عند استبعاد العدّاءة الأمريكية شاكيري ريتشاردسون، بطلة العدو السريع البالغة من العمر 21 عامًا، من دورة الألعاب الأولمبية الصيفية المقامة في طوكيو بعد أن أثبتت التحاليل تعاطيها الماريجوانا، أثار ذلك الجدل حول السؤال: "هل يجب منع الرياضيين من استخدام مخدر الحشيش؟".

ومن جانبها، صرحت ريتشاردسون بأنها استخدمت الماريجوانا حتى تستطيع التغلُّب على حالة الحزن التي صاحبتها بعد وفاة والدتها، لا من أجل تعزيز أدائها، وسرعان ما تسبب خبر استبعاد ريتشاردسون في نشوب جدل محتدم، إذ صرحت الوكالة الأمريكية لمكافحة المنشطات (USADA) بأنها تطبق قوانين الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات (WADA) التي تصنف الماريجوانا وغيرها من أنواع مخدر الحشيش ضمن المواد الممنوع تعاطيها في أثناء المنافسات الرياضية، بما في ذلك التركيبات المصنَّعة من هذه المركبات، تحظر الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات المواد التي تستوفي معيارين من المعايير الثلاثة التالية: أن تهدد هذه المواد صحة الرياضيين، أو أن تكون لها القدرة على تعزيز الأداء، أو أن تنتهك "الروح الرياضية".

ولكن العلماء يرون أن البيانات التي تدعم الفرضية القائلة بأن الماريجوانا تعزز الأداء الرياضي لا تزال ضئيلة، وإن كان لها ثمة تأثير، فإن الأدلة تشير إلى أن العقار في الواقع يقلل من قدارت الرياضيين، في الوقت ذاته، بينما يقر بعض الخبراء بأن للماريجوانا تأثيرًا ضارًّا على الصحة، يرى آخرون أن الأبحاث حتى الآن تشير إلى أن أضرارها لا تفوق أضرار الكحول، الذي تتعامل معه الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات بقدر أكبر من التساهل.

تقول أنجيلا برايان، أستاذة علم النفس والأعصاب بجامعة كولورادو بمدينة بولدر الأمريكية: "إن [ريتشاردسون] أتت فعلًا يسمح به قانون الولاية التي كانت تقيم فيها لأسباب بدت في الحقيقة مُقنِعَة، وإن مصادرة فرصتها في المشاركة في مسابقة من أهم المسابقات العالمية يبدو لي أمرًا سخيفًا"، مضيفةً: "أرى أن على الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات أن تدرس الأدلة التي توافرت مؤخرًا وأن تعيد تقييم موقفها".

هل يحسِّن القنب من الأداء الرياضي؟

 استند قرار الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات بوضع الماريجوانا ضمن قائمة المواد المحظورة إلى مقالة مرجعية مهمة نشرها في عام 2011 اثنان من أعضاء الوكالة واختصاصي في علم السموم بالمعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات، يذكر المؤلفون في هذا البحث أن الدراسات التي أُجريت على الحيوانات والبشر، والتي كانت متوافرةً في ذلك الوقت، تشير إلى أن "مخدر الحشيش قد يحسِّن من أداء بعض الرياضيين ويفيد في بعض المجالات الرياضية".

أما مارجريت هانيي، أستاذة علم الأعصاب الحيوي التي تَدرس الآثار المترتبة على استخدام مخدر الحشيش بالمركز الطبي التابع لجامعة كولومبيا في مدينة إيرفينج الأمريكية، فتقول: إن البيانات التي استخدمها مؤلفو البحث لدعم هذا الطرح "ليست قويةً على الإطلاق، وتكاد تتعارض مع الفرضية التي يطرحونها"، تشير هانيي إلى أن المقالة على سبيل المثال تستشهد بدراسة ذكر فيها راكبو الدراجات أن قدراتهم الرياضية انخفضت قليلًا بعد تعاطي القنب".

وقد ظهرت العديد من الدراسات المرجعية منذ عام 2011 التي تولت تقييم الأبحاث المتوافرة حول هذه القضية، وقد توصل العديد من هذه الدراسات -والتي شارك المدير الحالي للوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في تأليف واحدة منها- إلى النتيجة نفسها، وهي أنه ما من أدلة مقنعة على أن مخدر الحشيش يحسِّن من أداء الرياضيين في المنافسات.

يقول ديفيد ماكدوف، اختصاصي الطب النفسي الرياضي والأستاذ بجامعة مريلاند الأمريكية، والعضو بمجموعة عمل الصحة العقلية التابعة للجنة الأوليمبية الدولية: "في ظل غياب المعلومات الدقيقة، أعتقد أن الاتفاق الأرجح هو أن مخدر الحشيش عاملٌ مثبطٌ للأداء وليس معززًا له"، يضيف ماكدوف أن "بعض الدراسات تشير إلى أن تعاطي الماريجوانا له آثارٌ سلبية على مهارات مثل التناسق الحركي واليقظة الذهنية، وهما من المهارات الضرورية في الكثير من الرياضات، ومع ذلك، لا يتوافر لدينا سوى قدر ضئيل من الأدلة المباشرة على هذا النوع من التأثير على الرياضيين".

