافس فيها المعتقدات الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالنزعة الفردية مع الأهداف الجماعية للصحة العامة، إنني عالِمة متخصصة في الأنثروبولوجيا الطبية تدرس التجارب الاجتماعية في ظل الأوبئة، وفي أثناء الصيف الأول للجائحة، سافرت إلى أوكوبوجي بولاية آيوا لدراسة تردد الأفراد في ارتداء قناع الوجه، وبلدة أوكوبوجي هي إحدى ثماني بلدات تقع حول منطقة البحيرات الكبرى لولاية آيوا، وغالبية السكان فيها يمثِّلون مجتمعًا من البيض، المحافظين، المتدينين، وقال لي الناس هناك مرارًا وتكرارًا إن تلقِّي اللقاح وارتداء قناع الوجه هما خياران ينبغي أن يكونا شخصيين.

أوكوبوجي هي أيضًا مسقط رأسي.

في أثناء تلك السنة تحدثت مع مئات الأشخاص في منطقة البحيرات الكبرى بولاية آيوا عبر تطبيقات فيسبوك، وكوفي، وزووم، والرسائل النصية، عن تجاربهم في أثناء الجائحة، وكان من المدهش معرفة سبب رفض الأشخاص -الذين كنت أعرف الكثير منهم على مدار عقود– لارتداء الكمامات، في حين كانوا يتعاملون مع مشاعرهم المعقدة تجاه أحبائهم الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة بمضاعفات عدوى «كوفيد».

قال لي بعض هؤلاء الناس إن الله سيحميهم من الأذى، وقال آخرون ببساطة إنهم يختارون نبذ الخوف وعيش حياتهم، بل إن أعضاء مجلس إدارة المدرسة قالوا إنهم لن يفرضوا على الأطفال ارتداء أقنعة الوجه.

تحول الوقت الذي قضيته في آيوا إلى كتاب بعنوان: «من دون قناع وجه: كوفيد، والمجتمع، وحالة بلدة أوكوبوجي» Unmasked: COVID, Community, and the Case of Okoboji، في هذا الكتاب أصف الشبكات الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، التي تمثل جوهر فكرة رفض ارتداء الأقنعة وتلقِّي اللقاحات، وأن رفض أقنعة الوجه واللقاحات يعزز المكانة الاجتماعية بين مجموعات معينة من الناس.

من نواحٍ عدة، أصبح الشجار بشأن ارتداء أقنعة الوجه في ولاية آيوا وفي أماكن أخرى مقدمةً للشجار بشأن اللقاحات، وبين عائلات البيض تحديدًا، يُمثل رفض اللقاح سلاحًا يُستخدم للسيطرة على الشبكات الاجتماعية وبناء التضامن، أو الاحترام، أو اكتساب الأتباع.

إن السلطة الاجتماعية لرفض اللقاح موثقة على نحو جيد؛ فقد وجدت عالمة الأنثروبولوجيا إي. جي. سوبو أن العديد من الآباء في إحدى مدارس وولدورف بولاية كاليفورنيا يستخدمون فكرة رفض اللقاح في توطيد علاقات وأواصر المجتمع، كما كتبت عالِمة الاجتماع الأمريكية جنيفر رايك تقول: "إن الأمهات اللاتي يرفضن بعض اللقاحات أو كلها يفزن برأس مال اجتماعي عندما يكتسبن الدعم المعلوماتي، والعاطفي، والتقدير من الشبكات الاجتماعية بسبب مواقفهن ومعارضتهن لأولئك الذين لا يتفقون معهن في الرأي"، وتصف رايك كيف أن العديد من الأمهات أكدن سلطتهن الفردية على أجساد أطفالهن من أجل التغلُّب على مشاعر العجز التي يشعرن بها في جوانب أخرى في حياتهن.

ولا يختلف شكل التردد في تلقي اللقاح في بلدة أوكوبوجي عن ذلك؛ فقد أصبح أحد أطباء الأسرة خصمًا لدودًا لارتداء أقنعة الوجه، والحجر الصحي، وتلقِّي اللقاح، ترك هذا الطبيب ممارسة الطب في نهاية المطاف، لكني سمعت أناسًا في جميع أنحاء البلدة يرفضون توصيات الصحة العامة ويستشهدون بانتقاداته.

وعلى نطاق واسع، فإن تلك الحركة الرافضة لتلقِّي اللقاحات يقف وراءها مجتمع بديل يهتم بالصحة وهو شديد التدين كذلك، وأغلب المنتمين إلى هذا المجتمع محافظون ومسيحيون، ويجمعون بين حماسهم في تأييد الرئيس ترامب وعقيدتهم المسيحية ومعتقداتهم بشأن فيروس كورونا.

وفي أوكوبوجي، استخدمت أمهات مثل مورين فكرة رفض اللقاح لرفع مكانتهن الاجتماعية، وقد تجلَّى ذلك في أستاذ مورين، الذي استخدم تلك المعتقدات في بناء شبكة اجتماعية ودينية قوية، واستنادًا إلى أبحاثي التي أجريتها في بلدتي الأم، لا أعتقد أن العديد من الأطفال في أوكوبوجي والمجتمعات المماثلة في جميع أنحاء الولايات المتحدة سيتلقون التطعيم ضد «كوفيد-19» على الإطلاق إذا تركنا الأمر للخيارات الشخصية، ولحماية الأطفال الأكثر تعرضًا للخطر –لا سيما أولئك الذين لا يمكنهم تلقِّي التطعيم– نحن بحاجة إلى سد هذه الفجوة المتمثلة في رفض اللقاح بقرار يقضي بفرضه إلزاميًّا.

وكما اعتقد الكثير من الناس في أوكوبوجي خلال الأشهر العديدة الأولى من الجائحة، نحن جميعًا في هذا الأمر معًا، وقرارات فرض تلقِّي اللقاح ستجعل من الأسهل المشاركة في هذه المسؤولية الاجتماعية.