في أواخر القرن الثالث عشر، هجر الأمريكيون الأصليون الذين يعيشون في مساكن المنحدر -فيما يُعرف الآن بمنطقة فور كورنرز جنوب غرب الولايات المتحدة- منازلهم بشكل جماعي وانتقلوا إلى وديان النهر، أقرب إلى المياه التي أصبحتْ موردًا نادرًا خلال واحدة من أسوأ "موجات الجفاف العُظمَى" التي ضربت جزء القارة الغربي في الألفية الأخيرة.

وكثيرًا لما أعرب العلماء -ممن يدرسون تاريخ المُناخ- عن قلقهم من أن ارتفاع درجات الحرارة قد يساعد على دفع المنطقة الجافة بالفعل نحو موجة جفاف عُظمى (عادة ما يتم تعريفها أنها فترة الجفاف المستمر لمدة 20 عامًا أو أكثر) مرة أخرى بسهولة أكبر في المستقبل، ويُمثّل هذا مصدر قلق كبير في جزء متنامٍ من البلاد التي عانت بالفعل من صعوبة تلبية الاحتياجات المائية خلال ما يقرب من عقدين من الجفاف.

كان بارك ويليامز، المتخصّص في علم المُناخ الحيوي في مرصد لامونت دورتي للأرض بجامعة كولومبيا، يتصوَّر دائمًا أن موجات الجفاف العُظمى السابقة لها ظروف غير معروفة لنا الآن، لكن منذ عدة سنوات، أدرك أن موت الأشجار على نطاق واسع، وغزو خنفساء اللحاء، ونشوب حرائق الغابات -التي تصورها ويليامز لتلك الأحداث الماضية- قد تحقق بالفعل في السنوات الأخيرة، ما قاده إلى مقارنة الجفاف الأخير في المنطقة مع موجات الجفاف العُظمى في الألفية الأخيرة، فاكتشف أنه يضاهيهم من حيث الشدة، وإذا استمر فقد يمثل أوَّل موجة جفاف عُظمى في عصر تغيّر المُناخ الذي يسببه الإنسان.

تحدثت مجلة ساينتفيك أمريكان مع وليامز في وقت سابق من هذا الشهر عن بحثه، في الاجتماع السنوي للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي في واشنطن العاصمة.

(وفيما يلي نسخة مُحرّرة من المقابلة).

بأي وسيلة نعرف كيف كانت موجات الجفاف العُظمى السابقة؟

الطريقة الأوَّلية التي نعرف بها عن موجات الجفاف العُظمى: سجلات حلقات الأشجار، إذ تُنتج الأشجار حلقات سنوية كل عام، إذ كان النمو جيدًا تكون الحلقة واسعة، وإذا كان ضعيفًا تكون الحلقة ضيقة، وهكذا في الأماكن التي تعيش فيها الأشجار سنوات أكثر جفافًا، يُحفظ الجفاف في سجلّاتها على هيئة مجموعات من الحلقات الضيقة.

وهناك أدلة أخرى على موجات الجفاف العُظمى تلك، في جبال سييرا نيفادا في كاليفورنيا، مرَّت فترتا جفاف ما بين 850 م و1300 م تقريبًا، كل منهما استمرَّت من 100 إلى 150 عامًا، عندما كانت الظروف شديدة الجفاف باستمرار كانت قيعان الأنهار -المغمورة الآن بالماء على الدوام- جافة بدرجة سمحت للأشجار أن تنمو عليها حتى النضج، والآن نرى في قيعان هذه الأنهار -وبعض البحيرات - جذوع تلك الأشجار، ذهب العلماء وجمعوا خشب هذه الجذوع، وطبَّقوا تأريخ الكربون عليها لوضعها خلال تلك الموجات العُظمى.

كيف تساعد حلقات الشجرة في المقارنة بين موجات الجفاف العُظمى السابقة والجفاف اليوم؟

في غرب أمريكا الشمالية، نحن محظوظون حقًا لوجود سجلّات حلقات الأشجار من جميع أنحاء القارة، وبكثافة عالية. تمتلك هذه المنطقة الصغيرة الكثير من سجلات حلقات الأشجار مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، حافظ العديدُ منها على سجلّات الجفاف داخله بدقة عالية للغاية، السبب في ذلك أن غرب أمريكا الشمالية مجرّد مكان جاف، لذلك فإن الأشجار تخزِّن معلومات الجفاف بشكل جيد في سجلات حلقاتها، وقد استفدنا من ذلك في إعادة تصوّر كيفية تغيّر رطوبة التربة خلال الـ1200 سنة الماضية، وتوصّلنا إلى سجل واحد من تقلبات الجفاف منذ عام 800 م حتى يومنا هذا في غرب الولايات المتحدة، باستخدام سجلات حلقات الأشجار هذه، ثم تمكّنا من مقارنة الجفاف الحاليّ الذي دام 19 سنة مع جميع الفترات الأخرى التي استمرت 19 سنة منذ 800 م، لتقييم مدى سوء هذا الجفاف، ليس فقط على مرّ قرن من الزمن ولكن على مرّ ألفية.