وبالإضافة إلى غياب الأدلة القوية على تأثير مخدر الحشيش في تحسين الأداء الرياضي، تقول ويتني أوجل، الأستاذ المساعد في علم حركة الجسم بجامعة هومبولدت ستيت الأمريكية: إن بعض تأثيرات الماريجوانا التي أشارت إليها الورقة الصادرة عام 2011 ووصفتها بأنها مفيدة للرياضيين، مثل الحد من التوتر وتحسين القدرة على النوم، تتسبب فيها مادة الكانابيديول التي توجد في الماريجوانا والتي حذفتها الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات من قائمة المواد المحظورة في عام 2018.

لدينا بعض الأدلة غير المثبتة التي تشير إلى أن استخدام مخدر الحشيش قبل ممارسة التمارين الرياضية أمرٌ شائع، ولكن يبقى تأثيره على الأداء غير واضح حتى الآن؛ فمنذ بضعة أعوام، أجرت برايان وزملاؤها دراسة استقصائية عبر الإنترنت على ما يقرب من 600 فرد يقيمون في ولايات أمريكية يسمح فيها القانون بتعاطي الماريجوانا، إذ ذكر نحو 70% منهم أنهم يتعاطون الحشيش المخدر قبل ممارسة الرياضة بوقت قصير، كذلك تشير أبحاث أوجل، القائمة أيضًا على دراسات استقصائية عبر الإنترنت، إلى أن تدخين القنب قبل ممارسة الرياضة يساعد الرياضيين على الحفاظ على حماسهم ويزيد من متعة الحدث، كما أن بعض الرياضيين يرى أن ذلك يساعد على تحسين الأداء، إلا أن أوجل تضيف أنه من غير المعلوم ما إذا كان لتدخين القنب أي آثار مفيدة بالفعل أم أن الأمر لا يعدو سوى أن هؤلاء الأشخاص يتخيلون تحسُّن أدائهم  تحت تأثير الماريجوانا.

وتقول أوجل إن أحد التحفظات على العديد من تلك الدراسات التي أُجريت على العلاقة بين مخدر الحشيش والأداء الرياضي حتى الآن هو أن مستويات مادة رباعي-هيدرو-كانابينول (THC) في المنتجات التي خضعت للدراسة أقل بكثير من تلك الموجودة في منتجات أخرى أضحت متاحةً مؤخرًا؛ فقد أجرى الباحثون هذا البحث بصفة أساسية باستخدام مخدر الحشيش الذي يحتوي على أقل من 5% من مادة رباعي-هيدرو-كانابينول، في حين أن الإصدارات التجارية المتاحة منه حاليًّا قد تحتوي على نحو 30% أو أكثر من هذه المادة، وترى أوجل أنه بما أن معظم النتائج المتوافرة تستند إلى منتجات تحتوي على نسب قليلة جدًّا من مادة رباعي-هيدرو-كانابينول، فإنه من الصعب تعميم تلك النتائج على المنتجات المتاحة تجاريًّا اليوم.

هل يجب حظر نبات القنب؟

استندت الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في حظرها الماريجوانا، حتى وإن كانت لا تساعد على تحسين أداء الرياضيين، إلى دعوى أنها تشكل تهديدًا لصحة الرياضيين وسلامتهم، وتنتهك الروح الرياضية التي تنطوي على قائمة طويلة من القيم التي يجب أن يتحلى بها المتنافسون، مثل الأمانة والالتزام واحترام القواعد والقوانين، يقول ماكدوف: "لسنا في الواقع بحاجة إلى التركيز على الأداء لنستوفي اثنين من المعايير الثلاثة"، معللًا ذلك بأن هذين المعيارين الأخيرين متحققان بالفعل؛ لأن استخدام القنب ما زال مجرّمًا في قوانين أغلب الدول التي تشارك في المناسبات الرياضية الدولية مثل دورة الألعاب الأوليمبية، كما يؤكد ماكدوف أنه عندما يتعلق الأمر بالصحة "فالأدلة واضحة جدًّا على المخاطر الصحية المترتبة على استخدام مخدر الحشيش، خصوصًا إذا كان يُستخدم بصفة منتظمة ويومية"، مضيفًا: "أعتقد أن الحرص يحتم علينا أن نضع الماريجوانا ضمن قائمة المحظورات إلى حين ظهور دليل واضح يسوِّغ حذفها من القائمة".

يضيف ماكدوف: إن الأضرار المحتملة لتناول مخدر الحشيش قد تظهر في صور عديدة، منها زيادة احتمالات وقوع حوادث خطرة؛ إذ أشار بعض التقارير إلى أن العقار يعوق القدرة على قيادة المركبات، وكذلك الإصابة بالذهان لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد للإصابة به، إلى جانب الوصول إلى مرحلة إدمان مخدر الحشيش، ويشير بعض الدراسات إلى أن نحو 9% من مستخدمي القنب يصلون إلى مرحلة الإدمان، وأن مَن يبدأون تعاطيه في عمر صغير هم الأكثر تعرضًا لخطر الإدمان.

ومع ذلك، يقول خبراء آخرون إنه مع وجود هذه المخاطر الحقيقية، فمن الظلم تبنِّي معايير مزدوجة عند التعامل مع الماريجوانا في حين أن الكحوليات -وهي مواد غير مُدرجة بقائمة الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات- لها تأثيرات ضارة مماثلة إن لم تكن أسوأ، يقول برايان: "إن الكحول أخطر بكثير على الصحة من مخدر الحشيش، من حيث احتمال التعرض للإصابة بالأمراض أو للوفاة"، مضيفًا: "أعتقد أننا ينبغي أن نعامل ]مخدر الحشيش[ كباقي العقاقير التي يستخدمها الناس لأغراض مختلفة، مثل الكحول والكافيين والنيكوتين، وفي حين أن ذلك يجعله خاضعًا للتنظيم والرقابة، إلا أنني لا أظن أنه يجب حظره".

يأتي الجدل حول هذه المسألة في وقت فريد نوعًا ما في التاريخ الحديث، إذ شهدت الأعوام القليلة الماضية تغيرًا جذريًّا في الآراء المتعلقة بالماريجوانا، تَمثّل بشكل واضح في تقنين استخدام مخدر الحشيش لأغراض ترفيهية في عدة ولايات أمريكية وفي كندا بأكملها، كما تنظر دول عديدة حول العالم في إتاحة استخدام الماريجوانا لأغراض طبية وترفيهية.

وقد تسبب هذا الأمر بالتبعية في إدخال تغييرات على مجال الرياضات الاحترافية، فعلى سبيل المثال نجد أن «بطولة القتال العنيف» (UFC)، التي تخضع لقوانين الوكالة الأمريكية لمكافحة المنشطات وليس الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، تسمح باستخدام مخدر الحشيش ما عدا في حالة تعمُّد الرياضيين استخدامه لتحسين الأداء، يقول ماثيو فيدوروك، كبير المسؤولين العلميين بالوكالة الأمريكية لمكافحة المنشطات: إنه بموجب تلك القوانين، فإن استخدام مخدر الحشيش للتغلب على الحزن، مثلما حدث مع ريتشاردسون، لن يؤدي إلى الاستبعاد من المسابقات.

كذلك نجد «بطولة القتال العنيف» تشترط توافر أدلة إضافية على تعاطي المنشطات، مثل مؤشرات سلوكية تشير إلى أن اللاعب كان واقعًا تحت تأثير المخدر في يوم المباراة نفسه، بدلًا من قصر الاعتماد على نتائج تحليل البول، ويشير فيدوروك إلى أن الخصائص الكيميائية لمادة رباعي-هيدرو-كانابينول قد تجعلها تظهر في مستويات أعلى من الحد المسموح به في البول عند إجراء الاختبار، مما يجعل وجود هذه المادة مؤشرًا لا يمكن الاعتماد عليه للاستدلال على استخدام المنشطات خلال المسابقات.

يضيف فيدوروك: "لقد نادينا وسنظل ننادي بتغيير الآلية التي بُنيت عليها قواعد الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات للتعامل مع الماريجوانا حتى نتأكد من ملاءمتها للغرض الذي وُضعت من أجله، وألا ينتهي الأمر إلى توقيع العقوبات دون داعٍ على الذين يستخدمونها في إطار قانوني خارج فعاليات المنافسات".

يشير جيمس فيتزجيرالد، مسؤول الإعلام ومدير الاتصالات في الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، إلى أن القائمة التي وضعتها المنظمة للمواد المحظورة تخضع للمراجعة سنويًّا بالاستعانة بخبراء عالميين، سواء من المعنيين بمكافحة تعاطي المنشطات أو المتخصصين في المجالات العلمية والطبية ومكافحة المنشطات، وذلك "لضمان أن تخرج القائمة معبرةً عن نتائج الأبحاث الطبية وممارسات تعاطي المنشطات الراهنة"، مضيفًا أن قرار رفع إحدى المواد من قائمة الحظر "لا يعتمد على بحث واحد أو دراسة واحدة".

ولكن أوجل تقول إن الأبحاث التي تتناول مسائل مثل تأثير مخدر الحشيش على الأداء الرياضي تبقى محدودة، مما يجعل الأدلة التي تعتمد عليها الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات في اتخاذ هذه القرارات محدودةً بدورها، وبالرغم من ضرورة إجراء المزيد من الدراسات حول هذا الموضوع، إلا أن الوضع القانوني للماريجوانا يزيد من صعوبة التعامل مع القضية؛ فحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قننت العديد من الولايات استخدام الماريجوانا، نجدها ما زالت مدرجة في جدول الأدوية رقم 1، المخصص للمواد التي ليس لها استخدام طبي متفق عليه وهي ذات قدرة كبيرة على التسبب في الإدمان، تقول أوجل: "هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث"، مضيفةً: "يحتاج إجراء هذه الأبحاث إلى ألا يكون مخدر الحشيش مدرجًا بجدول الأدوية رقم 1".