متى بدأت الاعتقاد بأن الجفاف الحاليّ قد يكون على قدم المساواة مع موجات الجفاف العُظمى السابقة؟

في عام 2012، أجريت دراسة باستخدام سجلات الأشجار الموجودة في الجنوب الغربي، ووجدت أن فترة الجفاف التي امتدت 13 عامًا بداية من عام 2000 حتى عام 2012 كانت شاذة ومختلفة -أسوأ بكثير من أي شيء آخر خلال الـ 400 عام الماضية- كانت شديدة الشبه بأول 13 عامًا من موجة الجفاف العُظمى في أواخر القرن السادس عشر، هذا هو سبب اعتقادي، وفي الواقع، إذا تأملنا بأثر رجعي الفترة من عام 2000 حتى عام 2012، نجد أنها كانت بالفعل 13 عامًا شديدة الصعوبة، لذا وجدنا أن فترة الـ19 عامًا هذه تأتي في المرتبة الرابعة من حيث الشدة في آخر 1200 عام، لكن فترة الـ13 عامًا هذه قد تأتي في المرتبة الأولى من بين كل فترات الـ13 عامًا عندما ننظر عبر غرب الولايات المتحدة بأكمله وشمال منطقة المكسيك.

هل أسهم تغيّر المناخ في فترة الجفاف الأخيرة، وهل يمكن أن يؤدي إلى استمرارها؟

يمكن لتغيّر المُناخ أن يؤثّر في الجفاف بطريقتين، إحداهما إذا تغيَّر هطول الأمطار بسبب تغيّر المُناخ –فسوف يتغيّر الجفاف بلا شك- والأخرى إذا تغيَّرت الحاجة التبخيرية للغلاف الجوي، عندئذ قد يتغير الجفاف، حتى لو لم يكن هناك تغيّر طويل المدى في هطول الأمطار، وهذا ما رأيناه في غرب أمريكا الشمالية، إذ لم يشهد القرن الماضي تغيرات كبيرة في هطول الأمطار.

 النماذج المُناخية متنوعة بدرجة كبيرة، من حيث كونها تحاكي التغيرات في هطول الأمطار لتنشأ دالة على زيادة غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، لكن ما حدث أن الحرارة ارتفعت بسرعة في القرن الماضي، ارتفعت درجة حرارة غرب الولايات المتحدة وكذلك شمال المكسيك إلى ما يزيد قليلًا على درجة ونصف مئوية على مدى الـ120 عامًا الماضية.

 وتشير النماذج المُناخية إلى أن كل هذا الاحترار يرجع إلى تغير المُناخ الذي يسببه الإنسان، تعزّزه حاجة الغلاف الجوي للتبخير، مما يتسبب بشكل أساسي في أن تكون كل قطرة مطر أو ندفة ثلج أقل قيمة؛ نظرًا لتبخّرها بسهولة أكبر، رجوعًا إلى الغلاف الجوي، هذا وحده قد يخفض رطوبة التربة، وهو ما رأيناه حتى الآن.

في استطاعتنا أن نحسب بأثر رجعي كيف كانت رطوبة التربة ستتأثر إذا لم تحدث اتجاهات الاحترار طويلة المدى التي تسبّب فيها البشر، وعندما نفعل ذلك، نجد أن هذا الجفاف الذي دام 19 عامًا كان سيحدث في جميع الأحوال، كان سيظل سيئًا، يتنافس مع أسوأ موجات الجفاف في القرن الماضي، لكنه لن يكون قادرًا على التنافس مع الجفاف في الألفية الأخيرة [دون تغيّر المناخ]، وقد قدَّرنا  أن نحو 38% من شدة الجفاف الحاليّ الذي دام 19 عامًا كانت مدفوعة بالاحترار طويل المدى، ومن ثّمَ فإن 62% من الجفاف كان سيحدث على أي حال، بسبب الانخفاض [العشوائي] في هطول الأمطار فقط.

هل يمكن لهذا الجفاف أن يتنافس مع موجات الجفاف العُظمى في المدة أيضًا؟

في غرب أمريكا الشمالية، عادة ما تكون الظروف من نوع لانينيا (عندما يكون المحيط الهادئ الاستوائي أكثر برودة من المتوسط) والتي تعزّز حدوث الجفاف، إلا أنها ليست سببًا مضمونًا لذلك، ولكن بشكل عام تتزامن موجات الجفاف الكبيرة مع أحداث اللانينيا، وتنتهي في كثير من الأحيان بأحداث إل نينيو الكبيرة )عندما يكون المحيط الهادئ الاستوائي دافئًا بشكل غير معتاد( مما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة.

لذا فمن المحتمل وجود حدث كبير من ظاهرة إل نينيو في السنوات القليلة المقبلة، أو حتى فترة 10 أو 20 سنة من درجات حرارة سطح البحر من نوع إل نينيو، مما قد يُنهي الجفاف، لكن هطول الأمطار يتنافس على نحو متزايد مع درجة الحرارة من حيث قدرته على التحكم في بداية الجفاف ونهايته، ومع ارتفاع درجات الحرارة سيكون الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لظاهرة إل نينيو لإنهاء الجفاف الحاليّ، لذا من الممكن أن ينتهي هذا الجفاف في السنوات القليلة المقبلة أو العقد القادم، لكن يتزايد الاحتمال في استمراره.